(مِنْ طُغْيَانِ فِرْعَوْنَ.. إِلَى قَوَانِينِ النَّصْرِ الحَقِيقِيَّة)
أيها القراء الكرام، نعيش اليوم مع الجزء التاسع من كتاب الله، وهو جزء يحبس الأنفاس؛ حيث يصل بنا إلى ذروة الصراع المادي والعقدي بين الحق والباطل في قصة موسى عليه السلام مع فرعون، ثم يغوص في آفات النفوس البشرية من خلال استعراض انحرافات بني إسرائيل، ليختم رحلته المنهجية بافتتاح سورة الأنفال، واضعاً بين أيدينا قوانين النصر الحقيقية من أرض معركة بدر.
المحطة الأولى: سحرة فرعون.. الانقلاب القيمي الأعظم في التاريخ: يعرض لنا القرآن مشهداً عجيباً لسحرة فرعون، الذين جاؤوا في أول النهار يساومون على المال والمناصب: ﴿أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين﴾. ولكن بمجرد أن تجلى لهم الحق ورأوا المعجزة، تحولوا في لحظات حاسمة من عبيد للدرهم والسلطة إلى شهداء في سبيل الله. لم ترهبهم تهديدات فرعون بالصلب وتقطيع الأطراف، بل صرخوا بقلوبهم الواثقة فيما عند الله: ﴿فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا﴾.
إن الإيمان الصادق إذا وقر في القلب، يحرر الإنسان من عبودية المادة، ويصيغ وجدانه من جديد في طرفة عين. ويعلق حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما على هذه النقلة المذهلة قائلاً: “كانوا في أول النهار سَحَرَةً، وأصبحوا في آخر النهار شُهَدَاءَ بَرَرَةً”. ولنجعل من هذا الموقف العظيم دافعاً لنا للثبات على الحق مهما كانت المغريات المادية، وألا نساوم على مبادئنا من أجل منصب أو مال زائل.
المحطة الثانية: آفة التقليد الأعمى وهشاشة اليقين: في المقابل، يضعنا القرآن أمام مشهد صادم يكشف هشاشة الإيمان لدى بني إسرائيل. فبعد أن أنقذهم الله وشق لهم البحر في معجزة مرئية، وبمجرد أن مروا على قوم يعبدون الأصنام، انتكست فطرهم وقالوا لنبيهم الذي أنقذهم للتو: ﴿يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾. هذا المشهد يمثل تحذيراً من مرض خطير: الانهزام النفسي والتبعية الفكرية للمنتصر أو للأغلبية، حتى لو كان منهجهم باطلاً وخرافة.
المعجزات المادية وحدها لا تكفي لصناعة اليقين إذا كانت القلوب مريضة بالاستلاب والتبعية. ويصف الإمام القرطبي هذا الانحدار النفسي بقوله: “هذا يدل على جهلهم العظيم، وقلة بصائرهم في دين الله، مع ما رأوا من الآيات العظام التي لم يَرَهَا غيرهم”. وهذا يوجب علينا تحصين عقولنا وعقول أبنائنا من التبعية العمياء، وألا نغتر بكثرة الهالكين أو ببريق الباطل مهما انتفش.
المحطة الثالثة: أصحاب السبت.. وخطر التحايل على الشريعة: ينتقل بنا السياق إلى قرية أصحاب السبت، الذين امتحنهم الله بتحريم الصيد يوم السبت، فابتكروا حيلة ماكرة: ينصبون شباكهم يوم الجمعة، لتصطاد السمك يوم السبت، ثم يجمعونه يوم الأحد! ظنوا بجهلهم أنهم يخدعون الله، فكانت عقوبتهم أن مسخهم قردة وخنازير. هذا تحذير شديد اللهجة من خطورة التلاعب بنصوص الشريعة، والبحث عن ثغرات وحيل لتحليل الحرام.
وذكر الإمام الطاهر بن عاشور (رحمه الله) في “التحرير والتنوير” أنهم لجأوا للحيلة لتسكين وخز الضمير؛ فهم لم يصطادوا مباشرة يوم السبت، لكنهم هيأوا الأسباب. وهذا يمثل أسوأ أنواع الانحراف، حيث يفقد الإنسان صدقه مع خالقه.
أما الشيخ محمد متولي الشعراوي (رحمه الله) فيلفت انتباهنا إلى حكمة الابتلاء، فيقول إن الله يبتلي العبد في أحب الأشياء إليه، وفي مصدر رزقه، ليمتحن: هل مراد الله أغلى عنده أم مراد نفسه؟ الأسماك التي تأتي يوم السبت هي “فتنة التمكين من المعصية”، والبطولة هي الترك مع القدرة.
وفي خضم هذه الأزمة، انقسم المجتمع إلى ثلاث طوائف: العصاة المعتدون، والساكتون السلبيون، والناصحون الإيجابيون. ولم تنج من العذاب المهين إلا الطائفة الثالثة التي أدت أمانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويستنبط الإمام ابن كثير من هذا الموقف سنة إلهية بقوله: “أهلك الله الظالمين، وسكت عن الساكتين لِسُقُوطِهِم من عَيْنِهِ، ونجَّى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر”. وهذا يفرض علينا واجباً مزدوجاً؛ أن نترك التحايل على المناهج الربانية، وأن نكون من الطائفة الإيجابية الآمرة بالمعروف بحكمة، لئلا يَعُمَّنا الهلاك.
المحطة الرابعة: خيانة العلم والانسلاخ عن المبادئ: وبعد أن كشف الله داء التحايل، يضرب لنا مثلاً مرعباً لكل من آتاه الله علماً وفهماً للدين، فاستغله لمطامع الدنيا ومكاسبها الزائلة: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين﴾. وتأمل الدقة في لفظ “فانسلخ”؛ فهو يوحي بأن الدين والآيات كانت تغلفه وتحميه كالجلد الطبيعي، فلما تجرد منها طمعاً في بريق الدنيا أصبح كائناً مشوهاً مفضوحاً مسلوخا، بلا حماية ولا وقار. لقد شبهه القرآن بأقسى وأحط تشبيه: ﴿فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يَلْهَثْ أو تتركه يَلْهَثْ﴾.
العالم أو الداعية الذي يطوع نصوص الدين لترضي أهواء الجماهير أو طمعاً في منصب، يفقد كرامته الإنسانية، ويصبح عبداً لشهواته بعد أن كان حاملاً لنور السماء. وفي هذا يذكر الإمام ابن القيم قاعدة مخيفة: “هذا مَثَلُ عالمِ السُّوءِ الذي يُؤثِرُ الدنيا على الآخرة، فهو كالكلب الملهوف أبداً على الدنيا، إن زجرته لَهَث، وإن تركته لَهَث”. فليكن دعاؤنا الدائم أن يرزقنا الله الإخلاص، وأن نُتبع العلم بالعمل، محذرين أنفسنا من استغلال الدين لتحقيق مآرب دنيوية دنيئة.
المحطة الخامسة: دستور العلاقات الإنسانية.. وراحة البال: وفي خواتيم سورة الأعراف، يجمع الله أصول الأخلاق وقواعد التعامل مع البشر في آية واحدة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. هذه الآية هي وصفة سحرية للراحة النفسية والمجتمعية؛ فبها تتنازل عن زلات الناس (العفو)، وتدعو للخير بالكلمة الطيبة (العرف)، وتتجاهل السفهاء ولا تستنزف طاقتك في الرد عليهم. يروى عن الإمام جعفر الصادق قوله: “ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية”. وهذا يوجب علينا أن ندرب أنفسنا على التغافل، وترك الجدال العقيم مع الجاهلين، حفظاً لأوقاتنا وسلامة لصدورنا.
المحطة السادسة: يقظة القلوب.. وبتر خطوة الشيطان الأولى: ثم يختم القرآن سورة الأعراف بتسليط الضوء على معركة داخلية خفية تدور في عقل الإنسان؛ معركة “الأفكار والوساوس”: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾. الشيطان لا يُسقط الإنسان في المعصية فجأة، بل يرمي له (طائفاً) أي خاطرة عابرة تمس قلبه. المؤمن هو من يمتلك يقظة داخلية؛ فبمجرد أن تمسه هذه الفكرة، يطردها فوراً بـ (التذكر) واللجوء إلى الله، فتعود إليه بصيرته وينجو. أما في المعسكر المقابل، فيقول تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾؛ فأهل الغفلة تتخطفهم وساوس الشياطين، فلا يدفعونها، بل يسترسلون معها، ويُشرعون أبواب قلوبهم لاحتضانها، فتنمو الفكرة وتتكاثر حتى تتحول إلى عزيمة، ثم إلى خطيئة مكتملة الأركان.
وهذا التوجيه يفرض علينا واجباً عظيماً؛ أن نحرس بوابات عقولنا، وأن نبتر خواطر المعصية في مهدها بالاستعاذة والذكر قبل أن تتجذر وتتحول إلى أفعال وندم.
المحطة السابعة: المرتكزات القلبية للمؤمنين (بداية الأنفال): نودع سورة الأعراف وندخل في سورة الأنفال، لتعيد ضبط بوصلة الإيمان في قلوبنا. القرآن هنا لا يبدأ بوصف المؤمنين بكثرة المظاهر التعبدية كالصلاة والصيام فقط، بل يغوص إلى جوهر الحالة القلبية: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون﴾. الإيمان الحقيقي في ميزان القرآن هو نبض في القلب، وخشية ترتجف لها الجوارح، وتوكل مطلق على الله قبل الشروع في أي عمل. يصف الإمام السعدي هذه الحالة الراقية: “هذه حقيقة الإيمان؛ أن يكون القلب حياً دائم الاتصال بالله، يرتجف خوفاً ورجاءً عند ذكره، وتزداد بصيرته بتلاوة آياته”. فلنجعل لأنفسنا خلوة مع كتاب الله، نعرض فيها قلوبنا على هذه الآيات، لنجدد نبض الإيمان فيها ونتذوق لذة الخشية والتوكل.
المحطة الثامنة: أهمية الأسباب وسر المسبب.. والاستجابة الواعية: يعلق القرآن على انتصار المسلمين في غزوة بدر بآية تهدم كل غرور بشري بالقوة والعتاد: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾. رغم أن الصحابة قاتلوا بكل شجاعة، ورغم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بالأسباب ورمى التراب بيده، إلا أن النصر والتوفيق كان من الله وحده. هذا يرسخ منهجنا: نحن نأخذ بالأسباب المادية بكل قوتنا، لكننا لا نعتمد عليها، بل نعتمد كلياً على مُسَبِّبِ الأسباب.
وهذا النصر العظيم والتأييد الرباني لا يتنزل إلا بشرط جوهري وضحه القرآن في نفس السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾. فالاستجابة لأمر الله ورسوله ليست مجرد طاعة جافة أو التزام شكلي، بل هي “الحياة” الحقيقية، وبدون هذه الاستجابة تموت القلوب وتنهزم الأمم من الداخل حتى لو ملكت كل أسباب القوة المادية. ولله در الإمام ابن القيم حين فسر هذه الحياة بقوله: “فالحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ولرسوله، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات”. لذا، وجب علينا المبادرة الفورية للاستجابة لنداء الله في كل أمر، مستفرغين الجهد في الأسباب، ومعلقين القلوب برب الأرباب.
الخلاصة: الجزء التاسع يضعنا أمام حقيقة الصراع وقوانين الانتصار؛ ليعلمنا أن الإيمان الصادق أقوى من تهديدات الفراعنة، وأن التلاعب بدين الله والتحايل عليه يجلب الخسران والمسخ، وأن الأمة لن تنجو إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإذا صحت القلوب واستجابت لربها وتوكلت عليه، تنزلت عليها ملائكة النصر في كل زمان ومكان.
“اليقين يكسر الطغيان، والاستجابة لله هي الحياة. “
