آخر الأخبار

كأس العالم بأقدام إفريقية وأعلام غربية.. كيف سرق الغرب جغرافيا القارة وتاريخها؟

شارك المقال على:

بسم الله الرحمن الرحيم.
بحكم مسيرتي كلاعب كرة قدم في الدوري المصري أواخر تسعينيات القرن الماضي، فإن نظرتي للعبة تتجاوز حدود المتعة المجردة إلى قراءة ما وراء المشهد الرياضي بعبقريته وتناقضاته. ومن هذا المنطلق الرياضي والفكري معاً، أجد أن المشهد الكروي العالمي يحمل دلالات أعمق بكثير من مجرد الفوز والخسارة.
فلم يعد كأس العالم لكرة القدم مجرد تظاهرة رياضية تُستعرض فيها المهارات وتُرفع فيها الكؤوس، بل غدا مرآةً عاكسةً لواقع جيوسياسي مرير، وشاهداً حياً على واحدة من أكبر عمليات السطو في التاريخ البشري.
إن المتأمل في تشكيلات المنتخبات الأوروبية الكبرى اليوم، يلحظ تحولاً ديموغرافياً صارخاً؛ فبمقارنة سريعة بين التشكيلات الأوروبية في العقود الماضية (حيث كانت العناصر ذات الأصول الإفريقية استثناءً نادراً أو أقلية محدودة) وبين هيمنة ذوي الأصول الإفريقية والسمراء على القوام الأساسي لمنتخبات كفرنسا وألمانيا وأسبانيا وسويسرا وغيرهم اليوم، ندرك أننا أمام حصاد مُرّ لاستنزافٍ طويل الأمد، حيث لم يكتفِ الغرب بنهب ثروات القارة السمراء، بل امتدت يده لسرقة تاريخها وجغرافيتها، واستقطاب عقولها ومواهبها.

أولاً: سرقة الجغرافيا.. إفقارٌ مُمنهج لا فقرٌ طبيعي
يخطئ من يظن أن إفريقيا قارة فقيرة؛ فالحقيقة الموثقة أنها قارة “مُفقَرَة” ومُنهَبة. الغرب لم يسرق موارد إفريقيا فحسب، بل صادر قدرة هذه الأرض على إطعام وإيواء بنيها.
مفارقة النور والظلام: لعل أبرز مثال حي على هذا النهب هو دولة النيجر؛ حيث تظل النيجر مورداً استراتيجياً حيوياً لا يستهان به في معادلة الطاقة النووية الفرنسية، بينما يفتقر جزء كبير من شعبها للبنية التحتية الأساسية للطاقة والخدمات.
الاستعمار المالي: ولا يقتصر الأمر على المعادن، بل يمتد للاستعباد الاقتصادي الموثق. فوفقاً للتقارير الاقتصادية، ظلت 14 دولة إفريقية (دول الفرنك الإفريقي CFA) مُلزمة لعقود بإيداع نسبة كبيرة من احتياطياتها النقدية في الخزانة الفرنسية، في سيطرة وهيمنة تمنع هذه الدول من الاستقلال المالي وبناء بنيتها التحتية، مما حوّل أراضيها الخصبة والثرية إلى جغرافيا طاردة لأهلها.

ثانياً: هجرة اليأس.. النتيجة الحتمية للنهب
عندما تُسلب الجغرافيا خيراتها، وتُجرد الأرض من مقومات الحياة، لا يبقى أمام المواطن الإفريقي إلا الهروب. لقد أجبرت هذه الممارسات ملايين الأفارقة على ترك بلادهم وركوب “قوارب الموت” في البحر المتوسط. وتشير إحصائيات وكالة الحدود الأوروبية (فرونتكس) ومنظمة الهجرة الدولية (IOM) إلى مئات الآلاف من المهاجرين الذين ابتلعهم البحر، أو الذين وصلوا بشق الأنفس إلى شواطئ إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا. الغرب، الذي صدر الأزمات والفقر إلى بلادهم، يتباكى اليوم من أزمة اللاجئين، وينطبق عليهم قول الشاعر القديم:
ألقاهُ في اليَمِّ مَكتوفاً وقالَ لهُ … إيَّاكَ إيَّاكَ أن تبتَلَّ بالماءِ!

ثالثاً: تسليع المواهب البشرية وسرقة التاريخ
هنا تتجلى الفكرة المحورية للمونديال؛ فالناجون من أمواج البحر وقسوة الصحراء، أو أبناؤهم الذين وُلدوا في هوامش العواصم الأوروبية، يتلقفهم الغرب مجدداً، ولكن هذه المرة بنظرة “براغماتية نفعية”.
تسليع المواهب: يُعاد تدوير هؤلاء الشباب في أكاديميات رياضية صارمة. يتم انتقاء الأقوى، والأسرع، والأمهر، ليتحولوا إلى ماكينات لحصد الألقاب. تشير إحصائيات المرصد الدولي للدراسات الرياضية (CIES) إلى نسب مفزعة لاعتماد الدوريات الأوروبية الكبرى والمنتخبات على اللاعبين من أصول إفريقية.
سرقة التاريخ: حين يُسجل اللاعب الإفريقي هدف الفوز في نهائي كأس العالم، يُرفع العلم الفرنسي أو الألماني أو الإنجليزي. يُسجل الإنجاز في صحائف التاريخ الغربي، وتُحرم القارة السمراء من مجد أبنائها.
لو أن الغرب ترك لإفريقيا ثرواتها، واستقرت بلدانها سياسيا، لكانت هذه المواهب تلعب بقمصان أوطانها الأصلية، ولرأينا كأس العالم يتأرجح بين السنغال، والكاميرون، وكوت ديفوار، ونيجيريا.
لذلك “ستظل الملاعب شاهدةً أن الأقدام التي أهدت الغربَ أمجاده، كانت وما تزال تحلم بوطنٍ لا يُسرق منه الحلمُ.. ولا الذهب.”

د. أحمد مهنا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
إمام وخطيب وداعية بدولة البرازيل.

أحمد مهنا
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

سماحة الشيخ القره داغي يشارك في مؤتمر منح الإجازات العلمية لوقف إسماعيل آغا بإسطنبول

شارك سماحة رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فضيلة الشيخ الدكتور

التقنية الحديثة لم تُبقِ عذراً لأحد

لم تُبقِ التقنية الحديثة عذراً لأحد، فقد باتت أحداث العالم

الشيخ سلمان الحسيني الندوي كما عرفناه

انطفأ سراج من أعلام العالم الإسلامي بوفاة الشيخ السيد سلمان

آخر المقالات

100%