البحث

التفاصيل

سلسلة إضاءات إيمانية: الحلقة العاشرة

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبيّ الهُدى والرحمة المهداة، سيدنا محمد عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين.

د. سلسلة إضاءات إيمانية: الحلقة العاشرة

عبد الكامل أوزال – عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين     

إن كل ما يتعرض له المربي والداعية إلى الله من صنوف الأذى والابتلاءات الخاصة والعامة، لابد لها من قوة ترد بأسها وتزرع في النفس بذور الأمل بالنصر الموعود، إنها قوة الصبر والتحمل. فقد يتعرض المربي لصنوف من التنكيل والتعريض والسب والشتم والقذف، مما لا يستطيع الإنسان العادي تحمله وصدّه، فإذا تخلّق العبد المؤمن بخلق الصبر ارتقى على هذه المكاره، وتوكّل على الله تعالى حتى يأذن الله تعالى بالنصر والتمكين، يقول تعالى: ﴿يأيّها الذين ءامنوا اصبروا وصابِروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ آل عمران: 200. يوصي الله تعالى في هذه الآية، عباده المؤمنين بوصية جامعة لسعادة الدارين، وهي الصبر على مشاق الطاعات، وما يتعرض له العبد من شدائد ومكاره، فالصبر والمصابرة والمرابطة مع التقوى كل ذلك يورث صاحبه الفلاح في كلا الدارين .

يقول الشاعر:

وإذا أراد اللهُ نشْـرَ فضيـلَة
لولا اشتعال النار فيما جَاوَرَتْ

 

 

طُوِيَتْ أتــاحَ لَها لِســـانَ حسُودِ
مَـا كان يُعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ العُودِ

 

وإجمالا، يمكن تلخيص سمات وخصائص المربي القدوة في القرآن الكريم في المعالم التالية:

  1. صبغية الشخصية المسلمة الفـــذّة: 

انطلاقا من قول الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿صبغة الله ومن أحسنُ من اللهِ صِبْغة ونحْنُ لهُ عَابِدُونَ البقرة:137. والصبغة هنا هي دين الله الذي صبغ به العباد المؤمنين وفطرهم عليه، فترك أثره عليهم بارزا ظاهرا كما يظهر الصبغ في الثوب . ومن خصائص هذه الصبغيّة أنها لا تتبدّل ولا تتغير بتغيّر الظروف والأحوال والأزمنة والأمكنة، بل تظل على فطرتها الأولى التي فطرها الله تعالى عليها، ثابتة على الحق صامدة في الدعوة إليه وتربية الناس على هداه وطريقه.

2. ربانية التوجه والقصد عِلما وعملا:

انطلاقا من قوله تعالى: ﴿ما كان لبَشَر آنْ يؤتِيهُ الله ُ الكِتابَ والحكْم والنّبُوءةَ ثمّ يقول للناس كونُوا عِبادا لي من دون اللهِ ولكن كونوا رَبَّانِيِّينَ بما كُنْتُم تَعْلَمون الكِتابَ وَبِما كُنْتُم تَدْرُسُونَ﴾ آل عمران: 78. يقول ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: «ولكن كونوا ربّانيين" أي "حكماء علماء حلماء، والمعنى: لا أدعوكم إلى أن تكونوا عبادا لي ولكن أدعوكم أن تكونوا علماء فقهاء مطيعين لله» . إن المربي القدوة يعمل بمقتضى هذه الآية الكريمة، فيخوض غمار العلم ليحصل حظا وافرا منه ينفعه وينتفع به، ثم يسعى في تعليمه للناس ونشره بينهم لتعمّ فائدته جميع الخلق. فهو رباني «يربي الناس بمنهج الله ويتدرّج بهم حتى يصل بهم إلى المستوى الرفيع الذي يريده الله، ولذلك قال ابن عباس في تفسيرها: "هم الذين يربّون الناس بصغار العلم قبل كباره» 

 

3تزكيــة النفس وتقويمها:

إن هذه الخاصية من أساسيات التربية في القرآن الكريم، لأنها تدل على يقظة القلب وصحوة الضمير الإيماني في نفس المؤمن، فينتقل إلى مرحلة جديدة يُقبل فيها على الآخرة، بالإكثار من أعمال الخير والبرّ والمبادرة إليها، وانصرافه عن طلب الدنيا والتهافت عليها، كما يحدث لأغلب الناس الغافلين عن حقيقتها وطبيعتها الانتقالية، والاستمرار في ذكر الموت والاستعداد للقاء الله عز وجل . بل إنه يتحقق جيدا بقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسَّاها﴾ الشمس: 7ـ10.

إن سمة التزكية تجعل المؤمن عموما والمربي القدوة خصوصا مداوما على تأديب نفسه، وتزكيتها وتطهيرها بدْءا بالتوبة والإنابة، ومرورا بالمراقبة والمحاسبة، وانتهاء بالمجاهدة . وهذا هو عين منهج تزكية النفس وتقويمها عند أسلافنا الكرام رضي الله عنهم أجمعين، وعلى رأسهم نبيّنا محمد . وهو منهج يقوم على دعائم أربع هي:

       1. المشارطة.

       2. المراقبة.

       3. المحاسبة.

       4. المجاهدة.

فالمشارطة قبل الفعل والمراقبة أثناءه والمحاسبة والمجاهدة بعده ([7])، باستدراك ما فات وتطويع النفس لمحبّة الله تعالى ومرضاته. يقول عز وجل: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهْدينَّهم سُبُلنا وإنّ اللهَ لمعَ المُحْسِنين﴾ العنكبوت: 69. يقول ابن كثير: «يعني الرسول وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين: ﴿لنهدينّهم سبلنا أي لنبصّرنّهم سبلنا، أي طرقنا في الدنيا والآخرة. وهذه كلها مقامات تعبدية يستحضر فيها المؤمن الحق قيمة الوقت، وأن الحياة الدنيا فانية إلى زوال، وأن الدار الآخرة باقية إلى خلود. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله بمنكِبَي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتِك» . وهكذا كان حال السلف الصالح رضي الله عنهم مع هذه المقامات التعبدية «فقد عاقب عمر بن الخطاب نفسه حين فاتته صلاة العصر في جماعة بأن تصدق بأرض كانت له، قيمتها مائتا ألف درهم، وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة في جماعة أحيا تلك الليلة ... وفات ابن أبي ربيعة ركعتا الفجر فأعتق رقبة. وكان بعضهم يجعل على نفسه صوم سنة أو الحج ماشيا أو التصدق بجميع ماله. كل ذلك مرابطة للنفس ومؤاخذة لها بما فيه نجاتها» . وهم في كل تلك المقامات التعبدية يقتدون بسيرة الرسول المربي القدوة الذي إذا فاته وتره من ليله يصلي في صبيحة الغد اثنتي عشرة ركعة، استدراكا منه لما فات من ليله تسليما كثيرا. «فعن سعد بن هشام، عن عائشة، أن رسول الله كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجَع أو غَيْره، صلى من النهار ثِنْتَيْ عشرة ركعة» .

4. المبادرة إلى الإحسان في الأعمال دون انتظار النتائج:

إن الإحسان في الأعمال كلها لب الإيمان وجوهره. وهو مقام رفيع عند الله تعالى بيّنه الرسول في الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما أخذ جبريل عليه السلام يسأل رسول الله ، حتى انتهى إلى السؤال الثالث: «فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ـ الحديث» 

إن الإحسان درجة رفيعة في معراج التربية الإيمانية، وهو إما إحسان في القصد بأن يجعله تابعا لما أمر الله تعالى به ونهى عنه، أو إحسان في الأحوال بحفظها وصونها عن الزّلل، وتصحيحها وتخليصها، أو إحسان في الوقت بمجاهدة النفس والسير قدما إلى الله تعالى بقلب يتحقق بمعاني التوحيد، والصدق والإخلاص والخوف والرّجاء. ويسير في طريقه تلك على هدي النبي سيدنا محمد ، مُنقادا لحكمه ومتلقيا لأوامر الحق عز وجل ونواهيه من مشكاة نبوّته ورسالته الدعوية والتربوية الخالدة، ما دامت السماوات والأرض إلى أن يلقى الله تعالى 

فاللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب. وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

                                             يتبـــــــــــــع

 

 

([1]) صفوة التفاسير، 1/232.

([2])صفوة التفاسير، 1/88.

([3]) صفوة التفاسير، 1/193.

([4])معالم الشخصية الإسلامية، أ. د. عمر سليمان الأشقر، ص. 35.

([5])نظرات في التربية الإيمانية، مجدي الهلالي، ص. 68.

([6]) منهاج المسلم، أبو بكر جابر الجزائري، ص. ص. 68 ـ 72.

([7])إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، كتاب المراقبة والمحاسبة، ص. ص. 1765 ـ 1790.

([8])تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/160.

([9])صحيح البخاري، البخاري، ج. 4، كتاب الرقاق، باب : قول النبي صلى الله عليه وسلم : "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، ص. ص. 1300 ـ 1301.

([10])إحياء علوم الدين، نفسه، ص. 1781.

([11])صحيح مسلم، مسلم، ج. 3، كتاب : صلاة المسافرين وقصرها، باب : جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض، ص. 282.

([12]) صحيح مسلم، مسلم، كتاب الإيمان، باب : بيان الإيمان والإسلام والإحسان، 1/178.

([13]) مدارج السالكين، ابن قيم الجوزية، 2/158 ـ 160.





التالي
وفاته ﷺ:
السابق
مشاركة ثُلة من علماء الأمة في مؤتمر علماء المسلمين ينتصرون للمسلمين في الهند

البحث في الموقع

احدث التغريدات

احدث المشاركات

فروع الاتحاد


عرض الفروع