البحث

التفاصيل

أدب الأزمة.

أدب الأزمة.

أ.د.مجدي شلش.

وطن يباع، شعب يحطم، ثورة تخمد، شباب يقتل، نساء تعتقل وتغتصب، أرامل حزينة، أمهات ثكلي، آباء بلا حول ولا قوة.

سجون قبور، تعذيب قاتل، طعامهم الصبر، مشربهم الإيمان، ملبسهم التقوى، حياة برائحة الموت، وموت فيه بعض رائحة حياة، عظام تتحرك، قلوب بالثبات ساكنة، وصدور بالإيمان والنصر مطمئنة.

شهداء جادوا بدمهم من أجل قضيتهم،  باعوا النفس والنفيس لتطهير الأرض من الرجس والوسخ، ارتفع أفضل ما فينا ثمنا لحياتنا وحياة أمتنا، هم الآن لا خوف عليهم ولاهم يحزنون.

مطاردون بلا وطن، مشردون بلا مأوى، سائحون بلا سكن، شبابنا حيران، نساؤنا حبلي بالغم والأحزان، صغيرنا تائه، كبيرنا أقرب للفقد والحرمان، الكل حزين ومكلوم، ضحكهم بكاء، لعبهم ترح، وتنزههم خوف وفزع.

أزمة  يرى البعض أن الأمة لم تمر بمثلها، تكالب الأعداء من الداخل والخارج، صفقات كبري على هوية الأمة، وضربات للثوابت بمكر الليل والنهار، الأمة كأنها تنتظر الجلد والسلخ بعد الذبح، مالها في الأفق الدنيوي البشري من ظهير ولا نصير.

الأزمات الكبرى لها رجالها وشبابها، مفكروها وعقلاؤها، عظماؤها أصحاب الأدب الراقي، والسلوك الجامع، نفوسهم من الأحقاد خالية، وأرواحهم من السمو عالية، يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم لإخوانهم غضاضة، أهل إيثار وكرم وما معهم إلا الخصاصة.

أزمتنا كبيرة تحتاج إلى رجال كبار القلوب والعقول يأخذون بيد القريب، ويكرمون البعيد، تتألف بهم القلوب، وتنشرح بهم الصدور،  وجوههم رغم الأحزان مبتسمة، ونفوسهم رغم الضيق متسعة، وبيوتهم قبلة الأحرار من كل لون وطيف، بأدبهم يقرب البعيد، وبسلوكهم يعود الشريد.

نعم القوم الأشعريون كانوا إذا أرملوا في الغزو جمعوا ما عندهم من مال فاقتسموه بالسوية، هم مني وأنا منهم، هكذا أدب الغزو إذا نتج عنه أرامل فقط، ونحن في أزمة أشد من فقد الأرامل لأزواجهن، إنها أزمة هوية أمة.

هنا تتجلى الرجولة والشهامة وتظهر معادن الناس، كيف يتقلب أخ في النعمة ويعلم أن أخاه بلا مأوى؟ كيف ينام ويقوم ويعقد وهو يعلم أن شبابا بلا عمل ولا سكن ولا طعام أو شراب؟  الأشعريون مدحوا قبل إسلامهم، و هكذا  طبيعة العربي المسلم الأصيل الكرم والنجدة والشجاعة.

الخسة والنذالة والرخص لمن ملك وحرم لمجرد الاختلاف معه في الرأي أو الوجهة، لا إنسانية ولا أخوة لمن حارب أحبابه وإخوانه في قوت يقيم به نفسه وعياله، أخوة شكلية لا رصيد فبها من ذرة شهامة أو حب أو إنسانية.

رأيت بأم عيني رجالا كراما أخرجوا أولادهم من التعليم لعدم النفقة وقد كانوا من أكرم الناس مع إخوانهم قبل خروجهم من ديارهم، ونساء وبنات خرجن للعمل في المقاهي والمطاعم لقلة ذات اليد وكن من أهل الفضل والجود مع زوارهم في بيوتهم.

الأزمات الكبرى الأصل أن يلتحف الناس بلحاف واحد، ويجمعهم طعام واحد، وكساء واحد، ومسكن واحد، أول درجات الثبات حتى يأتي النصر أن يجد الفقير عند الغني ما يكفيه، والضعيف عند القوي ما يحميه، واليتيم عند القائد ما يرشده ويؤويه.

ديننا دين السمو والرفعة والعطاء، منه تعلمنا فضل الحب والأخوة والإيثار، دخلت امرأة الجنة لأنها أكرمت وسقت كلبا رغم زناها، وبعض إخواننا يمنعون إخوانهم الحب والصفاء لأنهم تكلموا في حقهم وقد قرؤا قوله تعالى:" ولا يآتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يأتوا أولى القربي  والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم....."

ليس بعد حادثة الإفك من جريمة في حق الأب، وقد منع أبو بكر الصديق رضي الله عنه العطاء لخوض مسطح في عرض ابنته الطاهرة، أزمة كبيرة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، إلا إن أدب القرآن تنزل بالعفو والصفح واستمرار العطاء حتى يجود الله عليه بالعفو والمغفرة.

كفى بالمرء أدبا وحسنا أن تعد معايبه، ومن منا بلا عيب أو خلل أو تقصير كلنا ذلك الرجل، تمنع عن أخيك حقه في الحب والحنان لمجرد ذنب ارتكبه وهو في أزمة، والأزمات الكبرى تذهب بلب العقلاء فما بالنا ببعض الشباب خرجوا من ديارهم بلا أب معهم يربي، ولا أم تحن، فكن أنت الحاني وإن جهلوا.

تعلمنا من دعوتنا أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، ولا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم، أناس لمجرد أن تختلف معهم قالوك ورجموك وبألسنة حداد قتلوك، أناس عشت معهم عشرات السنين، عملنا وأكلنا وشربنا ونمنا معا وقد نسوا الفضل بيننا.

في الأزمات الكبرى يترفع الإنسان بلسانه عن إخوانه، فلا يذكرهم إلا بالخير، بعض الشباب حاد من شدة الأزمة فطال لسانه، وساء أدبه، وخلط بين النصح المؤدب الذي يرتكز على الفكر والهدف وبين السب بالأم والأب والأهل وهتك الستر وشتان ما بين الأمرين من سلوك وأدب.

أروع الأدب في الأزمات الهدوء في التفكير والتقييم لما فات، لا بشر بلا خطأ، ولا عصمة لحركة أو جماعة، التشنج بأن كل أمورنا علي الصواب خطأ محض، والتسرع في تقييم الأزمة خطل وخلل، وترك التقييم كليا مصيبة وكارثة، النظر فيما فات لتقويم ما هو آت عقل وحكمة ورشاد.

أدب الأزمات تقديم ذوي الكفاءات، الأزمات الكبرى لها العقول العظمي، من كل الأطياف والاتجاهات، شرعيا وسياسيا وماليا وإعلاميا وحقوقيا، فرصة لتكوين وتأهيل رجال دولة في شتى المجالات والتخصصات، في الأزمات الكبرى لا مكان للمطبلين والمادحين بحق أو غير حق، الأزمات الكبرى لا تحل برؤي أهل الثقة إن كان عندهم نظر، أو المنافقين إن كان عندهم دين، أو المصلحجية إن كان عندهم نخوة وكرامة.

الأزمات الكبرى أديها القريب الصحيح فقه المضاربة لا فقه الودائع، ترك الأمور على ماهي عليها أقرب لحفظ الأمانات حتى يأتي وقتها، ويخرج أهلها، إن صح هذا في الأمانات الصغري لا يصح في الأمانات الكبري، وقد منحنا الله العقل والحكمة والبصيرة، وهم بحمد الله من جميع الأطياف والاتجاهات كثر، فضارب بهم في سوق العمل بكل قوة ولا تخف ولا تخجل.

شتان بين فقه الودائع القائم على الركون والخمول وإن كان فيه نوع حفظ، وبين فقه المضاربة القائم على التصور الصحيح للسوق، ثم العمل الذي لا يخلو من مخاطرة أو مغامرة، في النهاية الربح غالبا يكون للمضارب المغامر لا للحافظ الكسول





التالي
إطلالات على سيرة أبو بكر الصديق قبل الإسلام
السابق
أسباب الفرقة والاختلاف بين المسلمين

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع