البحث

التفاصيل

الجمال لا يدوم فاظفر بذات الدين قبل الندم

الجمال لا يدوم فاظفر بذات الدين قبل الندم

بقلم: الأستاذ بن سالم باهشام

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

(سلسلة خطبة الجمعة)

عباد الله، روى البخاري ومسلم واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تُنْكَحُ المرأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينهَا؛ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ؛ تَرِبَتْ يَدَاكَ) [رواه البخاري (5090) ومسلم (1466) واللفظ له].

عباد الله، نحن في أشهر الصيف؛ حيث يكثر الزواج، وهذا شيء يُفرح، إلا أن هذا الفرح لا يكفي  لأنه لا يدوم إذا كان مبنيا على غير أسس سليمة ومتينة،  وأي بناء لا يرتكز على  أسس إسلامية، فإنه لا يدوم، قال تعالى في سورة التوبة: (أَفَمَنْ أُسِّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ، أَمْ مَنْ أُسِّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [التوبة: 109]، والواقع  المعيش يشهد على هذه الحقيقة، فكلما ابتعدنا عن تعاليم الدين إلا وكثر الطلاق، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله  انقطع وانفصل، لهذا نجد ارتفاع حالات الطلاق في المغرب تشهد عليه تقارير دولية آخرها تقرير منشور في مجلة “إيكونوميست” البريطانية، عزا ارتفاع عدد الحالات في عدد من البلدان من قبيل المغرب ومصر والجزائر والأردن، إلى “تسهيل إجراءات حصول المرأة على الطلاق”، وأيضاً “تراجع تأثير الشخصيات الدينية، وأفراد الأسرة في قرار الانفصال”، علاوة على “مشاركة النساء في سوق العمل، الأمر الذي يمنح الاستقلال المالي لملايين النساء”. وقد سجلت مختلف أحكام الأسرة في المغرب نحو 300 ألف حالة طلاق عام 2022، أي بمعدل 800 حالة طلاق كل يوم. ويظهر أن عدد الحالات في المغرب تضاعف نحو ثلاث مرات بين عامي 2019 و2022، ويرى خبراء علم الاجتماع أن الأسباب تتعدد، ويبقى عماد هذا البناء الأسري هو الدين، قال تعالى في سورة طه: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: 123، 124].

عباد الله، إذا تأكدت عندنا هذه الحقيقة؛ رجعنا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي افتتحنا به خطبتنا، فنجده ينقسم إلى قسمين؛ (قسم فيه خبر)، و(قسم فيه توجيه ونصيحة منه – صلى الله عليه وسلم-). فأما القسم الأول الذي فيه خبر، فهو الإخبار بأمرين؛ أولهما: المعايير الأساسية التي لا بد أن يضعها الإنسان نُصْب عينيه عندما يعزم على الزواج. وثانيهما: ما ينصرف إليه معظم الناس عندما يعزمون على الزواج؛ فمنهم مَن يبحث عن ذات المال، ومنهم مَن يبحث عن ذات الحسب، ومنهم مَن يبحث عن ذات الجمال، ومنهم مَن يبحث عن ذات الدين؛ لذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم  (الدين) آخر شيء، فهو لم يرتب هذا الترتيب عبثًا؛ بل رتبه بناءً على حقيقة تحدث في مجتمعات المسلمين؛ فجعل (المال، والحسب، والجمال) في جانب، وجعل (الدين) في جانب آخر، وأخبرنا صلى الله عليه وسلم  أن معظم الناس لا يلتفتون إلا للجانب الأول؛ الذي هو (المال، والحسب، والجمال)، لذلك لا ينبغي أن نفهم كلامه أنه يوصينا بأن نضع (المال) في المرتبة الأولى، و(الحسب) في المرتبة الثانية، و(الجمال) في المرتبة الثالثة، و(الدين) في المرتبة الأخيرة، بل رتب هذا الترتيب من باب إخبارنا بمعايير الناس في اختياراتهم. وأما القسم الثاني: فنصيحته صلى الله عليه وسلم؛ وتوجيهه بأن نجعل (الدين) في المرتبة الأولى؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم: (فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ؛ تَرِبَتْ يَدَاكَ)؛ ومعناه: أن الدين هو معيارك الأول وليس الوحيد؛ حيث إنها إذا كانت ذات دين؛ فيَسَعُك أن تنظر لباقي المعايير، وإذا لم تكن كذلك؛ فلا يَسَعُك أن تنظر لأي شيء آخر.

عباد الله، لماذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعايير الأربعة فقط، والتي هي: (المال، والحسب، والجمال، والدين)، ولم يذكر أمورًا أخرى كــ(العمر، والتعليم، والثقافة، والنظافة، والنضج، والطِّباع، وغيرها) مع أنها أمور مهمة جدًّا، وقد تُخرّب بيوت بسبب عدم توافرها؟! والجواب؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذه المعايير الأربعة دون غيرها؛ لا من أجل أنها هي الوحيدة؛ وأن ما دونها غير مهم، بل ذكرها لثلاثة أسباب:

السبب الأول: أن هذه هي المعايير الأساسية التي يغلب الظن أنها إذا استقامت؛ فستستقيم معها أمور أخرى مهمة -أيضًا-؛ فمثلًا: يغلب على ظننا أننا إذا وجدنا فتاةً ذات دين؛ أنها ستكون ذات صوت منخفض، وستتعامل مع زوجها بالحسنى والمعروف، وهكذا، فالأمر كله غلبة ظن في معايير أساسية، إذا استقامت عند أي إنسان -ذكرًا كان أم أنثى-؛ فستستقيم معها -بالتبعية- معظم الصفات والمقومات الأخرى.

السبب الثاني: أن الزواج فيه أمور كثيرة سكت عنها الشرع؛ فمثلًا: لم يحدد الشرع فرق السن التي تكون بين الرجل والمرأة، وغيرها من الأمور المسكوت عنها؛ لأنها من الأشياء التي ترجع إلى ارتياح الشخص مع شريك حياته، وله مطلق الحرية في اختيارها وتحديدها، وترجع -أيضًا- إلى أعراف المجتمعات، وأعراف المجتمعات تختلف من مكان إلى آخر، ومن زمان إلى آخر.

السبب الثالث: أن المجتمع المسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كان مجتمعًا بسيطًا، لا تتخلله التعقيدات الحالية، فهذه المعايير الأربعة التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم كانت هي المعايير السائدة في المجتمع المسلم آنذاك.

السبب الرابع: أن الدين ليس هو المعيار الوحيد لاختيار الزوجة، وهذا هو الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس؛  إذ تجد بعض الشباب عندما يتقدم للخطبة لا يسلط الضوء إلا على معيار الدين فقط، متجاهلًا ومُهَمِّشًا كل المعايير الأخرى التي ذكرها النبي  صلى الله عليه وسلم في الحديث، فتجده يتنازل عن مستوى (الجمال) كلية، وهذا مخالف للهدي النبوي، الموافق للطبيعة البشرية، روى الترمذي واللفظ له، والنسائي، وابن ماجة، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ  رضي الله عنه قَالَ: (خَطَبْتُ امْرَأَةً، قَالَ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ ». قَالَ: قُلْتُ: لاَ. قَالَ: «فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا»). [رواه الترمذي (1087) واللفظ له، والنسائي (6 69 – 70)، وابن ماجة (1866)، وابن حبان (4032) وقال الترمذي: حسن، وقال البوصيري: إسناده صحيح]. وروى مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنظرت إليها؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئا). قيل: عمش، وقيل: صغر،  لهذا لا مانع أبدًا ألا يتزوج الرجل ذات الدين؛ إذا لم يكن لها حظ من الجمال، ومِن ثَمَّ؛ لا تظفر بذات الدين فقط،  إلا أنه يجب استحضار أن الجمال لا يدوم، وإنما الذي يدوم هو الدين فقط، وعليه المعول أولا وأخيرا،  وهذه القصة الواقعية تبين لنا جليا  الندم  على الاغترار بالجمال  وحده دونما إعطاء أي اعتبار للدين، وعدم  الرضا بذات الدين.

عباد الله، بعد ثلاثين عاما من الزواج، أصبحت زوجته المتدينة والمحجبة والتي تحظى بنصيب من الجمال، لا يعجبه منظرها وشكلها الخارجي، فجمع أبناءه الكبار، وقال لهم: أمكم أصبحت سيدة عجوزا؛ تملأ التجاعيد وجهها ،و غزا الشيب شعرها، ولا تهتم بمظهرها، فأصبح جسمها مترهلا و بدينة، بينما أنا فأبدو أصغر من عمري ، لاهتمامي بمظهري، لهذا أريد فتاة شابة تليق بي، فما عليكم إلا أن تخبروا أمكم أني سأتزوج غيرها، لم تندهش الزوجة لما سمعت الخبر، فهي تعلم زوجها جيدا، وتعلم نزواته، لهذا قالت لأولادها: الزواج من حقه، وهو حلال عليه، وأنا أعلم أنه يريد الزواج منذ زمن ، وهذا الأمر أفضل له من مغازلة الفتيات وارتكاب المحرمات، وأنا غير حزينة مادام يطلب الحلال.

عباد الله، تزوج الرجل الكبير في السن بفتاة شابة في سن أبنائه، وسافرا معا في شهر العسل إلى إحدى الدول الغربية، وقضيا وقتا ممتعا، وكيف لا، وزوجته الجديدة شابة صغيرة وجميلة كما يريد، وتمنحه الشباب، ويمنحها هو البذخ والعطاء. انقضى شهر العسل، ورجع العروسان إلى عش الزوجية الجديد، وابتعد عن بيته الأول تماماً، ولم يكتف بذلك، بل بعد مدة من الزمن، بعث لزوجته الأولى ورقة الطلاق، استجابة لطلب زوجته الجديدة، ومضى الزمن، وشعر الزوج أن حياته أصبحت رتيبة، لا جديد فيها، وأن زوجته الجديدة كثيرة النفقات، وكثيرة الطلبات، ولا تشعر بأي مسؤولية تجاه زوجها، وإذا قلل من النفقات عليها، غضبت وذهبت إلى بيت أهلها، حتى يجيء ليحضرها ويلبي طلباتها، فهي كما تقول: زوجة شابة، ومن حقها أن تتمتع بالحياة.

عباد الله، ظلت حياة الرجل هكذا، لا جديد سوى الرتابة والملل، إذ لم يشعر الزوج بالدفء والحنان والحب الذي كان يشعر به مع زوجته السابقة المتدينة، فالزوجة الجديدة فقط شابة وجميلة، تهتم بمظهرها فقط. دبت المشاكل بينهما. ولم يتحمل الرجل الكبير ذلك، فزوجته السابقة هي وحدها من كانت تتحمله، حتى تم الطلاق بينه وبين الزوجة الشابة.

عباد الله، بعد هذه التجربة الفاشلة والممارسة الميدانية، قدر الرجل قيمة زوجته السابقة المتدينة والتي سبق له أن انتقد شكلها الظاهري أمام أبنائها، وشعر بالندم والحسرة، فاتصل بأبنائه، وأخبرهم بأنه نادم أشد الندم، وأنه يريد أن يرجع إلى زوجته وأبنائه، ولم يكتف بذلك، بل استدعى أولاده إلى بيته، فأخبرهم، وعبر لهم عن ندمه الشديد، واعترف لهم أن هذا التصرف كان طيشا منه، وأنه لا يمكنه أن يستغني عن أمهم؛ ولا عنهم، وأنه أراد الرجوع إلى زوجته، ووعدهم أنها آخر مرة ولن يكررها ثانية، وقد أخذ درسا  من مدرسة الحياة لا يمكن نسيانه، اندهش الأولاد جميعا وقالوا: كيف ذلك يا أبي، ليس الأمر بتلك السهولة؟! فقال لهم: يا أبنائي، أليس من حقي شرعا أن أرجع إلى زوجتي، وقد اعترفت بخطئي، فقالوا له: لا يجوز لك شرعا يا أبي أن ترجع لأمنا، فقال مستغربا: كيف ذلك يا أولادي؟! فقالوا له: لقد كانت تلك الطلقة يا أبي هي الطلقة الثالثة، فقال مستغربا: ماذا؟! الطلقة الثالثة؟! أصيب الأب بدوار شديد، وسقط مغشيا عليه، وعندما أفاق، تذكر الأمر، تذكر أنها فعلا الطلقة الثالثة، فأصاب الرجل الحزن والإحباط الشديد، وتذكر ذكريات الماضي غير البعيد، لقد كانت زوجته المتدينة التي لا تعجبه، ولا يعجبه مظهرها، هي خير النساء، كم تحملت نزواته الكثيرة، فهو لا يكف عن مغازلة النساء، وعندما يخبرها أولادها بذلك؛ تقول لهم: طيش الرجال. وليست تلك المرة الأولى التي يتركها ويتزوج عليها، فلقد تزوج عليها أكثر من مرة، ولم تبق معه غير زوجته الأولى الصابرة، فهي الوحيدة التي تصبر عليه، لأنه دائم الغضب، ويثور لأتفه الأمور، ورغم ذلك، لم تترك زوجته المتدينة بيت الزوجية قط حين نزاعهما، بل كانت دائما صابرة، وعندما يستنكر الجميع عليها ذلك التصرف، كانت تقول لهم: سوف يصلح حاله يوما.

عباد الله، إنه عقاب الله الذي حل بهذا الرجل الذي لم يهتدي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في اختيار الزوجة، ورغم ذلك لم ييأس، وطلب أولاده ثانية؛ وقال لهم: لابد أن تجدوا لي حلا، اسألوا أهل الفتوى، فقالوا له: لقد قضي الأمر – يا أبي – الذي فيه تستفتيان، وليس هناك حل ولا أمل في الرجوع، واعلم يا أبانا من باب الإخبار، أن أمنا، الصبور، تخبرك: أنها بخير، وأنها أحسن حالا، وأكثر سعادة من بعدك، لأنه لم يبق من ينغص عليها حياتها كل يوم، وأن الله قد فرج عنها الكرب، وأزال عنها الهم والغم.  وهكذا عاش الرجل وهو يعض أصابع الندم، لقد كانت في حياته جوهرة ثمينة لا تقدر بثمن، ففرط فيها بسبب فساد معاييره، وسوء تصرفه، وندم حيث لا ينفع الندم. لأنه ضيع صاحبة الجوهر الذي هو الدين، وانساق وراء سراب الجمال الذي لا يدوم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.





التالي
الاتحاد يستنكر بشدة للتفجير الجبان في باجور ويعبر عن تضامنه مع حكومة وشعب باكستان ويقدم التعازي لأهالي الضحايا (تصريح)
السابق
تركيا.. فعالية تندد بالإساءة للمصحف الشريف في أوروبا

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع