البحث

التفاصيل

التوحيد؛ رؤية تُوَحِّدُ المعرفة وتُكَامِلُها

المقال الثالث عشر- التوحيد؛ رؤية تُوَحِّدُ المعرفة وتُكَامِلُها

بقلم: بدران بن لحسن

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

(اقرأ: المقال الثاني عشر- تأسيس القرآن للوعي بأهمية فهم وإعمال سنن التاريخ والواقع)

 

إن أساس كل فلسفة وكل أسلوب في الحياة لونٌ خاصٌّ من الاعتقاد والنظر والتقييم للوجود، وعلى نوع معين من التفسير والتحليل والتأويل والفهم والاستنباط، وكل مبدأ له انطباع محدد ونمط تفكير مميز في الكون والوجود، وهذا ما يتخذ قاعدة وأساسا وخلفية فكرية بنائية لهذا المبدأ أو ذاك، ويصطلح على هذا الأساس أو تلك القاعدة مصــطلح " رؤية العالم" أو "الرؤية الكـونية" أو "المرجعية النهائية"[1].

ولذا، فكل الأديان والشرائع والمبادئ الوضعية والفلسفات الإنسانية، تعتمد على رؤية كونية ما، تكون مصدرا للتصورات، والقيم، والأفكار، ومناهج التفكير، والغايات والأهداف العليا. فهي إطار نظري يحكم الرؤى والمواقف والتصرفات والتطلعات. ولكل حضارة، ولكل أمة، ولكل مجتمع، مرجعيته التي ينطلق منها في تصوره للوجود ولفعله التاريخي[2].

والمرجعية الإسلامية أو الرؤية الإسلامية للكون والحياة هي الرؤية التوحيدية؛ أي أن ننظر للوجود والعالم والتاريخ وللواقع من منظور الإسلام؛ من التصور التوحيدي الذي جاء به الإسلام[3].

 فالتوحيد عقيدة؛ أي تصورا كليا للوجود، وهذا ما أشار إليه كثير من علماء المسلمين، ولعل إسماعيل راجي الفاروقي في كتابه الشهير "أطلس الحضارة الإسلامية"[4] وكذلك في كتابه "التوحيد وأثره في الفكر والحياة"[5] بسط القول في التوحيد باعتباره جوهر الحضارة الإسلامية، وتتبّع تجلياته وأثره في المعرفة والفكر والمجتمع والحضارة.

وفيهما أكد الفاروقي أن جوهر الحضارة الإسلامية هو الإسلام. فبالإسلام نشأت تلك الحضارة وازدهرت، وعلى هديه انطلقت، وبفضل تعاليمه وبفضل الرؤية التي أسسها الإسلام في وعي الإنسان المسلم انطلق المسلم يبدع علوما ومعارف، ويبني نظما ومجتمعات، ويعطي للإنسانية واحدة من أعظم حضاراتها. وإذا كان الإسلام هو جوهر الحضارة الإسلامية، فإن التوحيد هو جوهر الإسلام. فعقيدة التوحيد التي جاء بها الأنبياء وبسطها الإسلام في مصادره (القرآن والسنة) أسست لرؤية للوجود تقوم على توحيد الله سبحانه، وتحدد الصلة بين الله والإنسان والكون.

إن التوحيد الذي هو جوهر الإسلام يمثل رؤية متماسكة "إلى الواقع والحقيقة والعالم والزمان والمكان والتاريخ البشري"[6]. وهذه الرؤية تجعل التصور العقدي للإنسان المسلم قائما على أسس متينة تمنع الاضطراب والخرافة والأساطير، وتعلي من شأن الإنسان ومكانة وعيه وإدراكه، وتفسح أمامه الوجود كله ليحقق الوعي بهذا التصور، ويحقق غاياته التي من أجلها خلق ومن أجلها استعمر في الأرض؛ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: 56]، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [سورة البقرة: 30].

وهذه الرؤية التوحيدية تضع في وعي الإنسان أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الكون، والكون (العالم) مخلوق له سبحانه، كما أن الله الذي خلق الكون هو صاحب الأمر الكوني فيه، وصاحب الأمر الشرعي ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف: 54]. ولا يتعارض أمره الشرعي في كتابه العزيز مع خلقه الكوني، وهذا ما يؤسس لوحدة المعرفة؛ معرفة الكون ومعرفة الكتاب، فكلاهما يرجعان إلى الله تعالى خلقا أو أمرا، مما يجعل العلم الكوني مطلوبا مكملا لعلم الكتاب، وعلم الكتاب مطلوبا مكملا لعلم الكون.

وإن الناظر في كتاب الله تعالى يجد توجيهات كثيرة إلى النظر والتعقل والتدبر والسير والبحث واستعمال الحواس، والمشاهدة، والتجريب، كما يجد توجيهات كثيرة للتأمل في التاريخ وفي القوانين التي تحكم حركة التاريخ وفي الأنفس والأفاق. فالوحي في الكتاب العزيز، والنظر في الكون، وإعمال العقل والحواس تدبرا وتجريبا، كلها مصادر للمعرفة يكمل بعضها بعضا.

وهذا منوط بالإنسان وقدراته الإدراكية منطلقا ومبدأ لوعي العلاقة بالله تعالى وفهمها واستيعابها، ولتعمير الكون، بما وهب الله للإنسان من الذاكرة والتخيل والتفكير والملاحظة والحدس، سواءً عند التعبير عن هذه العلاقة بوحي الله المنـزل إلى الإنسان، أو بقدرة الإنسان على إدراك الإرادة الإلهية من خلال الملاحظة الحسية للمخلوقات والتفكر فيها.

وهذا كله يجعل المعرفة وحدة واحدة، وتكمل فروع المعارف والعلوم بعضها بعضا، بما يحقق غاية الإنسان في هذا الوجود؛ وهي الغاية التي كلف الله الإنسان المستخلف في الأرض لتحقيقها، وفق سنن متعددة في الكتاب وفي التاريخ وفي الأنفس والآفاق ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [سورة فصلت: 53]؛ فلا الخلق كان عبثاً، ولا المخلوقات فوضى، لأن إرادة الله تتحقق في الأشياء والأحداث وفق قوانين وسنن، وإرادة الله تتحقق في الإنسان من خلال حرية الاختيار التي تستبع مسؤولية الإنسان الأخلاقية عنها، والقيام بها من خلال إدراكها بقواه الادراكية، وإعمال منظومة السنن وتسخيرها، وهذا يجعل كل العلوم مطلوبة، ويجعلها كلها علوم شريفة. ولا تتفاضل العلوم تفاضلا يستبعد بعضها مطلقا ويقرب الأخرى، بل تترتب العلوم في الوعي الذي يؤسسه التوحيد في وحدة متكاملة، ووفق تراتبية تجعل بعض العلوم علوم غايات، وبعضها علوم وسائل، أو تجعل بعضها علوماً معيارية وبعضها علوما عملية تطبيقية، ولكنها كلها مطلوبة.

وما نراه اليوم من ازدراء لعلوم الكتاب واهتمام بعلوم الطبيعة والتقنية، أو اهتمام بالعلوم الاجتماعية والإنسانية على حساب العلوم الشرعية، أو جنوح بعض المسلمين إلى الاهتمام بالعلوم الشرعية وازدراء العلوم الأخرى، كل هذه المواقف في حقيقتها مواقف مشوهة، لم تستوعب التوحيد باعتباره رؤية كلية، وباعتباره مبدأ للمعرفة، يؤسس لوحدة المعرفة وتكامل العلوم.

 

 

[1]  فتحي ملكاوي، "رؤية العالم عند الإسلاميين"، مجلة الفكر الإسلامي المعاصر، مجلد 12 عدد 45 (2006)، ص9-28.

[2] بدران بن لحسن، في جوهر المرجعية الإسلامية، 11/10/ 2016. أنظر (تم الدخول في 20/6/2021)

https://www.aljazeera.net/blogs/2016/10/11/ في-جوهر-المرجعية-الإسلامية

[3] المرجع نفسه.

[4] إسماعيل راجي الفاروقي ولمياء الفاروقي، أطلس الحضارة الاسلامية، ط1، الرياض: مكتبة العبيكان، 1419هـ/1998م، ص 131-137.

[5] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد ومضامينه على الفكر والحياة، ترجمة: السيد عمر، ط2، القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 1435هت/ 2014م، ص31-38.

[6] الفاروقي، التوحيد، ص 131.





التالي
عندما تُطِلُّ من نوافذ الميديا الحمير والكلاب
السابق
تركيا.. 2.4 مليون طالب يشاركون في دورات حفظ القرآن خلال صيف 2023 بإشراف الشؤون الدينية

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع