البحث

التفاصيل

العودة إلى مكارم الأخلاق

الرابط المختصر :

سلسلة؛ أنقذوا مكـارم الأخلاق (6)

العودة إلى مكارم الأخلاق

بقلم: الدكتور أحمد الادريسي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

(اقرأ: سلسلة؛ أنقذوا مكـارم الأخلاق (5)؛ العودة إلى الفطرة السليمة ومكارم الأخلاق)

 

لقد جعل الله تعالى مكارم الأخلاق ومحاسنها وصلا بيننا وبينه، فالأخلاق ليست مجرد كلمات وخطب ومواعظ، بل هي منظومة كبرى من دونها ستكون الإنسانية مهددة بهدم القيم والفطرة، وتدمير الروابط الاجتماعية وتمكين الخلل في المجتمعات المسلمة. فلابد إذن من التفكير في العودة إلى مكارم الأخلاق، ثم بعد ذلك نتحمل مسؤولياتنا في إنقاذ العالم من العدمية والكراهية والأنانية والفوضى والتفاهة والانحلال والظلم والاستكبار بكل أشكاله.

أولا: مكارم الأخلاق.

إن مكارم الأخلاق كثيرة ولا تكاد تنحصر، ولكن نذكر جملة منها:

– صدق اللسان، وحسن الخلق، وصلة الرحم، والترحم على الجار، ومعرفة الحق لصاحبه.

– الجود والكرم، وإعطاء السائل، وقرى الضيف.

– الحياء والوقار والاحترام المتبادل.

– بر الوالدين؛ فقد أمرت الفطرة الإنسانية السليمة الناس ببر آبائهم، ورعايتهم عند الكبر، فهذا من حسن تقديرهم لما بذلوه من أجل تنشئة أبنائهم تنشئة سليمة. وفي المقابل جعل الإسلام عقوق الوالدين من أكبر الذنوب وأعظمها، فالإنسان الذي لا يوجد فيه خير لأبويه، يستحيل أن يوجد فيه خير للآخرين.

– تربية الأولاد تربية صالحة في دينهم ودنياهم أمانة عند الوالدين، كلّفهما الله بحفظها ورعايتها، لأنّ الأبوين مسؤولين بين يدي الله عن تربية أبنائهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤولٌ عن رعيته، فالرجل راعٍ في بيته وهو مسؤول عن رعيّته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولةٌ عن رعيّتها”.

ثانيا: خطوات عملية لأجل العودة إلى مكارم الأخلاق.

من أجل العودة إلى مكارم الأخلاق، نقترح ما يلي:

أولا: الرجوع إلى أخلاق الإسلام، فأحكام الشريعة الإسلامية تبني الفرد على الأخلاق والقيم، وتحمي الأسرة من أسباب الضعف، وفيها ما يكفل لها الصلاح والاستقرار والمودة والرحمة، والسعادة في الدنيا والآخرة لكل أفرادها. وهذا يحتاج إلى تضافر جهود العلماء والدعاة، والحكومات المجتمع المدني، وكل الغيورين على مكارم الأخلاق والقيم الإنسانية، من أجل هذه الأمراض، وهذا الخروج عن الفطرة السليمة.

ثانيا: إعطاء جانب الأخلاق والقيم حقه في الدراسة والتحليل، وإدراجه في المناهج الدراسية، وهذه من أهم الخطوات العملية، فإن من الباحثين مسلمين وغير مسلمين من يرى أن الأخلاق والقيم لم توف حقها اللازم في التدريس ومرافق الحياة، ليتطبع بها المجتمع وتتشربها الأجيال القادمة، كما يقول الدكتور راغب السرجاني: (والحقيقة أن جانب الأخلاق والقيم لم يوفّ حقه في حضارة المسلمين، تلك التي قامت في الأساس على القيم والأخلاق، وبُعث رسولها صلى الله عليه وسلم خاصة ليتمم مكارم الأخلاق)[1]،

ومن التوجيهات العامة للرجوع إلى مكارم الأخلاق:

* الأخلاق تنبت كالنبات إذا سقيت بماء المكرمات.

* الحضارة ليست أدوات نستعملها ونستهلكها، وإنما هي أخلاق سامية نوظفها.

* المرء بالأخلاق يسمو ذكره وبها يفضل في الورى ويوقر. في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق.

* ليست الأخلاق أن تكون صالحا فحسب، بل أن تكون مصلحا، وتعمل شيئا صالحا.

* شيئان ما انفكا يثيران في نفسي الإعجاب والاحترام السماء ذات النجوم من فوقي وسمو الأخلاق في نفسي.

* تفسد المؤسسات حين لا تكون قاعدتها الأخلاق.

* صلاح أمرك للأخلاق مرجعه فقوم النفس بالأخلاق تستقم.

* تنكشف الأخلاق في ساعة الشدة.

* يمكن للإنسان أن يدخل قلوب الآخرين بأخلاقه، ودون أن ينطق بكلمة واحدة.

* نحن لسنا محتاجين إلى كثير من العلم، ولكننا محتاجون إلى كثير من الأخلاق الفاضلة والمحافظة على القيم.

* أدنى أخلاق الشريف كتمان سره، وأعلى أخلاقه نسيان ما أسر له.

ثالثا: في الختام:

إننا نعيش في مرحلة تاريخية صعبة للغاية، طغى عليها نظام التفاهة، والدعوة إلى المثلية، والهجوم على الفطرة وتهديم الأسرة؛ حيث يبسط فيها المخربون نفوذهم على الحكم كما يدعمونهم في كافة مجالات الدولة، لأن ما يقوم به المثليون والمرضي بالشذوذ الجنسي يمثل خطرا على المجتمعات وعلى مستقبل البشرية. وهذا يسعى إلى القضاء على الطبيعة البشرية باعتباره معيارا ثابتا لتحديد ما هو إنساني.

وهكذا انتشرت ثقافة البلاهة والتفاهة والجهل والتدجين والميوعة ونقد سوريالي ساخر وموضوعي للتخلف، وانتثار ثقافة اللاأخلاق واللادين، وهذا أدى إلى انحطاط كبير في الفن والفكر والذوق الجمالي العام، وطفت على السطح بدل ذلك طبقة من الأميين غير المتعلمين حققت ثراء فاحشا بالمحتوى الساقط الهابط والكلام النابي والفضائحية واليوميات الفارغة وقصص الجرائم والسفالة بدون كفاءة فكرية إبداعية أو تأهيل علمي.

إن معالجة هذه الأمراض، وهذا الخروج عن الفطرة السليمة؛ بحاجة إلى تضافر الجهود الرسمية والأهلية، وتضافر جهود المجتمع المدني، والمنظمات الحقوقية، وبالأساس العلماء والدعاة، وكل الغيورين على مكارم الأخلاق والقيم الإنسانية، وذلك من أجل بيان الجرم الذي يرتكبه المثليون ومن يدافعون عنهم، وضرورة إخضاعهم للعلاج النفسي والطبي.

وعليه فإنه لابد من التفكير في العودة إلى الفطرة السليمة، ثم بعد ذلك نتحمل مسؤوليتنا في إنقاذ العالم من العدمية والكراهية والأنانية والاستكبار والفوضى والتفاهة والانحلال والظلم. وكذلك إعادة الاعتبار إلى الأسرة فهي حاضنة المعاني الأخلاقية والقيم النبيلة، فالأسرة منبع معاني الرحمة والألفة والمودة والتناصح التي تسود بين أفرادها.

لذا ندعو إلى صياغة ميثاق الأسرة في الإسلام؛ ليكون دليلاً ومرجعًا للمجتمعات الإسلامية وحكوماتها، ومنظماتها الأهلية والإقليمية، ميثاق يحفظ للأسرة كرامتها، وللمجمعات المسلمة عزتها، وللقيم الإنسانية مقوماتها. مع استحضار أن طريق الإصلاح والتغيير طويل، لكن قطع المسافات الطويلة يبدأ بخطوة تتلوها خطوات.

والله المستعان، والحمد لله رب العالمين.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – راغب السرجاني؛ الأخلاق والقيم في الحضارة الإسلامية. الصفحة: 9.





السابق
جمالية عمق الشكوى عند يعقوب عليه السلام لربه عز وجل

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع