البحث

التفاصيل

التهجير إلى سيناء، بين حديث العلن وما يحدث في الخفاء

التهجير إلى سيناء، بين حديث العلن وما يحدث في الخفاء

بقلم: د. محمد الصغير

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

حلفاء النظام المصري من الأمريكان أو الإسرائيليين تحدثوا عن مواقفه المشكورة أگثر من مرة خلال الحرب على غزة، ومن ذلك ما حدث في محكمة العدل الدولية، إبان نظر قضية الإبادة الجماعية التي تقدمت بها جنوب أفريقيا، حيث ذكر دفاع الجانب الإسرائيلي براءتهم من منع دخول المساعدات إلى غزة، وأن إغلاق معبر رفح هو قرار الحكومة المصرية، وكان لهذا الاتهام أصداء عالمية مدوية، وجاء الرد المصري خافتا باهتا، لا يتناسب مع حجم الجريمة التي تحدث عنه الإسرائيليون.

وتكرر الأمر نفسه.. وبردة الفعل ذاتها، مع تصريح الرئيس الأمريكي بايدن بأن مصر رفضت فتح معبر رفح في البداية، وأنه مارس ضغطا لإقناع المسؤولين بفتحه، وجاء الرد الرسمي المصري مؤكدا على متانة العلاقة الثنائية، وتقارب وجهات النظر والأهداف المشتركة، ثم مرَّ بلطف ومن طرف خفي على الموضوع الرئيس، وكأنهم من بنها أو المكسيك!

وهذا يأخذنا إلى القضية الأخطر والتي يحبس العالم أنفاسه ترقبا لوقوعها، وهي تهجير أهل غزة إلى سيناء، لاسيما بعدما تكدس في رفح على الحدود المصرية قرابة مليون ونصف من سكان غزة، الذين خرجوا من ديارهم وأحيائهم التي قصفها جيش الاحتلال وجعلها ركاما، ثم أعلن عن عملية جديدة في رفح، والسيناريو المطروح الآن بعدما تعالت أصوات الكثيرين، حتى من المؤيدين للحرب على غزة تطالب بعدم أي تدخل عسكري في رفح، وأن ذلك سيؤدي إلى كارثة ليس لها مثيل، وبعض هذه الأصوات أراد أصحابها التوطئة لموضوع التهجير، الذي نفاه متحدثون باسم النظام المصري، وأكده رموز في جيش الاحتلال، منهم على سبيل المثال: "غانتس" الوزير في مجلس الحرب الحالية، الذي تحدث في لقاء تناقلته وسائل الإعلام جاء فيه: على كل حال فإن الحرب ستستمر حتى تحقيق أهدافنا كلها، وحتى في شهر رمضان القريب، فإنها يمكن أن تستمر، وتابع مهددًا: "إما أن يعود المختطفون أو نوسع الحرب إلى رفح، وسوف نفعل ذلك بالتنسيق مع شركائنا ومن بينهم مصر، سنخلي السكان ونتقدم”.

ومع حساسية الأمر وتعلقه بالحرب والقتال، فإن النظام المصري ترك القضية للإعلام ولهيئة الاستعلامات، ولم نسمع تصريحات من جنس التي خرجت في الحالة الليبية، مثل سرت خط أحمر، بل وتحركت الآليات العسكرية إلى مرسى مطروح الحدودية وقتها!

ومما يعمق من ضعف الردود المصرية، أنها لا ترد مباشرة على قادة الاحتلال، وأن الصحف الأجنبية تذكر تقارير من أرض سيناء، تعضد رواية الصهاينة، ومن ذلك ما نشرته

صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بالصوت والصورة وشهادة الشهود، مؤكدة ما ذكرته مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، بأن مصر تبني منذ 5 فبراير منطقة إيواء عازلة داخل الحدود المصرية مع رفح، بعمق خمسةكيلومترات وبأسوار عالية، فيما يبدو أنها لاستيعاب مئات الآلاف من جموع النازحين الفلسطينيين المكدسين في رفح، والتي تستعد إسرائيل للزحف عليها حربيا، بعد توفير ملاذات آمنة لسكانها، حسب شروط أمريكا والغرب.

وحتى نستطيع فك خيوط المؤامرة، لابد من العودة إلى صفقة القرن، والتي كان من بنودها قضية التهجير، ولعل الأبنية المصرية التي شيدت في رفح المصرية ومنطقة الشيخ زويد، بعد تهجير أهلها وهدم منازلهم وتجريف مزارعهم يؤكد ذلك، ولكن الذي أفشل المخطط مؤقتا، وأدى لهذا التخبط، هو صمود المقاومة وفشل الاحتلال في إحراز أي نصر خلال أربعة أشهر من القتال المتواصل، بأفتك آلات الحرب.

والأمر الذي ينبغي أن نتنبه له جميعا، أن سيناء أهم عند الاحتلال من غزة، وفيها جل الأماكن المقدسة، فكيف يهجر أهل غزة إليها؟

والجواب على ذلك: أن غزة هي حجر العثرة الأكبر أمام طموحات وأوهام إسرائيل، وهي حائط الدفاع الأول عن الدول العربية الداخلة في نطاق مشروع إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، ولو تم التهجير إلى سيناء، ستكون سيناء هي وجهتهم القادمة، وحجتهم لذلك جاهزة، وهي متابعة من تسلل من المجاهدين مع هجرة المدنيين، وأن المنطقة باتت بؤرة تهديد لأمن إسرائيل.

أما عن السيناريو المعد للتهجير، فهو أن تقصف رفح بقوة، ويطال القصف الجدر والأسلاك العازلة بين رفح المصرية والفلسطينية، كما حدث في الأسابيع الماضية، وعندها لا يبقى أمام أهل غزة إلا النجاة بأنفسهم والدخول لرفح المصرية، وعندها يسهل على الإعلام المصري تبني رواية أنه ليس أمامنا حل تجاه ما يحدث للأشقاء، إلا فتح أذرعنا وقلوبنا لهم، وعندها يتم التهجير تحت غطاء إنساني.

وعلى فرض أن طول أمد الحرب أفشل خطة التهجير إلى حين، فإن التلويح بها وبالعدوان على رفح ومن فيها، يراد من خلاله للمفاوض الفلسطيني أن يتفاوض تحت هذه الضغوط والإكراهات، حتى يعوض جيش الاحتلال إخفاقه على الأرض فوق مائدة المفاوضات.

ولعل أكبر ما ينفطر له القلب، بعد استشهاد أكثر من ثلاثين ألف شخص في غزة حتى الآن، والدمار الشامل لكل مظاهر الحياة فيها، هو الخذلان العام الذي تفاوتت فيه درجات أهل الأرض، بل ألف الناس مشاهد القتل وصور الخراب، وظهر العالم العربي والإسلامي بلا وزن من بداية طوفان الأقصى، بل انقسم بين عاجز عن العون والمساعدة، ومطبع يعين ويساعد، وليست المؤسسات أحسن حالا من الحكومات، بل أصبحت تدور في فلكها وتعكس صورة عجزها، ويبقى الأمل معقودا على علماء الأمة المتحررين من عبودية السلطة وإطار المناصب، أولئك الذين كانت بأيديهم مفاتيح الحل في أزمات الأمة الخانقة، ولعلها فرصتهم لإدارك اللحظة الفارقة، أما إن لم يراوحوا أماكنهم، ولم يرتقوا إلى قدر المسؤولية التي نيطت بأعناقهم، فحتما سيجرفهم الطوفان الذي لا يحابي أحدا.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* د. محمد الصغير؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين -عضو مجلس أمناء سابق-، رئيس الهيئة العالمية لأنصار النبيﷺ.

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين





التالي
حارس مرمى الإلحاد يترك مرماه أمام حجج الإيمان ومنطق العقل والفِطرة
السابق
تفكيك منظومات الاستبداد (29): خطر المنافقين في مواقع البطانة والحكْم

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع