البحث

التفاصيل

الموت تحت الرَّدم والأنقاض

الرابط المختصر :

الموت تحت الرَّدم والأنقاض

بقلم الدكتور منذر القضاة

عضو رابطة علماء الأردن

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

الحمدُ لله ربِّ العالمين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين ، وأشهد أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله النبي الأمين ، صلَّى اللهُ وسلَّم عليه في العالمين ، وعلى آله وأصحابه والتابعين . . أما بعد :

البشرى لمن يموت تحت الهدم والأنقاض من أهلنا في غزَّة أنَّه من جُملة الشهداء الَّذين ذكرهم الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -  فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه - ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ: " الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ". ([1])

قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَوْتَاتُ شَهَادَةً ، بِتَفَضُّلِ اللَّهِ تَعَالَى ، بِسَبَبِ شِدَّتِهَا وَكَثْرَةِ أَلَمِهَا

ومن الأحاديث التي نُذَكِّر فيها الأهل في غَزَّة هذا الحديث الشريف ، والذي يحمي بفضل الله من الموت من سقوط البناء ، والجدران ، والأعمدة ووقوعها على الإنسان بسبب القصف وما شابه ذلك ، وأن يردده في أذكار الصباح والمساء ، وقبيل النوم .

عن عبدالله بن عمر – رضي الله عنهما -  قال : لم يكنْ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَعُ هؤلاء الدعواتِ حينَ يُمسي، وحينَ يُصبِحُ : " اللهم إني أسألُك العافيةَ في الدنيا والآخرةِ ، اللهم إني أسألُك العفوَ والعافيةَ في ديني ودنياي وأهلي ومالي ، اللهم استرْ عورتي وآمنْ روعاتي ، اللهم احفظْني مِن بين يديَّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي ، وأعوذُ بعظمتِك أن أُغتالَ مِن تحتي ".([2])

كان النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - كَثيرَ الدُّعاءِ لرَبِّه عزَّ وجلَّ، كثيرَ التَّضرُّعِ إليه سُبحانه وتَعالى، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ الصَّحابيُّ الجَليلُ عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم كان له دَعواتٌ لا يَترُكُهنَّ أبَدًا، فيقول: "لم يَكن رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يدَعُ"، أي: يتْرُكُ، "حين يُمسِي"، أي: إذا دخَلَ وقْتُ المساءِ، و"حين يُصبِحُ"، أي: إذا أقْبَلَ وقْتُ الصَّباحِ، يعني: لا يَترُكُ الدُّعاءِ بهذِه الدَّعواتِ، وهي: "اللَّهمَّ إنِّي أسأَلُك العافيةَ"، أي: السَّلامَةَ والنَّجاةَ، "اللَّهمَّ إنِّي أسألُك العفْوَ"، أي: المغفِرَةَ والمُسامحَةَ، "في دِيني ودُنيايَ"، أي: في الدُّنيا والآخِرةِ، "وأهْلي"، أي: زوْجاتي وأَوْلادي وقَرابَتي، "وَمالي"، أي: أمْوالي وعمَلي، وما في معنى ذلك منَ التِّجارَةِ والبيْعِ، وغيرِ ذلك، "اللَّهمَّ استُرْ"، أي: احفَظْ، "عوْرَتي"، أي: كلَّ ما يَسوؤُني نشْرُه؛ من المَعايِبِ، "وآمِنْ رَوْعاتي"، أي: وطمْئنِّي وأَمِّنِّي مِن كلِّ ما يُخيفُني ويُسبِّب لي الفَزَعَ، "اللَّهمَّ احفَظْني من بينِ يدَيَّ ومِن خَلْفي، وعن يَميني وعن شِمالي، ومِن فَوْقي"، أي: احفَظْني من كلِّ جِهةٍ يُمكِنُ أن يُصيبَني منها مكْروهٌ، "وأَعوذُ بعَظَمتِك"، أي: ألْجَأُ وأحْتَمي بعَظَمتِك، وقوَّتِك وقُدرَتِك "أنْ أُغْتالَ"، أي: أن يُخسَفَ بي أو أهْلِكَ، "من تَحْتي"، وإنَّما بالَغَ في تَحديدِ الخسْفِ والهَلاكِ منَ الجِهةِ التَّحتيَّةِ؛ لشِدَّةِ البلاءِ والشَّرِّ به. ([3])

وإنما استعاذ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الموت تحت الهدم والهلاك بسببهِ مع ما فيه من الوعد بنيل الشهادة وأجرها ؛ لأنَّ الموت حينها يكون بغتة دون توبة، ورد للمظالم، وإقرار للوصية، وعدم النطق بالشهادة لما يفجؤه من فزع وهلع، وما يدهمه من الخوف.

وربما إذا أصيب الإنسان بها قد لا يصبر عليها ، وهو ما زال حيَّاً تحت الأنقاض ، وقد يمضي أيام تحت الأنقاض ، ويصيبه الجزع والتسخط بذلك ؛ أو يذكر عند حلولها شيئا مما يجب عليه في وقته ذلك فيختم له بالسوء لا قدر الله .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

 



([1]صحيح البخاري (653) ، وصحيح مسلم (1914)

([2]أخرجه أبو داود (5074) واللفظ له، وابن ماجه (3871)، وأحمد (4785)

([3]ينظر الموسوعة الحديثية – الدرر السنية 





التالي
أمَّهَات غَزَّة
السابق
نحو فهم جديد للإسرائيليات (بين الروايات الإسرائيلية والمنهج الإسرائيلي) - الحلقة الثانية

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع