البحث

التفاصيل

أهل غزة ودروس من وحي الهجرة

الرابط المختصر :

أهل غزة ودروس من وحي الهجرة

بقلم: عصام تليمة

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

لم تُدوَّن السيرة النبوية في كتبها، ولم يذكرها القرآن الكريم في آياته المعجزة، لتكون مجرد قصة تُقرأ، ثم يمضي الإنسان في حياته دون أن يستلهم منها ما يعينه على حاضره. إنها تجسّد سيرة خير البشر والرسل، وتجسّد التطبيق العملي للإسلام، فإن الإسلام يتكون من نصوص وتطبيق، وخير من طبق نصوصه ليكون تشريعًا عمليًا هو رسول الله- صلى الله عليه وسلم – لذا تظلّ سيرته معينًا لا ينضب.

وفي هذه الأيام تعيش الأمة الإسلامية حلول عام هجري جديد، وهو ما يرتبط بذكرى هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-. والمتأمل لأحداثها في خطوطها العامة الكبرى، سيجد دروسًا بليغة للمسلمين عامة، ولأهل غزة في محنتهم الكبرى خاصة. فالأحداث تتكرر، وإن كانت بأشكال تختلف بحسب الزمن وأدواته ووسائله، ولكن القيمة الإيمانية والتشريعية واحدة، وجدير بأهل غزة أن يستلهموا من وحي الهجرة دروسًا وقبسات لواقعهم وحاضرهم، بل ومستقبلهم.

غزة اجتمع عليها القاصي والداني، بكل ما أوتوا من قوة، على المستويين: المادي والمعنوي، كل يعين العدو بما يقدر، وخذلان ممن ينتظر منهم النصرة، إلا من رحم ربك

ماضٍ يتكرر

لقد ذكّر القرآن الكريم المسلمين بالهجرة في حدث بعدها بسنوات، ولم يكن تذكيرًا بها وقت حدوثها، فقال تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} (التوبة: 40). لم تنزل هذه الآية الكريمة في وقت الهجرة، بل نزلت في أحداث غزوة تبوك في السنة العاشرة من الهجرة، أي قبل وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم – بشهور قليلة.

نزلت هذه الآية في ظل خذلان وتخلٍ من المنافقين وضعاف الإيمان، حيث كانت لدى المسلمين مواجهة مع الروم على تخوم دولة الإسلام. ولأن الظروف والملابسات كانت عَسِرة، سُميت الغزوة بذلك: غزوة العُسرة. فقدم كل متخاذل أو متواطئ أعذارًا واهية كي لا يتقدم للغزو دفاعًا عن المدينة، فمنهم من تعلل بالحر، ومنهم من تعلل بخوف الفتنة، إذا ما أصابوا من الروم أسرى وسبايا، فيفتن بجمال النساء الفاتنات، من بني الأصفر، فقال: "ائذن لي ولا تفتني"، وسجل ذلك القرآن عليه فقال: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} (التوبة: 49).

أعذار تلو الأعذار أطلقها المنافقون، وتعلل بعض ضعاف الإيمان بعلة رعاية بيته، ومنهم من تخلف لضعف عزيمته، وهؤلاء هم أخف المعتذرين، وسموا بالثلاثة الذين خُلِّفوا. في ظل هذا الجو الصعب، لا مال يدعم الجيش، ولا استنفار يدفع الجميع للخروج، في ظل مواجهة عدو قوي، في أوج قوته، وفي شدة جبروته وبأسه، فنزلت الآية تذكر بيوم أشد رعبًا وخوفًا من هذا اليوم، إذ خرج محمد -صلى الله عليه وسلم- وحده، وقد نصره الله تعالى.

وإذا كان القرآن الكريم يذكر بحدث منذ عشر سنوات، ويقوم بإسقاط دروسه على الواقع المماثل، أو الأقرب إليه، فهو منهج قرآني نمارسه، والحال لا يختلف كثيرًا في غزة. فقد اجتمع عليها القاصي والداني، بكل ما أوتوا من قوة، على المستويين: المادي والمعنوي، كل يعين العدو بما يقدر، وخذلان ممن ينتظر منهم النصرة، إلا من رحم ربك. واقع مرير، لكن ما لدى الله ينهي هذه المرارة، وما أعد الله من عباده الصامدين، ما يدفع شرور المحتلين.

الوقوف مع الحقّ لا يشترط فيه أن تتوافق مع أهله، بل يكفي أن تتفق معهم في هذا الحق، سواء كان حقًا سياسيًا أو دينيًا، أو أي من حقوق الدنيا، مما لا يختلف عاقل عليها

الإنسان والوقوف مع الحق

من الدروس المهمة والبليغة في الدين والحياة من وحي الهجرة: استعانة النبي -صلى الله عليه وسلم- في هجرته بدليل يعرف الطريق، لم يكن مسلمًا، بل كان مشركًا، لكنه كان خبيرًا وأمينًا في آن واحد، وهو عبد الله بن أريقط. وقد قام بمهمته بأكفأ ما يكون، ولم يخن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه، رغم اختلاف الدين بينهم.

وهو درس رأيناه عبر الزمن، أن الوقوف مع الحقّ لا يشترط فيه أن تتوافق مع أهله، بل يكفي أن تتفق معهم في هذا الحق، سواء كان حقًا سياسيًا أو دينيًا، أو أي من حقوق الدنيا، مما لا يختلف عاقل عليها. وقد تجلى هذا الدرس في مظاهرات الأحرار من العالم، ممن لا يجمعهم بأهل غزة أي أيديولوجيا دينية أو سياسية، لكن جمعهم الإيمان بحق الإنسان في حياة حرة كريمة، ورفض الاستعمار، أيًا كان القائم به، ورفض الظلم أيًا كان ممارسه.

وهو ما لا بد من الحرص عليه، وزيادة مساحته، والتي نرى رقعتها تتسع كل يوم، ويخسر الكيان الصهيوني كل يوم رقعة سواء على أرض غزة، أو على الكرة الأرضية.

الأدوات المادية والعقلية لا تكفي وحدها لتفسير ما نراه منذ المعركة حتى الآن، بل لا بدّ من تفسير مضاف، لا يفسّره إلا الوحي والدين، وهو تأييد الله بجنود لم تروها

بجنود لم تروها

اختلف العلماء في صحة الأحاديث التي وردت بشأن رقود حمامة على بيض، ووجود عنكبوت وخيوطها المنسوجة على باب الغار، الذي لجأ إليه النبي – صلى الله عليه وسلم – وأبو بكر- رضي الله عنه. والراجح عدم صحتها، فقد بالغ كتّاب السير في أن الله ردّ المشركين عن الغار بهاتين الوسيلتين، وأنه لولاهما لرأوهما. ولكن القرآن الكريم يبين في آية الحديث عن الهجرة، بأن التأييد كان بجنود لم يروها، فقال تعالى: {وَأَيَّدَه بِجُنُود لم تَرَوهَا} (التوبة: 40). وهو ما تكرر بعد ذلك، بنفس الآية واللفظ والمعنى، في غزوتي الأحزاب وحنين.

هذا المعنى اللطيف والمهم، يشير إلى أن تأييد الله لعباده لا يتوقف على وسائل مرئية، بل إن كثيرًا من الأحايين تكون مثل هذه الأدوات المجهولة -أو غير المرئية، أو المعنوية- أشد مضاء من أسلحة أخرى مادية، وهو ما تسجله أحداث التاريخ في كثير من المعارك الكبرى والفاصلة.

منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول وما سمي بطوفان الأقصى، والناس جميعًا -وبخاصة من لا يجمعهم بأهل غزة دين وقيم واحدة- يتساءلون عن سر هذا الصمود، وسر هذه القوة التي لا يفسرها العقل البشري القاصر. وهذا لا يلغي أدوات العقل في المعركة، ولكن هذه الأدوات المادية والعقلية لا تكفي وحدها لتفسير ما نراه منذ المعركة حتى الآن، بل لا بدّ من تفسير مضاف، لا يفسّره إلا الوحي والدين، وهو تأييد الله بجنود لم تروها.

في حوار به أعلى درجات الأمل والثقة في موعود الله، يرد -صلى الله عليه وسلم- سراقة بن مالك بوعد منه أن يمنحه سوارَي كسرى

التمسك بالأمل مهما كان الألم

لقد أحاط المشركون بالغار، وبداخله النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر، وفي لحظة قالها أبو بكر بتفكير بشري طبيعي: "لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا". فيقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- : "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا"، وهو ما سجلته الآية الكريمة: {إِذ يَقُولُ لِصاحِبه لَا تَحزن إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} (التوبة: 40).

بل يأتيه سراقة بن مالك، وقد وصل بالفعل للغار، وما هي إلا ضربة رمح أو رمية سهم ليصيب هدفه، وينال جائزة قريش الكبرى التي أعلنت لمن يأتي بمحمد -صلى الله عليه وسلم- حيًا أو ميتًا. وفي حوار في أعلى درجات الأمل والثقة في موعود الله، يرده -صلى الله عليه وسلم- بوعد منه أن يمنحه سوارَي كسرى.

للإنسان أن يتخيل أن أعرابيًا بسيطًا، كل أمله بضع نياق من الإبل، يوعد بأدوات أكبر حاكم في العالم آنذاك. يقينًا سيشعر أنه ضرب من الخيال أو أحلام اليقظة، لكن الرجل مسّ قلبه الإيمان بالله، والصدق بهذا الرجل الذي يعده -صلى الله عليه وسلم- ويتحقق الوعد بعد سنوات، بعد وفاة الواعد بما يزيد على عشر سنوات.

إن أكثر الناس تفاؤلًا وقت هذا الوعد، كان سينصح سراقة بأن عصفورًا في اليد خير من عشرة على الشجرة، لكنه ذهب بالوعد الموثوق في صاحبه وفي ربه، وهو ما ينبغي على أهل غزة، وأهلها هنا ليس من يقيم على أرضها، بل كل مؤمن بقضيتها، ألا يغادره الأمل، ولا الثقة في النصر، لأن الزمن مهما طال بمحتل فإلى زوال، ومهما طال بمقاوم له إلا انتصر، سواء كان على يده، أو على يد من أكملوا طريقه.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.





السابق
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يهنئ الأمة الإسلامية قادة، وعلماء، وشعوبا بالعام الهجري الجديد

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع