الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يعزي في وفاة
الشيخ العلّامة والمحدِّث حجازي محمد يوسف شريف (أبي إسحاق الحويني)
قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا
النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً
فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾
(الفجر: 27-30).
يتقدم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بخالص العزاء وأصدق
المواساة إلى الشعب المصري والأمة الإسلامية في وفاة الشيخ العلّامة والمحدّث
حجازي محمد يوسف شريف، المعروف بـ "أبي إسحاق الحويني"، الذي وافته
المنية مساء يوم الاثنين ١٧ رمضان ١٤٤٦هــ الموافق 17 مارس 2025م، إثر وعكة صحية
استدعت نقله إلى المستشفى، حيث فارق الحياة متأثرًا بحالته الحرجة عن عمر ناهز 69
عامًا.
اسمه ومولده
هو حِجازي بن محمد بن يوسف بن شريف، المعروف بأبي إسحاق
الحويني. وُلِد في قرية حُوين بمحافظة كفر الشيخ بمصر يوم الأحد 10 يونيو 1956م،
وقد سمَّاه والده "حجازي" بعد أداء فريضة الحج.
نشأته وتحصيله
نشأ في أسرة زراعية متوسطة الحال، وتنقّل بين قرى كفر الشيخ
خلال دراسته حتى انتقل إلى القاهرة في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية. التحق
بجامعة عين شمس في كلية الألسن قسم اللغة الإسبانية.
ويذكر الحويني أن دراسته لكتاب الشيخ الألباني "السلسلة
الضعيفة" خلال دراسته الجامعية كانت أكثر فائدة من سائر سنوات تحصيله العلمي.
كان يعمل نهارًا في "بقالة" ويسهر ليلًا على مطالعة كتب الألباني، ومع
ذلك كان الأول في صفه.
طلبه العلم
تعلق الحويني منذ صغره باللغة العربية وآدابها، فقرأ العديد من
الأعمال الأدبية والشعرية. ثم توجه إلى العلم الشرعي، فبدأت رحلته الحقيقية في طلب
العلم. أخذ القرآن عن خاله عبد الحي زيَّان المتقن للقراءات، وركّز بعدها على علم
الحديث وكتب السنة.
درس على يد الشيخ محمد نجيب المطيعي حتى تعرض للاعتقال، ثم سافر
إلى السودان والسعودية، وزار الأردن حيث التقى بالشيخ الألباني، وعاد إلى السعودية
حيث التقى الشيخ صالح آل الشيخ والشيخ ابن عثيمين، وتردد على المجالس العلمية.
شيوخه
أول شيوخه كان خاله الشيخ عبد الحي زيان -رحمه الله-، الذي أخذ
عنه القرآن الكريم.
ثم كان الأستاذ عبد الفتاح الجزار -رحمه الله-، الذي أخذ عنه
اللغة العربية. وكان الشيخ، بعدما اشتهر بين الناس، إذا رأى أستاذه الجزار في
المسجد، سارع إليه وقدمه لإلقاء كلمة، فكان يُجِلُّه ويثني عليه كثيرًا.
ومن شيوخه أيضًا الشيخ محمد نجيب المطيعي -رحمه الله-، الذي أخذ
عنه أصول الفقه وعلم الحديث، ودرس عليه ما تيسر من «صحيح البخاري»، و«المجموع
للنووي»، و«الأشباه والنظائر» للسيوطي، و«إحياء علوم الدين» للغزالي.
أما الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله-، فقد
كان أقرب المشايخ إلى قلبه، وقد تتلمذ له وتأثر بكتبه. للشيخ الحويني رحلتان
مشهورتان مع الشيخ الألباني: الأولى في شهر المحرم عام 1407هـ، والثانية في شهر ذي
الحجة عام 1410هـ. في هاتين الرحلتين، تدارس مع الشيخ الألباني عشرات المسائل في
علوم الحديث وغيره، وقد ذكر الشيخ الحويني أنه أخذ من الشيخ الألباني ما يقرب من
مئتي سؤال في العلل فقط، بالإضافة إلى أسئلة أخرى في علوم الشريعة وحكم البرلمانات
المعاصرة والأحزاب.
كما جلس الشيخ الحويني في الجامع الأزهر مع جماعة من أساتذة
العلوم الشرعية المختلفة، وكان منهم الدكتور موسى شاهين لاشين -رحمه الله، الذي
كان رئيسًا لقسم الحديث في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر.
التقى الشيخ أيضًا بنخبة من كبار علماء أهل السنة، وحضر مجالس
لهم، وتعلم منهم وتأثر بهم في العقيدة والفقه وأصوله، ومن هؤلاء العلماء:
* الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه
الله-، وقد حضر دروسه بالجامع الكبير والمسجد بجوار بيته في مدينة جدة.
* الشيخ محمد بن صالح العثيمين
-رحمه الله-، وحضر دروسه بالمسجد الحرام.
* الشيخ عبد الله بن قاعود -رحمه
الله-، الذي حضر الشيخ عنده وهو يشرح كتاب «البرهان في أصول الفقه» للإمام
الجويني، وكان الشيخ صالح آل الشيخ يقرأ عليه في ذلك الوقت.
* الشيخ عبد الله بن جبرين -رحمه
الله-، الذي التقى به الشيخ في جمع كبير، حيث ألقى الشيخ ابن جبرين محاضرة، تلاه
الشيخ الحويني ليُلقي محاضرة بعده. وقد أثنى الشيخ ابن جبرين عليه ثناءً عاطرًا،
حتى استحيا الشيخ الحويني من ذلك الثناء، إذ وصفه الشيخ ابن جبرين -رحمه الله- بـ
"مُحدِّث مصر".
مؤلفات الشيخ ومشاريعه العلمية
منذ بداية الشيخ في طلب علم الحديث، أُحبِّب إليه التصنيف
والتأليف والتحقيق، وتحرير المسائل العلمية، وتتبع أقوال الأئمة. وقد رُزق الشيخ
حُسن العبارة والتصنيف، وهو ما أفاده في ذلك نشأته الأدبية التي تم ذكرها سابقًا،
بالإضافة إلى إقباله على لسان العرب وأشعارهم وقصصهم وأمثالهم. وقد تجلى ذلك بوضوح
في محاضراته ودروسه المتعددة.
وكان من ثمرة هذا الجهد العديد من المشاريع والمؤلفات، منها ما
طُبع، ومنها ما هو مخطوط. وسنذكر هنا بعضًا منها على سبيل المثال لا الحصر:
* الأربعون في ردع المجرم عن سب المسلم، للحافظ ابن حجر.
* الانشراح في آداب النكاح.
* النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة.
* كتاب في الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
* كشف المخبوء بثبوت حديث التسمية عند الوضوء.
* نهي الصحبة عن النزول بالركبة.
* بذل الإحسان بتقريب سنن النسائي.
* طليعة سمط اللآلئ في الرد على محمد الغزالي.
* كتاب الصمت وآداب اللسان، لابن أبي الدنيا.
* صحيح القصص النبوي.
* الأحاديث القدسية الأربعينية، لملا علي القاري.
* جزء في تصحيح حديث القلتين والكلام على أسانيده، للحافظ
العلائي.
* كتاب الزهد لأسد بن موسى.
* مسند سعد بن أبي وقاص، للبزار.
* رسالتان في الصلاة والسلام على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ
وَسَلَّم وعقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام.
* تنبيه الهاجد إلى ما وقع من النظر في كتب الأماجد.
* فتاوى أبي إسحاق الحويني المسمى إقامة الدلائل على عموم
المسائل.
* درة التاج على صحيح مسلم بن الحجاج.
* سد الحاجة بتقريب سنن ابن ماجة.
* فك العاني بشرح تعليل الطبراني.
* فك الوثاق بشرح كتاب الرقاق.
* كسوة العاري ببيان علة الحذف عند البخاري.
* مسند أبي هريرة.
* مجَمَّة الفؤاد فيما اتفق عليه الشيخان في المتن والإسناد.
* الهدية بشرح صحيح الأحاديث القدسية.
* نبع الأماني في ترجمة الألباني.
* القالات الحسان عن ليلة النصف من شعبان.
* كشف الخفاء عما ورد في فضل عاشوراء.
* الظل الوريف في حكم العمل بالحديث الضعيف.
ثناء العلماء عليه
أثنى على الشيخ الحويني العديد من علماء الأمة وفضلائها، ومن
أبرز من أثنوا عليه:
* الإمام الألباني -رحمه الله- أثنى عليه في عدة مواضع، حيث قال
له: «صَحَّ لك ما لم يصحَّ لغيرك». وذكره في كتابه "السلسلة الصحيحة"
(5/586)، قائلاً: «ونبَّهَ على ذلك صديقنا الفاضل أبو إسحاق الحويني في كتابه
القيِّم: غوث المكدود في تخريج منتقى ابن الجارود»، وأهدى إليَّ الجزء الأول منه
جزاه الله خيرًا. كما وصفه في "السلسلة الصحيحة" (2/720) بأنه من إخوانه
الأقوياء في علم الحديث.
* الشيخ عبد العزيز الراجحي أثنى عليه أيضًا، وعندما سُئل عن من
يطلب العلم في مصر، أجاب قائلاً: «أبو إسحاق الحويني، الشيخ أبو إسحاق مُحدِّث، من
علماء الحديث».
*الشيخ مشهور حسن آل سلمان قال: «أشهد الله أن أبا إسحاق من
علماء الحديث، ومن أهل الحديث الراسخين فيه، ولم أرَ شيخنا الألباني فرِحًا بأحد
كما رأيته فرحًا بقدوم الشيخ أبي إسحاق، ومجالسُه مع الشيخ الألباني محفوظة،
تُنبِئُ عن علمٍ غزيرٍ، بل عن تدقيقٍ، قلَّ أن يصل إليه أحد».
* الشيخ أحمد النقيب وصف الشيخ قائلاً: «الشيخ أبو إسحاق في
جملة واحدة: يعيش بالدين، وللدين، وفي الدين، وليس له هم إلا الدين».
* الشيخ محمد حسين يعقوب رفيق دربه في الدعوة قال: «ما أحرق أهل
البدع إذا سمعوا اسمك، وما أشدَّ ألم أهل السنة إذا غاب رسمك، أنا والحويني أمة
واحدة».
نسأل الله تعالى أن يتقبل الفقيد في جناته الواسعة، وأن يثيبه
على ما قدّم من علم وعمل، وأن يرزقه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، كما نسأل الله أن يلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر
والسلوان في هذا الوقت العصيب.
﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
الدوحة: ١٨ رمضان ١٤٤٦هــ
الموافق: 18 مارس 2025م
د. علي بن محمد الصلابي أ. د. علي محيي الدين القره داغي
الأمين العام الرئيس