البحث

التفاصيل

تعديل قوانين الأوقاف في الهند: حين تتحوّل الإصلاحات إلى أدوات للهندسة الطائفية

الرابط المختصر :

تعديل قوانين الأوقاف في الهند: حين تتحوّل الإصلاحات إلى أدوات للهندسة الطائفية

بقلم: د. محمد أعظم الندوي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

في بلدٍ يزهو بتعدديته، ويتغنّى في محافل العالم بلقبه "أكبر ديمقراطية على وجه الأرض"، تطفو على السطح اليوم أزمة تُهدد أحد أكثر مكونات نسيجه الاجتماعي هشاشة: المسلمين. مشروع تعديل قانون الأوقاف لعام 1995، الذي كشفت عنه حكومة ناريندرا مودي مؤخراً، ليس مجرد نقاش قانوني إداري، بل تجلٍّ صارخ لتحوّلات أعمق تشهدها الجمهورية الهندية، تحوّلات تمسّ جوهر العلاقة بين الدولة وأقلياتها، بين القانون والهوية، وبين مفردة "الإصلاح" واستخدامها كقناع لسياسات التهميش المنهجي.

ما وراء النص القانوني: قراءة في النوايا

تطرح الحكومة الهندية مشروع التعديل بوصفه "إصلاحاً ضرورياً" يستهدف مكافحة الفساد في إدارة أصول الأوقاف، وهي أصول تتجاوز قيمتها مليارات الدولارات، تشمل مساجد، أضرحة، ومدارس، وملايين الهكتارات من الأراضي. لكنها، في المقابل، لم تُخفِ رغبتها في سحب بعض صلاحيات المجالس الوقفية وتوسيع رقابة الدولة عليها، ما يثير أسئلة حقيقية حول نواياها: هل نحن أمام إعادة تنظيم أم إعادة سيطرة؟

المفارقة أن الفساد الذي تتذرّع به الحكومة ليس ظاهرة حصرية للمجالس الوقفية، بل هو جزء من منظومة إدارية مترهّلة تعاني منها مؤسسات الدولة كافة. فلماذا هذا الاستهداف الانتقائي؟ ولماذا تُفتح ملفات الأوقاف تحديداً في لحظة سياسية يُدفع فيها الخطاب الطائفي إلى ذروته؟

المسلمون في مرمى التعديلات: من قانون الجنسية إلى قانون الأوقاف

منذ صعود حزب بهاراتيا جاناتا إلى الحكم عام 2014، تعيش الأقلية المسلمة في حالة استنزاف قانوني واجتماعي متواصلة. البداية كانت مع تعديل قانون الجنسية الذي ربط الانتماء الدستوري بالدين، ثم إلغاء الحكم الذاتي في كشمير، وصولاً إلى حملة "ضبط الأذان"، وتقييد الذبح الحلال، وقوانين "الحب الجهادي"، والآن ها هو قانون الأوقاف يُستدعى إلى الميدان، ليس كإصلاح، بل كسلاح.

ما يحدث ليس عفوياً. إنه جزء من استراتيجية سياسية مُحكمة، تسعى إلى تحويل الدين من شأنٍ شخصي إلى بطاقة هوية سياسية، تُمنح وتُسحب بحسب الولاء للمركز الحاكم. في هذا السياق، يصبح الأوقاف مجرد جبهة أخرى في معركة السيطرة على الذاكرة التاريخية والحيز الرمزي للمسلمين في المجال العام.

غياب الشفافية: بين غموض البيانات وتوظيف السلطة

من اللافت أن الحكومة لم تقدّم، حتى الآن، أرقاماً دقيقة أو تقارير موثوقة تُثبت حجم "التعديات" التي تزعمها على أراضي الأوقاف. كل ما في الأمر خطابات فضفاضة وتصريحات إعلامية تسعى لبناء تصور عام يُجرّم المجالس الوقفية دون محاكمة. إنها تقنية سياسية مألوفة: الشيطنة أولاً، ثم الهيمنة.

التحليل القانوني للمشروع يكشف كذلك خروقات محتملة للمادة 26 من الدستور الهندي، التي تكفل للجماعات الدينية حق إدارة شؤونها. وهذا ما دفع كثيراً من الحقوقيين إلى وصف التعديلات بأنها "إلغاء غير معلن" لاستقلالية المسلمين المؤسساتية، عبر ذرائع بيروقراطية محبوكة.

الإصلاح الحقيقي أم التغيير الانتقائي؟

الإصلاح الحقيقي، بطبيعته، لا يستهدف طائفة دون أخرى، ولا يُفرض من الأعلى دون مشاورة المجتمعات المعنية. الإصلاح لا يُبنى على الاستقطاب، بل على التوافق، ولا على الإقصاء، بل على الشمول. لكن ما نراه اليوم هو مثال صارخ على "التغيير الانتقائي" الذي يطال من لا سند لهم سياسيًا، ويُمنَحُ الغطاء القانوني باسم "المصلحة الوطنية".

من المؤسف أن الحكومة التي ترفع شعارات التنمية والتقدم، تختار خوض معاركها السياسية في حيز الهويات الدينية. ومع أن التعديلات تُقدَّم بلغة إدارية، فإنها تُقرأ شعبيًا كلغة سياسية: تذكير آخر للمسلمين بموقعهم الهشّ في الهند الجديدة.

خاتمة: هل ينكسر التوازن؟

ما يحدث اليوم لا يُهدد فقط أراضي الأوقاف، بل يُقوّض مبدأ العيش المشترك الذي بُنيت عليه الهند الحديثة. فالسياسات التي تُدار بعقلية الأغلبية، وتُغلف بقوانين زائفة الحياد، لا تنتج استقرارًا، بل تُراكم الغضب. وفي نظام ديمقراطي، حين يشعرُ جزءٌ من المجتمع أنه يُقصى ويُحاصَر، فإن الشرخ لا يلبث أن يتّسع، ولا تُجدي بعده الشعارات نفعًا.

إن كانت الحكومة صادقة في مسعاها للإصلاح، فعليها أن تبدأ بإصلاح علاقتها بالمجتمع المسلم، لا أن تجعل من أوقافه هدفًا سهلًا لنزعة السيطرة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
معركة النقود والحبوب!

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع