البحث

التفاصيل

فريقان في رمضان

الرابط المختصر :

فريقان في رمضان

بقلم: زهرة سليمان أوشن

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

رمضان شهر البركات والخيرات، شهر الذكر والقرآن، شهر التدبر والتغير، وهو فرصة ثمينة جدا لكسب الأجور وتزكية النفس والمسارعة في الصالحات، ورفع الدرجات.

ولا شك أنه أمامنا الخيار وبيدنا القرار، فإما أن نستفيد من هذا الشهر ونحسن التعامل معه ونستثمر أوقاته لننا جوائزه ونحظى بهباته، أو نكون فيه من المفرطين فنضيع أوقاته ونفوت نفحاته، ونتجاوز جدوده وحرماته. 

وجولة في أحوال مجتمعاتنا مع رمضان، نجد الناس في تعاملهم معه على قسمين:

قسم أعد عدته ووضع خططه للاستثمار في هذا الشهر الكريم، يصوم نهاره صيام المحسنين، يمسك لسانه ويصون جوارحه، يغض بصره، ويخالف هواه، يجاهد نفسه ويسعى للقرب من مولاه، يتذكر ويذكر، نجده بين تلاوة للقرآن وصلاة وقيام وبين صدقة وبر وصلة أرحام، قد شغل نفسه بالطاعات، يحضر دروس العلم ويسارع إلى المساجد وحلقات الذكر، يكثر من النوافل ويسارع إلى الخيرات، فهو مع المتطوعين للمساهمة في التخفيف عن الناس وقضاء حوائجهم وتلبية متطلباتهم.

يسير طيلة الشهر وقد علاه البشر، يرفع سقف إتقانه، يحسن خلقه، يرقي تعامله، يعين أهله ويحفظ ود أقاربه وزملائه، ويتفاعل مع قضايا أمته ويمد يد العون وينفع الإسلام والمسلمين، فهو مفتاح للخير مغلاق للشر كما جاء في وصف الحبيب صلى الله عليه وسلم.

يدرك أن هذا شهر الفضيل ما هو إلا أياما وساعات وأنه لا مجال، فيه لهدر الأوقات، لذا نجده حريصا على أيامه ولياليه، وعلى ساعاته وثوانيه، لا يضيع وقته في الخصام والجدال، ولا في اللغو وكثرة الكلام، محققا قوله تعالى: ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون) سورة المؤمنون 1-3،  يرفع في وجه كل المضيعات شعار: إني صائم وهو يدرك أبعاد هذه الجملة وعمق دلالتها،  فالصيام الحق تقوى وعمل، سلوك وخلق، صبر وشكر،  إتقان وإحسان، فطوبى له ولأمثاله الذين وقروا شهر القرآن وكانوا فيه من أهل التقوى الإحسان.

وقسم أخر...

للأسف الشديد، جعلوا رمضان طقوس وتقاليد ابتدعوها وزينوها ثم ألبسوها لبوس الدين، والدين منها براء، حولوا شهر رمضان إلى شهر للكسل والنوم، والأكل والسهر، والسمر واللهو.

تنافسوا في كثرة الموائد وتنويع أصناف الطعام، وليتهم أطعموا بها جائعا أو سدوا بها رمقا، بل نجدهم يمدونها تلذذا واشتهاء، وتفاخر   ومباهاة. 

يقضون نهارهم في سبات عميق وغفلة متتالية، حتى إذا جاء الليل حلا لهم السهر في الأندية والصالونات، وعلى الفضائيات وبين الشاشات.

فإذا بهم من سهرة إلى أخرى وبين قناة وأختها، وقد جدولوا برامجها ومسابقاتها، مسلسلاتها وأفلامها، في قوائم أجنداتهم حتى لا يفوتهم منها شيء.

رمضان عندهم، ملذات وسهرات، تسلية ولقاءات.

نجدهم يتهربون من أعمالهم ويهدرون أوقاتهم، بل ربما كانوا من القاطعين للأرحام المضيعين لحقوق العباد، ثم إن أحدهم يقيم الدنيا لأتفه الأسباب والحجة أنه صائم، مدعيا أن الصيام سبب غضبه وضيق خلقه.

ويخرج الشهر والمسكين لم يغير سلوكا ولم يقيم خلقا، وتنفلت منه أيام الشهر القصيرة وتنقضي وهو على حاله، بل ربما ازداد سوء وقد غمر ساعات الشهر بالذنوب والمعاصي، وقضاها في اللهو واللغو.

فأي صيام هذا وأي رمضان ذلك الذي يدعي هؤلاء الاحتفاء به والفرح باستقباله. 

فيا أحبابنا الكرام شتان بين الفريقين شتان.

وكل منا مسؤول عن تعامله مع هذا الشهر الكريم، وله الخيار وبيده القرار في أن يسلك سبيل الفريق الأول وينال الجائزة والرضوان، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).

أو تهزمه نفسه الأمارة ويغلبه عجزه وهواه فيسير على منهج الفريق الثاني، ويمضي رمضان ولا ينال الصفح والغفران ويتحقق فيه نذير رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رغم أنف أمرئ أدرك رمضان ولم يغفر له)، ونعوذ بالله من الخذلان.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
إفطار رمضاني في السلط يجمع مرضى غزة ويجسد التضامن الأردني مع ضحايا المجازر الصهيونية
السابق
الأسرة المسلمة والتحديات الراهنة

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع