البحث

التفاصيل

عيد بأية حال عدت يا عيد

الرابط المختصر :

عيد بأية حال عدت يا عيد

بقلم: أ.د/ محمد دمان ذبيح

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد

    بأية حال عدت يا عيد وغزة تباد، وبيوتنا تحت القصف، والسمع، والبصر، والفؤاد، والروح، وروح الروح صارت دماء، وأشلاء ....

    بأية حال عدت يا عيد ودمعة القلب تسبق دمعة العين، بل إن الجوارح كلها تبكي لما آل إليه حالنا من معاناة أضحت لنا عنوانا، أو من مهانة غدت لنا لباسا...

     بأية حال عدت يا عيد والأمة في سبات عميق إلا نادرا من خلال صيحات مدوية، أو صور مشرقة، أو مواقف مشرفة من بقايا رجولة هنا وهناك...

مررت على المروءة وهي تبكي  ***  فقلت علام تنتحب الفتاة

فقالت كيف لا أبكي وقومي  ***  جميعا دون خلق الله ماتوا

مررت على الشجاعة وهي تبكي  ***  فقلت علام تنتحب الفتاة

فقالت كيف والشجعان مروا  ***  على المظلوم فابتسموا وفاتوا

مررت على العروبة وهي تبكي  ***  فقلت علام تنتحب الفتاة

أجابتني بنظرات طوال  ***  فإذ بالرد أبلغه السكات

بأية حال عدت يا عيد والأمة وهذا أخشى ما أخشاه أن تكون قد دخلت في دائرة

من يهن يسهل الهوان عليه  ***  ما لجرح بميت إيلام

بأية حال عدت يا عيد وأمة المليارين لم تستطع أن تتخذ موقفا موحدا مشتركا ضد هذا الكيان الغاصب،

وهذا على الرغم من أننا نمتلك القدرات، والإمكانيات التي تحقق لنا النصر المنشود، ولكن غياب الصدق مع الله تعالى ، مع حب الدنيا وكراهية الموت كانا سببا رئيسا في ترك الجهاد بصوره المختلفة، فكانت النتيجة الذل، والمهانة ، والصغار بشكل لا يوصف ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :"إذا تبايعتم بالعِينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط اللهُ عليكم ذلًّا لا ينزعُه شيءٌ حتى ترجعوا إلى دينكم."[1]

    يا أمة الإسلام: هل ستبقى أعيادنا دائما بهدة الصورة المخزية؟! وإذا كانت هذه أعيادنا فكيف بغيرها؟!

    يا أمة الإسلام إننا سنسأل يوم القيامة عن إسلامنا، وعما قدمناه لإخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، في غزة وفي غيرها ...فماذا سنقول لربنا عز وجل؟

      يقول الحسن البصري رضي الله عنه:" لكأني أرى الإسلام يوم القيامة يمر على المسلمين، يقول يارب هذا نصرني، يا رب هذا خذلني، حتى يصل إلى عمر فيأخذ بيد عمر، و يرفعها و يقول: يارب كنت غريبا حتى أسلم هذا الرجل".

      يا أمة الإسلام إن الرسالة واضحة وجلية في هاتين الآيتين فلنستوعب الدرس والعبرة معا، قال الله تعالى:

-     الآية الأولى

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [ المائدة : 54].

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فوصف المحبوبين المحبين بأنهم أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، وأنهم يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، فإن المحبة مستلزمة للجهاد؛ لأن المحبَّ يحبُّ ما يحب محبوبه، ويُبغض ما يبغض محبوبه، ويوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما ينهى عنه، فهو موافق له في ذلك، وهؤلاء هم الذين يرضى الرب لرضاهم، ويغضب لغضبهم؛ إذ هم يرضَون لرضاه، ويغضبون لِما يغضب له".[2]

-     الآية الثانية

 ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ[ الصف : 10-13]

     قال السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره: "هذه وصية ودلالة وإرشاد من أرحم الراحمين لعباده المؤمنين، لأعظم تجارة، وأجل مطلوب، وأعلى مرغوب، يحصل بها النجاة من العذاب الأليم، والفوز بالنعيم المقيم."[3]

     ومن أجل هذا كان خالد بن الوليد رضي الله عنه يقول: " ما ليلة تهدى إلى بيتي فيها عروس، أنا لها محب وأبشر فيها بغلام بأحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بها العدو ".[4]

       هكذا يجب أن نفهم العيد يا أمة الإسلام ، إنه العيد الذي يذكرك بتاريخك،  وبعزتك ، وبحقيقتك التي يجب ألا تموت، والتي نراها في هذه الحادثة ، فقد روى ابن هشام في سيرته: " أن امرأة من العرب قدمت بجَلَبٍ لها(ما يُجْلب للسوق لبيعه)، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فَعَمَد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ـ وهي غافلة ـ فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ـ وكان يهودياً ـ، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع "[5]

      وحينئذ ظهر بجلاء غدرهم وخيانتهم كعادتهم، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وسار بجيش من المهاجرين والأنصار، وحاصرهم حتى نزلوا على حكمه ، وأمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرحلوا عن المدينة، وبعدها خرج يهود بني قينقاع من المدينة صاغرين، وقد ألقوا سلاحهم، وتركوا أموالهم غنيمة للمسلمين.

       وهكذا نرى كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم حرك الجيش كله من أجل كرامة امرأة مسلمة، وهذا الذي يجب أن نجسده على أرض الواقع اليوم، لنعيش العيد بأسمى معنى ، وأجمل صورة يا أمة الإسلام.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* البروفيسور محمد دمان ذبيح؛ جامعة محمد العربي بن مهيدي أم البواقي - الجزائر-. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

 



[1] - أخرجه أبو داود برقم 3462.

[2]  ابن تيمية ، الفتاوى ، ج10، ص : 58.

[3] - السعدي ، تفسير السعدي ، ج 08، ص: 1824.

[4] - الهيثمي ، مجمع الزاوئد ومنبع الفوائد، ج09، ص : 350.

[5]   للمزيد انظر ، ابن هشام ، السيرة النبوية لابن هشام ، ج 02، ص : 47.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
تقييم لموقف الحركة الإسلامية إزاء تدمير غزة
السابق
اعتقال رئيس مسجد تاريخي في الهند يثير غضبًا واسعًا

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع