آخر الأخبار

نبيل ، في زمن “الأنا”

شارك المقال على :

نبيل ، في زمن "الأنا"

د. ونيس المبروك (عضو مجلس الأمناء – ورئيس لجنة الأقليات)

 

هناك " طبيعة " إنسانية، لا يملك أحدٌ منّا طمسَها؛ لأنّها أمرٌ مركوز في أصلِ الخِلقة.

هذه الطبيعة هي السعي لإثبات " الأنا "!.

عادة ما تتجلّى هذه "الأنا" في التعريف بأفكارنا ، وآرائنا ، والحرص على ما ينفعنا ويسعدنا ، والسعي لإثبات خصوصيتنا ،والمطالبة باحترامنا ،و تقدير كل ما يتعلق بكياننا …

 لا يوجد كائن بشري متجرد من " الأنا " من كل وجه ! بل إن أنانيتنا ، هي التعبير الحقيقي عن وجودنا ،وكينونتنا .

 

والإسلام العظيم ، بسماحته وواقعيته ، لم يطالب الناس أن يطمسوا وجودهم الخاص، ولا خصوصية وجودهم  ،… أو يهملوا مصالحهم ، وما يعود عليهم باللذة والسعادة والنفع ، لأن هذه " الأنانية " هي طبيعة بشرية كما قلت ، بل يمكن -بشيء من التوجيه- أن تكون " مفتاحا " لكل أبواب الخيرات ، ويسهُل بشيء من المجاهدة ، والتسامي ؛ أن تصنع العظماء والنبلاء .

 

ما يحدث في مجتمعاتنا العربية ، هو " طغيان " الأنانية وطمسها لبذور الخيرات والمرواءت ، حتى أن الكثير منا لا يعنيهم في الكون من حولهم  إلا ما اتصل بوجودهم الخاص ،أو " الأنا " ! ولا يشعرون بآلام الآخرين ، وآمالهم !، ولا يتحمسون لرأي ، أو يناصرون فكرة ، ومشطون لمكرمة ، ويدافعون عن موقف، إلا إن كان يجلب لذواتهم كسبا ، أو يعود على عيشهم المحدود بالرخاء ، وعلى آجالهم القصيرة بالبقاء .

 

تفاقمُ هذا الأمرِ في مجتمعاتنا دون علاج  ، جعلها عبارة عن مستنقعات نتنة ،  تتربص هوامُها ببعض ،وتنحسر فيها قيم التعارف، والتراحم، والتكافل على حساب " أنا " !

 

لو قلبت البصر في مجتمعات البشر  ، سترى أن مصدر كل العلل والأمراض الاجتماعية والسياسية ،والأخلاقية …؛ هو طغيان " أنا " على غيرها من القيم .

تبا لتلكم " الأنا " ؛ فهي تحمل الزوجَ على إهمال زوجته ، وتسوغ للحاكم  ظلم رعيته ، وتسول للعالم خيانة أمانته ، وتصد الغنيَ عن الجود بماله ، وتدفع المثقفَ إلى مواراة رأيه ، وتبرر للحاذق كتمان سر صنعته ، …!!

لماذا ؟

 لأنهم يرون خدمةَ الآخرين ، والنظرَ في همومهم، وتفريج كرباتهم ؛ هو ضرب من ضروب المثالية ،وسوء التقدير ، أو تجارة بائرة لا تزيدهم إلا تخسير ، …فهي لا تلبي حاجة  " الأنا "التي يعبدونها !

 

من هنا كان الشهيد هو أعظم شخصية إنسانية بعد الأنبياء على الإطلاق ، لأنه يقدم كل " الأنا " فيعطي الحياة ، ويسمو بالأحياء  ، ولا يسحب من حطامها ورصيدها شيئا ، ولا ينتظر من الأحياء جزاء ولا شكورا …

 

تصفح تاريخ كل أبطال الأمم ، سترى أن حياتهم تدور على آخية ثابتة ، إلا وهي " التضحية " .

فهم يضحون بالأنا ، لأجل دينهم، وأمتهم، والمستضعفين من الناس ، … ليس لأنهم فاقدون " الأنا " ويكرهون الحياة ، ويضيقون ذرعا بها ، بل هم بتلك التضحية وذلك "التقدم "  يستبقون الحياة ، على ما  قال شاعرهم : تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد * لنفسي حياة مثل أن أتقدما .

 

تأخر الجبناء ، الذين يعيشون على هذه الأرض ، ويتعاملون في ميادين "القيم " بلغة السوق ، فيقولون هذا مقام أغلى من مقام بلغة الذهب والمال ، وليس مقام أشرف من مقام بلغة الحقيقة والجمال !

هؤلاء الأقزام لا يقيسون النجاح والفشل إلا بما حققوا لذواتهم من حياة ،  وتناسوا (أن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وأجلها )

 

مع طول الأمد تقسى قلوبهم ،   ويصبح  "استبقاء الحياة" نهجا قارا ، وفلسفة رائجة في سوق النذالة ، تعمل " الأنا " على غرسها في حنايا القلب ، ويتكفل العقل بحشد الدلائل لها ، وتجميل وجهها القبيح  .

 

لم تكن بعثة الرسل والأنبياء لأجل نزع " الأنا ، "كلا  !

إنما كانت بعثتهم ، لتوجيهها وتصريفها في أبواب البر ، وجعلها سلما يسمو بها الفرد في معارج الكمال  .

بعض شبابنا وكهولنا اليوم، يسلكون مسلك يهود ، وهم لا يشعرون ! أولئك الذين قال عنهم الله تبارك وتعالى " ولتجدنهم أحرص الناس على حياة "

هكذا؛ "حياة " … نكرة ! ، بمعنى : أي لون من الحياة !

 المهم أن نحي ونأكل ملء بطوننا ، ونشرب سِعةَ أضلعنا ، وننام ملء أجفاننا !

أقول لكل قزم  يستكثر علينا ضريبة المكارم ،

 : دع المكارم لا ترحل لبغيتها * وأقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي .

ونقول للمشفقين الذين سيقولون لنا غدا (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ )

نقول لهم (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ )

 

إن من لطف الكريم ورحمته -سبحانه- أنه لم يجعل الجبن منافيا لشرط الإسلام ؛ ( أيكون المسلم جبانا يا رسول الله ، قال : نعم )

ولكن تبرير الجبن ، ودعوة الناس له ، وتشجيعهم على الزحف على بطونهم بين حفره ،وسراديبه، ودهاليزه، وفنادقه ،وأنفاقه ،… هو الذي  ينافي خصال البر ، ويقوض مخايل الرجولة والمروءة معا .

سنمضي على طريق هذه الدعوة التي يتصل أحد أطرافها بصدر النبوة الأول؛ لا نقيل ولا نستقيل ، ولا نندم على فضل الله ورحمته، وإن أصابتنا اللأواء، وسخر منا الدهماء .

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ (مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ

لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد تنظم ندوة دولية بعنوان «هجرة النبي ﷺ: بناء وتجديد»

تنظم لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ندوة

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

100%