رحلة إلى الله مع الحكم العطائية
د جاسر عودة
لا مسافة بينك وبينه حتى تطويها رحلتك، ولا قطيعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أسعد الخلق وخاتم الرسل محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ثم أما بعد،
بداية نسأل الله عز وجل ونرجوه برحمته وفضله ومنّه وكرمه المحض، أن يفتح علينا من رحمته وفضله وكرمه، ليس لشيء مما نفعل، ولا بشيء مما نعلم. فإنه يعلم ولا نعلم، وهو علام الغيوب سبحانه وتعالى، وهو يقدر ولا نقدر، وهو على كل شئ قدير.
هو الذي ييسر الخير حيثما كان وأينما كان، نفوض الأمر إليه، ونسلم الأمر له، ونرجوه عز وجل أن يعصمنا من الحيرة والجهل، وأن يستر عيوبنا، ويلم شتاتنا، ويوفقنا لما يحب ويرضى من القول والعمل، وأن تكون رحلتنا هذه التي نشرع فيها هي رحلة تغيير حقيقي في أنفسنا.
والحق أنه من الصعب جدًا أن تتغير النفس، أو تتريض في الخير، أو ترتقي في منازل الحق، إلا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى، وبرحمته. {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}.
وإنه من سنن الله تعالى التي لا تتخلف أنه كلما شكرناه زادنا، وكلما استغفرناه رزقنا، وكلما اضطررنا في دعائنا أجابنا، وكلما زاد رجاؤنا فيه أعطانا، ليس عطاء وزيادة ورزقاً دنيوياً فحسب وإنما كل أنواع الرزق، مادي وروحي، دنيوي وأخروي. والقضية في النهاية قضية توكل ودعاء وإنابة وعودة إليه سبحانه وتعالى.
وكما يظهر من عنوان هذا الكتاب، هذه رحلة نتدارس فيها بعضاً من قواعد السلوك والأخلاق، هي رحلة مع الله وإلى الله، رغم أنه قريب، سبحانه وتعالى، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}، أو بتعبير حكمة من الحكم التي نتدارسها في هذا الكتاب: (لا مسافة بينك وبينه حتى تطويها رحلتك، ولا قطيعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك). فالله قريب، ولكنّ البعد منّا نحن ونحتاج أن نتدارس كيف نتغلب على هذا البعد.
أما السلوك والخلق المقصود هنا فهو ليس مع الناس –رغم أهميته- وإنما السلوك هنا يعني السلوك مع الله سبحانه وتعالى، بل والسلوك إلى الله سبحانه وتعالى، والأخلاق هنا تعني الأخلاق مع الله عز وجل، أي تخلق العبد بما يليق بكونه عبداً لله تعالى، أي بما يليق بصفات الله وأسمائه الحسنى. وهو جانب على قدر عال من الأهمية في الإسلام، وفي شريعة الإسلام، ننساه كثيرًا ولا نوفيه حقه، ونحتاج إلى أن نذكر أنفسنا به.
والحديث هنا ليس عن شعائر الإسلام ولا شرائع الإسلام، وإنما عن الكيفية التى نقوم بها بهذه الشعائر والشرائع، والآداب المطلوبة لذلك. أي: كيف نتعامل مع الله عز وجل بأدب؟ وكيف نتوب بصدق؟ وكيف نتوكل بحق؟ وكيف نفوض الأمور إليه بإخلاص؟ وكيف نخشع؟ وكيف نذكر؟ وكيف نتفكر؟ وكيف نرضى؟ وكيف نتواضع؟ وكيف يمكن للعبد الفقير الضعيف المذنب من أمثالي أن يقترب من الرحمن سبحانه وتعالى؟ وأن يتزكى؟ {قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها}.
هذه التزكية، وهذا العلم –علم التزكية- هو من علوم الإسلام الأصيلة، قد يطلق عليه بعض الناس: علم التصوف، أو يطلق عليه البعض مصطلحات أخرى، مثل علم الخشوع، أو علم السلوك، أو علم الربانية، أو علم القلوب، أو علوم الباطن. والمصطلحات لا تهم، وإنما المهم ما وراء المصطلحات من معاني.
ولكن، لماذا نحتاج إلى علم مستقل للتزكية؟ أو ما هو معروف بعلم التصوف؟
والجواب أن العلم -أي علم- يتطور بحسب حاجة الناس إليه، حتى العلوم الشرعية. فحين بدأ الإسلام لم يكن هناك في العلوم ما يسمى بعلم التفسير، ولا علم الفقه بالمعنى المعروف، ولا علم الحديث، ولا علم الرجال، ولا علم الأصول، ولا علم الدعوة، ولا علم الكلام. وإنما الذي حدث أن الناس قد احتاجوا إلى إبتداع وتقسيم وتصنيف هذه العلوم لكي يتعلموا أولاً ويعلموا ثانياً.
ولكي تتعلم التفسير، تذهب لعلماء التفسير، وهو علم له بداية وله نهاية وله كتب معروفة وله أعلام. ولكى تتعلم الفقه، تذهب لعلماء الفقه، والفقه أيضاً علم له تاريخ وله كتب ومذاهب معروفة وأعلام معروفون. وهكذا سائر العلوم، دينية كانت أو دنيوية، اجتماعية كانت أو إنسانية، نظرية كانت أو عملية.
ثم إن العلم يتدرج بمستوى الطالب من مستوى المبتدئ في السنة الأولى إلى مستوى أعلى وأعلى، حتى يصل إلى مستوى البحث والتأليف والإبداع والتخصص في هذا العلم أو ذاك.
وعلم السلوك، أو علم التصوف، أو علم التزكية، سَمِّه ما شئت، هو علم من علوم الإسلام، لم يكن معروفًا بهذا الاسم في بداية الإسلام، كغيره من العلوم، ثم تطوَّر هذا العلم كما تطورت العلوم الإسلامية. نعم، انحرف به أناس كما انحرف أناس بالفقه، وانحرف أناس بعلم الكلام، وأناس بالتفسير، وانحرف بعض الأصوليين بأفكار، ولكل علم منتسبون إليه يسيئون استغلاله بشكل أو بآخر، لكن الانحراف بالعلم لا ينفى العلم نفسه ولا ضرورته للتعليم وللتعلم، كما أسلفت.
وهذا العلم يهدف إلى تزكية النفس حتى ترتقي في مراتب المعرفة بالله ومنازل العبادة لله. ولكن، ممن نأخذ هذا العلم؟ نأخذه ممن جمع بين علوم الظاهر والباطن –كما يقول أهل التصوف-، أى بين العلوم الشرعية كلها، لأن هذا العلم أيضًا هو من علوم الشريعة وينبغي أن يفهم في إطارها ولا يتناقض معها.
ونجد كثيراً من طلبة العلم بل ومن أهل العلم – نجد من يساوي الشريعة بالفقه، والشريعة لا تساوي الفقه، لأن الفقه جزء من الشريعة، والشريعة مجالها أوسع. الشريعة تشمل السلوك مع الله، وهو عنصر هام، وتشمل أيضا العلوم الأخرى التى تتعلق بدين الله ووحيه المنزل بشكل أو بآخر.
ولا ينبغي أن يصدنا عن هذا العلم انحراف بعض الناس به، أو غفلة بعض الناس من المنتسبين له عن قضايا العصر، أو عن قضايا الإسلام، أو قعودهم عن العمل، أو تبنيهم لفهم خاطئ مثلًا للتوكل حتى يصبح تواكلاً، أو فهم خاطئ للرجاء في الله سبحانه وتعالى حتى يصبح أمناً، أو فهم خاطئ للخوف من الله سبحانه وتعالى حتى يصبح قنوطاً، أو غير ذلك من الأفهام التي تنحرف وتتطرف ولا تعدل ولا تزن بالقسطاس المستقيم – لا ينبغي أن يصدنا ذلك، وإنما ينبغي أن نأخذ هذا العلم بميزان من العدل والقسطاس والتوسط.
وسوف نتدارس فيها إن شاء الله بعض القواعد والآداب في السلوك مع الله، نأخذها من أحد أعلام الإسلام، الذي جمع فعلاً بين علوم الظاهر والباطن، وهو العارف بالله الشيخ الإمام أحمد بن عطاء الله السكندري رحمه الله ورضى عنه، والذي كتب في هذا العلم في صيغة (حِكَم)، كل حكمة عبارة عن جملة بليغة تعالج موضوعاً دقيقاً، وترشد المسلم إلى خطوة في طريق الله عز وجل. وهذه الحكم هي في الحقيقة رحلة إيمانية بمعنى الكلمة، انتقيت منها ثلاثين مقطعاً أقدمها في صورة (محطات) أو معالم في طريق هذه الرحلة.
وتبدأ الرحلة بالسلوك إلى الله من خلال التوبة والرجاء والإخلاص والتوكل والتفكر وتخليص النفس من عيوبها، وتنتهي بنا إلى مقامات الخشوع والرضى والإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
والإمام ابن عطاء الله، دليلنا في هذه الرحلة، اسمه على مسمى! فقد أعطاه الله من العلم والحكمة القدر الكبير. {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}. فهو فقيه، ومحدِّث، ونحوى، وله باع في علوم شرعية ولغوية مختلفة، ليس فقط في علم التصوف. ذلك لأنه لابد أن ينضبط هذا العلم –علم السلوك- بالفقه والحديث وغيرهما من علوم الشريعة، ولا ينحرف عنهما. فلا ينبغي لأهل السلوك أن يُحِلُّوا حرامًا ولا أن يُحَرِّموا حلالاً، وهذا العالم فقيه بالحلال والحرام، معروف بإمامته في الفقه المالكي، وشهد له مشايخه وتلاميذه ومعاصروه بالقدرة على الإفتاء والدعوة في (المذهبين)، أي مذهب أهل السلوك ومذهب أهل الفقه، وله مؤلفات كثيرة معروفة، وناظر شيخ الإسلام ابن تيمية –وكان من معاصريه- في بعض المسائل. وقد عاش ابن عطاء الله في القرن السابع الهجري في الإسكندرية المصرية، ومات في بدايات القرن الثامن الهجري (709 هـ)، رحمه الله ورضي عنه.
أما المنهج الذي اتبعته في الشرح فيبدأ بإثارة بعض الأسئلة حول معنى الحكمة والإجابة عليها عن طريق شرح للحكمة بلغة سهلة في سياق المرحلة أو (المحطة) في الرحلة. ثم التأصيل والتدليل على كل معنى جديد من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فأحياناً ما يبدو كلام أهل السلوك غريباً، مثل (الوصية بالعزلة)، أو (عدم الاعتماد على العمل)، أو (عدم الرضا عن النفس)، أو (البركة). ولكننا حين نعود إلى الأصول، مثل: (اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان وغير رمضان)، أو حديث (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله)، أو آية {لا أقسم بالنفس اللوامة}، أو ذكر (البركة) في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم – تثبت الحجة ويتضح المعنى ويزول الإشكال.
هذا وقد حاولت كذلك أن أربط هذه الحكم البليغة المعاني بأصول أخرى عقلية ونقلية اصطلح على تسميتها بـ (السنن الإلهية)، وهي تلك القواعد النافذة المطردة التي جعلها الله قوانين تنتظم بها حركة الكون، كوحدة الأصل، والتنوع، والتوازن، والزوجية، وما يتولد عنها من سنن أخرى تقوم عليها حياة الإنسان كفرد ومجتمع، كالعدل، والابتلاء، والتدافع، والتداول، والجزاء، وما إلى ذلك مما يرد مشروحاً في بعض ثنايا الكتاب – لعل في ذلك مزيد حكمة وجميل معنى.
وأصل هذه المقالات دروس تراويح رمضانية ألقيتها في رمضان من عام 1429هـ في مسجد حراء بالمقطم بالقاهرة، وهو مسجد جميل كان قد بناه الشيخ الدكتور عبد الله شحاته، رحمه الله؛ ثلاثين درساً قُسمت على ليالي الشهر المبارك. وهو ما يفسر أيضاً الأسلوب الإلقائي الذي سوف يلمسه القارئ الكريم، والذي اخترت أن أبقي عليه بعد بعض التهذيب والتعديل.
نسأل الله عز وجل أن يروضنا بهذه الرياضة الروحية وهذه الحكم الربانية حتى ننيب، ونتوجه إليه سبحانه بشكل أصدق وأعمق، ولا يبعد هذا عن كرمه مهما قصرنا، ولا عن رحمته مهما بدر منا من مساوئ، ولا عن فضله مهما صدر منا من تقصير، والله المستعان وعليه التكلان، وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين