#أمير_المسلمين: يوسف بن تاشفين
بقلم: رشيد بوطربوش
يوسف بن تاشفين بن إبراهيم المصالي الصنهاجي اللمتوني الحميري، أبو يعقوب أمير المسلمين وملك الملثمين. ولد سنة 410هـ. لازم عبد الله بن ياسين صاحب الدعوة المرابطية برباطه الذي كان فرعا من مدرسة وجاج بن زلو المصلح الكبير، وأقام معه أكثر من عشرين سنة قبل ولايته على المغرب. وقد كانت سلطة المرابطين السياسية ابتداء ليحيى بن إبراهيم الكدالي تحت السلطة الروحية لعبد الله بن ياسين الجزولي.
ولما توفي يحيى جعل الفقيه الجزولي السلطة ليحيى بن عمر اللمتوني لتولي أمور الحرب والسياسية. وعند وفاة هذا الأخير سنة 447 هـ، عين ابن ياسين مكانه أخاه أبا بكر بن عمر. وكان أول ظهور ليوسف -المترجم له- يوم عزم المرابطون على فتح بلاد سوس، حيث عين الأمير أبو بكر ابن عمه يوسف بن تاشفين ليكون على رأس الجيش الفاتح كما ذكر ابن أبي زرع. فاستخلص تارودانت وضمها لحكم المرابطين وأجلى المغراويين عن أغمات وطرد بني يفرن من تادلا، وسار إلى الشاوية (بلاد تامسنا) وقاتل بها البورغواطيين قتالا مريرا سقط فيه زعيم المرابطين عبد الله بن ياسين قتيلا سنة 451هـ، فاجتمعت بذلك الزعامة الروحية والسياسية لأبي بكر بن محمد. وبعد الانتهاء من حربهم عاد الزعيمان المرابطيان إلى أغمات، واستراحا قليلا قبل الخروج لتصفية جيوب بقيت من الحروب الأولى مدة ثلاثة أشهر بلغ الخبر خلالها لأبي بكر بن محمد أن القبائل المرابطية اختلفت بالصحراء، ودب الصراع بين لمتونة ومسوقة. فعزم أبو بكر على السير إليهم لإصلاح ذات البين، وعهد بأمور المغرب إلى وزيره وابن عمه يوسف بن تاشفين سنة 453 هـ، وقسم الجيش المرابطي بينهما. فتابع يوسف إخضاع المغرب حتى استقام له الأمر وصفا واختط مدينة مراكش لتكون قاعدة لملكه سنة 462 هـ 1 وكان المسجد أول ما صمم في العاصمة الجديدة وعمل فيه الأمير المرابطي بيده وخاض في الطين والماء وحمل مع البنائين تواضعا لربه عز وجل. واختير المكان لسعته وخصوبة التربة ولأجل التحكم في قبائل المصامدة أكبر قبائل المغرب وأقواها.
ولما ظهر أمر يوسف واتسع ملكه وذاع صيته وتسامع به أهل المغرب والمشرق، أقبل ابن عمه أبو بكر من الصحراء ليتسلم الأمر من يده “فشاور يوسف زوجته زينب [بنت إسحاق الهواري طليقة أبي بكر] في ذلك فقالت له: إن ابن عمك رجل متورع، فإذا لقيته فقصر عما كان يعهده منك من الأدب والتواضع وأظهر له أنك مساو له ومماثل، ولاطفه مع ذلك بالأموال والهدايا، فإنه يسلم لك. فلما قرب الأمير أبو بكر من عمل يوسف خرج هذا إليه فتلقاه في الطريق وسلم عليه وهو راكب، ولم ينزل له، فنظر الأمير كثرة جيوشه فقال له: يا يوسف ما تفعل بهذه الجيوش كلها؟ قال: أستعين بها على من خالفني. ثم نظر إلى عدد كبير من الإبل موقورة قد أقبلت. فقال: ما هذه الإبل؟ قال: أيها الأمير، جئتك بكل ما معي من مال وثياب وطعام لتستعين به على عيش الصحراء. فعلم أبو بكر أن يوسف قد استبد بالأمر دونه، وأنه لن يتخلى له عن ولايته، فرضي بما قدم له، واستوصاه خيرا بالرعية وانصرف إلى الصحراء من جديد، فأقام بها على جهاد السودان إلى أن استشهد سنة 480هـ بعد أن استولى على نحو تسعين مرحلة من بلادهم”. 2
1- أمير المسلمين وتوحيد المغرب:
استغرق يوسف بن تاشفين زهاء عشرين سنة يناضل من أجل توحيد المغرب وإخضاع أطرافه منذ خرج من مراكش سنة 454هـ إلى سنة 474هـ. فبعد أن ودع ابن عمه في سجلماسة، انتقل إلى ملوية فعد جنوده فوجدهم أربعين ألفا، فاختار منهم أربعة قواد عقد لكل واحد منهم على خمسة آلاف، وقدمهم بين يديه لقتال مغراوة وبني يفرن وغيرهم ممن ثار عليه من قبائل البربر وسار هو في إثرهم. ففتح له وذاع صيته وكثرت جموعه “واتخذ الطبول والبنود وبعث العمال والعهود وبلغ جيشه أزيد من مائة ألف” كما يقول صاحب القرطاس. ودخل فاس واستخلصها من يد مغراوة وبني يفرن مرتين بعد انقلاب أهلها المرة الأولى. وأرسل إلى سكوت البرغواطي جيشا لتحرير طنجة وسبتة، فتم له الأمر في الأولى وبقيت الثانية في يد البرغواطيين. ثم توجه شرقا إلى وجدة وتلمسان ووهران وشلف إلى مدينة الجزائر. وضرب يوسف السكة باسمه وتسمى بأمير المسلمين بعد أن أراد شيوخ صنهاجة تسميته بأمير المؤمنين فأبى وقال: إنما تسمى بهذا الاسم الخلفاء، فقالوا: لا بد من اسم تمتاز به، وكان يدعى بالأمير، فقال لهم: يكون أمير المسلمين، فاتفقوا على ذلك وكتبوا به إلى الأقاليم. وقيل إنه تسمى بذلك بعد وقعة الزلاقة، بعد النصر واجتماع ملوك الطوائف لديه يهنئونه ويخاطبونه بأمير المسلمين. وعلى كل حال فإن يوسف بن تاشفين أول من تسمى بهذا الاسم من ملوك الإسلام 3 والراجح أن تسميته بهذا الاسم تمت سنة 466 هـ وصدر مرسوم بذلك، هذا نصه: “أما بعد حمد الله، أهل الحمد والشكر، ميسر اليسر، وواهب النصر، والصلاة على محمد المبعوث بنور الفرقان والذكر، وإنا كتبنا إليكم من حضرتنا بمراكش حرسها الله في نصف محرم سنة ستة وستين وأربعمائة. وأنه لما من الله علينا بالفتح الجسيم، وأسبغ علينا من أنعمه الظاهرة والباطنة، وهدانا وهداكم إلى شريعة نبينا محمد المصطفى الكريم صلى الله عليه أفضل السلام وأتم التسليم. رأينا أن نخصص أنفسنا بهذا الاسم لنمتاز به على سائر أمراء القبائل، وهو أمير المسلمين وناصر الدين، فمن خطب الخطبة العلية السامية، فليخطبها بهذا الاسم إن شاء الله تعالى، والله ولي العدل بمنه وكرمه والسلام.”
وسأواصل في الحلقات القادمة:
2.ابن تاشقين والأندلس.
3.المرابطون والخلافة العباسية.
4.صفات ابن تاشقين وأخلاقه.
5وفاته.
مراجع هذا المقال
1] الحلل الموشية ص 6. وابن عذارى في البيان المغرب.
[2] ذكريات مشاهير المغرب، ص 9 العدد 38.
[3] روض القرطاس ص 88.
[4] الحلل الموشية، ص 16-17.
-150x150.jpg)