هناك موضوعان يمثلان في نظري أهمية خاصة في التجديد الفكري والفقهي الإسلامي المعاصر، نظراً للموروث التاريخي الإسلامي المعقد فيهما، ونظراً لاستقرار أعراف خاطئة عند كثير من المسلمين تتنافى مع أصول الإسلام ومقاصد الشريعة، ونظراً لأهميتهما في النهضة الإسلامية المنشودة، ألا وهما: موضوع المرأة في الإسلام، وموضوع علاقة الإسلام بالسياسة.
ولا يخفى على عاقل الإشكاليات الجمة التي يعاني منها المسلمون في بلاد الإسلام نظراً للألغام الفقهية والفكرية والنفسية الكثيرة في هذين الطريقين، والتي تحول بين المسلمين والنهضة المنشودة دينياً وسياسياً واجتماعياً وحضارياً.
وتزداد أهمية هذين الموضوعين في بلاد الأقليات الإسلامية، حيث تحتل دعوة الناس إلى الله وإلى الإسلام أهمية خاصة، وحيث تكثر الشبهات التي يتهم بها الإسلام في هذين الموضوعين، وحيث تترتب نتائج جد خطيرة على سوء الفهم وسوء التطبيق من بعض المسلمين فيهما.
ولذلك فقد أسعدني وأثلج صدري أن يكون الموضوع الذي ركز عليه المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث لعام 1435هـ – 2014م هو موضوع أحكام المرأة، وهو المجلس الذي أشرف بعضويته وأسعدني للغاية أن أقدم له بحثاً علمياً تحت عنوان: المرأة في المسجد .. دورها ومكانها وأحكامها، مع اعتبار خاص لبلاد الأقليات المسلمة، وبنى عليه المجلس قرارات وتوصيات وفتاوى لها علاقة بالموضوعات المطروحة في تلك الدورة. ذلك البحث هو أصل هذا الكتاب.
والمرأة في أي مجتمع هي على الأقل نصف المجتمع عدداً وأهمية وأثراً، إذ هي بالإضافة إلى كيانها ودورها في المجتمع فهي الزوجة والأم والبنت والأخت، وقبل كل ذلك فالمرأة المسلمة -خاصة تلك الملتزمة بالهيئة الإسلامية- هي سفير للإسلام وممثل له بهيئتها التي تعلن لكل من يراها عن دينها والتزامها به حتى قبل أن تتكلم مع الناس أو تتعامل معهم.
والمساجد في كل بلاد الله لها ما لها من أهمية، فهي البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ووجودها يمثل شعيرة أساسية من شعائر الإسلام، وسمة رئيسة من سمات "دار الإسلام" التي تميزها وتعطي لها معنى ووجوداً. وأما في بلاد الأقليات المسلمة، فالمساجد لها أهمية أكبر من المساجد في بلاد الأكثريات، إذ هي محور علاقة المسلم في هذه البلاد بالإسلام، والمكان الوحيد غالباً الذي يعيش فيه المسلم ضمن مجتمع إسلامي خالص، والملاذ الذي يلجأ إليه المسلم للعودة لدينه وعبادة ربه وتحصيل العلم الشرعي وحل المشاكل الاجتماعية وعقد الزواج والاحتفال بالعيد وصلاة الجنازة والتواصل مع بني دينه ولغته إن كان ناطقاً بلغة غير لغة الأكثرية.
ولكن المرأة المسلمة همّشت في هذا العالم المعاصر حين همّشت في الإسلام، وهمّشت في الإسلام حين همّشت في المسجد، بدءاً من النسبة الكبيرة جداً من نساء المسلمين اللاتي لا يدخلن المساجد أبداً وبعضهن لا يصلين أصلاً، إلى النسبة القليلة الباقية اللاتي ليس لهن دور يذكر في نشاط المسجد المعتاد، سواء العلمي منه أو الخيري أو الدعوي أو الاجتماعي، والمحزن أن هذا الانحراف الخطير يحدث باسم الإسلام نفسه وخصوصية وضع المرأة فيه، والإسلام من هذا بريء، كما سنرى في هذا الكتاب.
هذا الكتاب يتغيا الإجابة على عشرة أسئلة تتعلق بأحكام المرأة في المسجد، بدءاً من هل يجوز منعها من المسجد أصلاً، إلى مكان تواجدها فيه، إلى أسئلة شائعة تستفسر حول أحكام تفصيلية أخرى تتعلق بمشاركتها في نشاطه العبادي والعلمي والاجتماعي والمؤسسي. ومنهجية البحث هي الاستدلال بنصوص الكتاب الكريم وما صح من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في ما ورد متعلقاً بالموضوع، آخذين في الاعتبار مذاهب أهل العلم وفهمهم لتلك النصوص. فإن كانت النصوص الشرعية ساكتة عن المسألة فإننا نحكم بالآراء التي تحقق الأهداف العليا والمقاصد الكبرى في الإسلام وتراعي مصالح الأقلية المسلمة.
ولكنني سوف أبدأ قبل الإجابة على أسئلة الكتاب بمقدمة منهجية أناقش فيها منهج استنباط الحكم الشرعي في ضوء الاختلاف الفقهي المعروف الذي يقف أمامه الباحثون في كل مسألة فقهية فرعية، وأوجز المنهج الذي ارتأيته أصوب وأرشد للاختيار بين الآراء الفقهية المختلفة في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية، مما سيطبق في ثنايا الكتاب.
ويقيني أن أحوال الأمة الإسلامية لن تنصلح حتى تنصلح المساجد وتؤدي دورها المنشود كمرجعيات ومدارس ومنارات، ولن تنصلح المساجد وتؤدي دورها المنشود كمرجعيات ومدارس ومنارات حتى تعود إليها المرأة المسلمة، فتعمرها كما عمرتها على عهد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وتنطلق منها لتبني النهضة الإسلامية المنشودة وتعد شعباً طيب الأعراق.
والله المعبود المستعان، وعليه التوكل وقصد السبيل، وبه الصبر والتوفيق، وإليه التوبة والمصير، ومنه الفضل والمنه، وله الملك والحمد، وهو خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل.
-150x150.jpg)