• ( 3 )الإعداد الفكري والثقافي:
ومن الإعداد المطلوب من الأمة للجهاد: الإعداد الفكري والثقافي.
ورأيي: أن أول ما يجب من ألوان إعداد الأمة للجهاد، هو: هذا الإعداد الثقافي والفكري، بمعنى إعداد عقول أبناء الأمة للجهاد، فلا تكون فكرة الجهاد غائبة عن وعي الأمة، بل يجب أن تكون هذه الفكرة حية وحاضرة لدى خاصة الأمة وعامتها، في المدن والقرى والحضر والبادية.
• استحضار النصوص من الآيات والأحاديث :
وأقرب طريق إلى ذلك، هو استحضار آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحاح، التي تأمر بالجهاد في سبيل الله، وترغِّب فيه، وتبيِّن فضله، وتحذِّر من إضاعته، أو التهاون في شأنه.
وبعبارة أخرى: يجب أن يدرَّس (باب الجهاد) باعتباره أمرا أساسيا في الثقافة الإسلامية، والشريعة الإسلامية، فتدرَّس نصوص من آيات الجهاد في أبواب تفسير القرآن، وتدرَّس نصوص من الأحاديث في شروح الحديث النبوي، وقد رأينا في كلِّ كتب السنة المصنَّفة على الأبواب والموضوعات: كتاب الجهاد.
• استحضار السيرة والفتوح ووقائع التاريخ :
ويدرَّس من الناحية الواقعية في السيرة النبوية وغزوات الرسول، وفتوح الصحابة، والخلفاء الراشدين ومَن بعدهم، مع بيان أسباب هذه المعارك والفتوح ونتائجها.
وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرسون في نفوس أبنائهم منذ نعومه أظفارهم الشجاعة وحب البطولة، والطموح إلى الجهاد والاستشهاد، بقصِّ أحداث السيرة والغزوات عليهم، لتتعلَّق قلوبهم بها، ولمحاكاة أبطالها، كما روي عن بعضهم أنه قال: كنا نروِّي أبناءنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما نحفِّظهم السورة من القرآن [1[
• إشاعة فقه الجهاد الحقيقي في الأمة :
ويدرَّس الجهاد وأهم أحكامه في أبواب الفقه الإسلامي، وبيان عَلاقة المسلمين بغيرهم من الدول والشعوب، وبيان أنواع الجهاد بالنفس وبالمال، ومراتب الجهاد من جهاد النفس إلى جهاد الظلم والفساد والمنكرات في المجتمع، باليد ثم باللسان ثم بالقلب حسب الاستطاعة، ثم جهاد الكفار والمنافقين باليد واللسان.
ولا بد من بيان أن المسلمين سلم لمَن سالمهم، حرب على مَن حاربهم، وأنهم لا يقاتلون إلا مَن قاتلهم، أو اعتدى عليهم، أو حاول أن يفتنهم في دينهم، أو عاهدهم ونقض عهودهم، أو تجبَّر على المستضعفين في الأرض، أما مَن ألقى السلم إلى المسلمين، وكفَّ يده عنهم، فما جعل الله لهم عليه سبيلا.
وإذا فرض على المسلمين القتال – وهو كره لهم – خاضوه خوض الأبطال، طلبا لإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.
• بيان غايات الجهاد وأهدافه :
ولا بد من توضيح غايات الجهاد في الإسلام، فليس المقصود منه: إكراه الناس على الدخول في الإسلام، فإن الإسلام لا يعترف بصحة الإيمان إلا إذا كان عن اختيار حرٍّ، واقتناع محض، {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256]، {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس:99[
وليس الغرض من الجهاد امتصاص خيرات الشعوب الأخرى، واغتنام أموالهم، أو فتح أسواق جديدة للمسلمين، أو أي كسب دنيوي من وراء الجهاد، فإن دخول أي شيء من ذلك في نيَّة المسلم أو الجماعة المسلمة يفسد الجهاد، ويخرجه عن كونه جهادا في سبيل الله، وقد سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليُرى مكانه – أي للذكر والشهرة والسمعة – والرجل يقاتل حَمِيَّة – أي عصبية لقومه – فأيُّهم في سبيل الله؟ فقال: "مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". متفق عليه وقد تقدَّم.
لهذا كانت حروب المسلمين وفتوحهم في عهد الرسول وصحابته مخالفة لما عهده الناس من حروب الأباطرة والأكاسرة والقياصرة قديما، وما عرَفه الناس من حروب الاستعمار حديثا، في الأهداف وفي الوسائل.
فالهدف: أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الله هي: الحقُّ والخير والعدل، والوسيلة يجب أن تتقيَّد بالأخلاق والفضيلة، فلا يقرُّ الإسلام مبدأ: الغاية تبرِّر الوسيلة؛ بل يصرُّ على الغاية الشريفة والوسيلة النظيفة معا، فـ"إن الله طيِّب لا يقبل إلا طيِّبا" [2]، ولا يرضى هذا الدين الوصول إلى الحقِّ بطريق الباطل، ولا يحقِّق الخير بوسائل الشرِّ أبدا.
فالجهاد في الإسلام للدفاع عن الحقِّ والخير، ومقاومة الظلم والعدوان، سواء كان عدوانا على الدين أم على الأنفس، أم على الأرض والحُرُمات، وهذا الجهاد مستمر إلى يوم القيامة. كما ينبغي التنبيه على أن الجهاد في الإسلام ليس هو الجهاد العسكري فحسب ، بل هناك الجهاد النفسي والجهاد الفكري والجهاد الدعوي والجهاد المدني ، بلغ بها الإمام ابن القيم ثلاث عشرة مرتبة ، وبعض الأحاديث فضلت جهاد الداخل على جهاد الخارج في الفضل والأجر ، كما في حديث : " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " [3[
• بعض الآيات في فضل الجهاد:
ومن المهم هنا: أن يستقر في عقل المسلم وضميره: فضل الجهاد ومنزلته عند الله، من خلال القرآن العظيم، وأحاديث الرسول الكريم.
اقرأ هذه الآيات في فضل الجهاد:
-1 في سوره البقرة: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة:154[
2 – }وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190[
–3 "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" [البقرة: 216[
4 – وفي سورة آل عمران: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران:169،170[
5 – وفي سوره النساء: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً * وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً * الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} [النساء:74-76[
6 – وفي السورة ذاتها: {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء:104[
7 – وفي سوره المائدة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة:54[
8 – وفي سورة الأنفال : " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" [الأنفال:39[
9 – { وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) * وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [الأنفال:60،61[
10 – وقوله في سورة التوبة: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:19-24[
11 – وقوله سبحانه في نفس السورة: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:111[
12 – وفي نفس السورة: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة:120،121[.
13 – وفي سورة الحج: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78،77[.
14 – وفي سوره محمد: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد:4-8[.
15 – وفي سورة الحجرات: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات:15[.
16 – وفي سورة الصف: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف:4[
17 – وفي نفس السورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:10-13[
والآيات في فضل الجهاد كثيرة في القرآن.
• بعض الأحاديث في فضل الجهاد:
وحسبنا أن نعلم أن كتب الحديث الستة، وغيرها من الكتب المصنَّفة على الأبواب، كلُّها تشتمل علي: (كتاب الجهاد) بالإضافة إلى: (كتاب المغازي) أي غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحسبنا أن نختار من الأحاديث بعض ما انتقيناه في كتابنا (المنتقى من كتاب الترغيب والترهيب للمنذري) في باب: (الترغيب في الجهاد في سبيل الله تعالى(:
1 – عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله …" الحديث. رواه البخاري ومسلم [4[
2– وعن أبي سعيد الخُدْرِي رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: أيُّ الناس أفضل؟ قال: "مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله تعالى". قال: ثم مَن؟ قال: "ثم مؤمن في شِعب من الشِّعاب يعبد الله ويَدَع الناس من شرِّه". رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم بإسناد على شرطهما [5[
3 – وعن سَبرَة بن الفَاكِه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام، فقال: تُسلم وتَذَر دينك ودين آبائك؟ فعصاه، فأسلم، فغفر له.
فقعد له بطريق الهجرة، فقال له: تهاجر وتَذَر دارك وأرضك وسماءك؟ فعصاه فهاجر.
فقعد له بطريق الجهاد، فقال له: تجاهد وهو جهد النفس والمال فتقاتل فتُقتل فتُنكح المرأة، ويقسم المال؟ فعصاه فجاهد".
فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "فمَن فعل ذلك فمات، كان حقًّا على الله أن يُدخله الجنة، وإن غرق كان حقًّا على الله أن يُدخله الجنة، وإن وَقَصَته دابة كان حقًّا على الله أن يُدخله الجنة". رواه النسائي وابن حبان في صحيحه، والبيهقي [6[
4 – وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مرَّ رجل من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم بشِعب فيه عُيينة (أي عين صغيرة) من ماء عذبة فأعجبته، فقال لو اعتزلتُ الناس فأقمتُ في هذا الشِّعب؟! ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تفعل، فإن مُقام أحدكم في سبيل الله تعالى أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما. ألا تحبُّون أن يغفر الله لكم، ويُدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله، مَن قاتل في سبيل الله فُوَاق ناقة وجبت له الجنة". رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ، ورواه أحمد من حديث أبي أمامة أطول منه، إلا أنه قال: "ولمُقام أحدكم في الصفِّ خير من صلاته ستين سنة" [7[
5 – وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: "لا تستطيعونه". فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا، كلُّ ذلك يقول: "لا تستطيعونه".
ثم قال: "مَثَل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم، القائم، القانت بآيات الله، لا يفتُر من صلاة ولا صيام، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله". رواه البخاري، ومسلم واللفظ له .
وفي رواية البخاري: أن رجلا قال: يا رسول الله، دلَّني على عمل يعدل الجهاد. قال: "لا أجده". ثم قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتُر، وتصوم ولا تفطر؟!". قال: ومَن يستطيع ذلك؟ فقال أبو هريرة: "فإن فرس المجاهد ليستنُّ – يمرح – في طِوَله فيكتب له حسنات". ورواه النسائي نحو هذا[8[
6 – وعنه رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض". رواه البخاري [9[
7 – وعن أبي سعيد رضي الله عنه: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلي الله عليه وسلم رسولا، وجبت له الجنة".
فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعدها عليَّ يا رسول الله، فأعادها عليه، ثم قال: "وأخرى يرفع الله بها للعبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض". قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي [10[
8 – وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف" [11[
فقام رجل رثُّ الهيئة فقال: يا أبا موسى أنت سمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ قال: نعم. فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جَفن [12] سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتى قتل. رواه مسلم، والترمذي، وغيرهما [13[
9 – وعن البَرَاء رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل مُقنَّع بالحديد، فقال: يا رسول الله، أقاتل أو أسلم؟ قال: "أسلم ثم قاتل" فأسلم، ثم قاتل، فقُتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَمِل قليلا وأُجِر كثيرا". رواه البخاري واللفظ له، ومسلم [14[
)مُقنَّع) بضم الميم، وفتح النون المشدَّدة: أي متغطٍ بالحديد، وقيل: على رأسه خوذة، وقيل غير ذلك.
ولفظ رواية مسلم: عن البَرَاء رضي الله عنه قال: جاء رجل من بني النَّبِيت – قبيل من الأنصار – فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، ثم تقدَّم، فقاتل حتى قُتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَمِل هذا يسيرا، وأُجِر كثيرا"!
10 – وعن أنس رضي الله عنه قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يتقدمنَّ أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه". فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض".
قال عُمير بن الحُمام: يا رسول الله، أجنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: "نعم". قال: بَخٍ بَخٍ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يحملك على قولك بَخٍ بَخٍ؟". فقال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: "فإنك من أهلها". فأخرج تمرات من قَرَنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: إن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة! فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قتل [15]. رواه مسلم [16[
11 – وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا". رواه مسلم، وأبو داود [17]، ورواه النسائي، والحاكم أطول منه ، ورواه ابن حِبَّان في صحيحه من حديث معاذ بن جبل [18[
12 – وعن عبد الله بن حُبْشِي الخثعمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان لا شكَّ فيه، وجهاد لا غُلول فيه [19]، وحَجَّة مبرورة".
[قيل: فأيُّ الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت"] [20[
قيل: فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: "جُهد المقلِّ" [21[
قيل: فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: "مَن هجر ما حرَّم الله".
قيل: فأيُّ الجهاد أفضل؟ قال: "مَن جاهد المشركين بنفسه وماله".
قيل: فأيُّ القتل أشرف؟ قال: "مَن أهريق دمه، وعُقر جواده" [22]. رواه أبو داود، والنسائي واللفظ له، وهو أتمُّ [23[
13 – وعن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة، ينجِّي الله – تبارك وتعالى – به من الهمِّ والغمِّ". رواه أحمد واللفظ له، ورواته ثقات، والطبراني في (الكبير) و(الأوسط)، والحاكم وصحَّح إسناده [24[
14 – وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مكلوم يُكْلَم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة وكَلْمه يَدمَى، اللون لون دم والريح ريح مسك" [25[
وفي رواية: "كل كَلْم يُكْلَم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها يوم طعنت تفجر دما، اللون لون دم، والعَرْف عَرْف مسك". رواه البخاري، ومسلم [26]، ورواه مالك، والترمذي، والنسائي بنحوه [27[
15 – وعن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس شيء أحبُّ إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة دموع من خشيه الله، وقطرة دم تُهَْرَاق في سبيل الله. وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله". رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب [28[
• وقفة مع النصوص :
هذه النصوص المتكاثرة التي سقناها من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، من شأنها أن تُعدَّ المسلم وتعبِّئه فكريا وثقافيا للجهاد.
وهذا الإعداد الثقافي للجهاد: يحب أن تقوم به المدرسة والجامع والجامعة، وتتعاون عليه أجهزة التعليم والإعلام، سواء كان إعلاما مقروءا أم مسموعا، أم مرئيا، فمن المطلوب من أهل العلم والفكر والتربية والتوجيه: أن يغرسوا في عقول الأمة وضمائرها – وخصوصا ناشئتها – معاني الجهاد في سبيل الله، وتربية البطولة المؤمنة المستعدَّة للبذل والتضحية عندما يناديها المنادي، وتتعرَّض الأمة للخطر.
ومن أخطر ما يتعرَّض له بعض المسلمين اليوم في بعض ديار الإسلام: ما يسمُّونه (تجفيف المنابع)، ويعنون بذلك: منابع التديُّن الإيجابي في التعليم أو الإعلام، بحيث يُحذف منهما كل ما فيه حثٌّ على الجهاد، أو على تغيير المنكر، أو مقاومة الظلم والطغيان، أو يربِّي الشخصية المسلمة على مقاومة الضلال، والثورة على الباطل، واستنكار المظالم، وإنما يبارك هؤلاء التديُّن المريض، والذي لا يعرف من الدين إلا الشركيات في العقيدة، والبدعيات في العبادة، والسلبيات في السلوك، تديُّن الموالد والأضرحة والنذور للأولياء.
وبعض وزارات التربية والتعليم في بعض البلاد العربية حذفت من السيرة النبوية: الغزوات المتعلقة باليهود، بل حذفت من التاريخ الإسلامي: الوقائع الجهادية الكبرى في الصراع مع الفرنجة أو الصليبيين، مثل بعض معارك عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود، وصلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس وغيرهم.
بل حذفت كثيرا من النصوص في كتب القراءة والمحفوظات، التي تحمل روح الجهاد والمقاومة.
وازداد الأمر سوءا بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001م (11/9)، حيث طلبت أمريكا طلبا مباشرا من كثير من عواصم الدول العربية والإسلامية – مثل السعودية وباكستان وغيرها – تغيير مناهج الدراسات الدينية في مدارسها الحكومية والأهلية. وهي تلحُّ في ذلك وتضغط بقوة، بشكل مباشر وغير مباشر!
-150x150.jpg)