نؤمن بأن الأصل في علاقة المسلم بأخيه المسلم : هو حسن الظن به ، وحمل حاله على الصلاح ما أمكن ، فلا يؤثمه ولا يفسقه ولا يبدعه إلا بدليل قاطع . وأعظم ما يسيء به المسلم إلى المسلم : أن يرميه بالكفر الأكبر ، المخرج من ملة اللإسلام ، بدون برهان من الله ، أي بدون نص قطعي الثبوت، قطعي الدلالة ، لا يحتمل شكا ولا جدلا .
أما ما فيه محل للجدل والقيل والقال ، فهو يفسر لصالح المسلم ، فمن ثبت إسلامه بيقين، فإن اليقين لا يزال بالشك .
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة المستفيضة تحذر من تكفير المسلمين بعضهم لبعض ، فلا يجوز التهاون في ذلك بحال ، حتى تستبيح كل طائفة تكفير مخالفيها . (( ومن عاد رجلا بالكفر ، أو قال : عدو الله ، وليس كذلك إلا حار عليه )) "١"
(( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما ، فإن كان كما قال ، وإلا رجعت إليه )) "٢"
فالتكفير : خطيئة دينية ، وخطيئة علمية ، وخطيئة إجتماعية ،لأنه يؤدي إلى تمزيق الأمة الواحدة ، ويقع فيها ما حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : (( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )) "٣"
وإن جاز التكفير بأدلته ، فينبغي أن يكون للأنواع لا للأشخاص ، فيقال : من قال كذا وكذا فهو كافر ، ومن فعل كذا وكذا فهو كافر … ولا يجوز أن يقال عن إنسان بعينه : فلان كافر ، إلا بعد مواجهة وتحقيق وتمحيصر ، تنتفي معه كل شبهة ، وهذه لا يستطيعها إلا القضاء .
ومن هنا نقول : إن إعطاء عامة الأفراد حق الحكم على شخص بالردة ، ثم الحكم عليه باستحقاق العقوبة ، وتحديدها بأنها القتل لا غير ،وتنفيذ ذلك بلا هوادة ،يحمل خطورة شديدة على دماء الناس وأموالهم وأعراضهم ، لأن مقتضى هذا أن يجمع الشخص العادي _ الذي ليس له علم أهل الفتوى ، ولا حكمة أهل القضاء ، ولا مسؤولية أهل التنفيذ _ سلطات ثلاثا في يده يفتي _ وبعبارة أخرى يتهم _ ويحكم وينفذ ، فهو الإفتاء وافدعاء والقضاء والشرطة جميعا !
نؤمن بوحدة أهل القبلة رغم كل أنواع الخلاف ، وأن المسلمين حيثما كانوا أمة واحدة ، بعد أن رضوا بالله ربا ، وبإسلام دينا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ، وبالقران إماما ومنهاجا ، يقول تعالى { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فأعبدون } (الأنبياء ٢١/٩٢) .
وهم _ بحكم وحدة العقيدة ، ووحدة الشريعة ، ووحدة الغاية __ تجمعهم الأخوة الإيمانية ، والإسلام يجعل لهذه الأخوة حقوقا ثابتة في النصرة والتكافل والرعاية ( المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يسلمه ) "٤" ، أي لا يتخلى عنه ( المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم ، ويجير عليهم أقصاهم ، وهم يد على من سواهم ) "٥" .
١.صحيح مسلم، كتاب الإيمان ،باب: من قال لأخيه يا كافر (٦١)عن أبي ذر ،ومسند أحمد ،كتاب مسند الأنصار ،باب حديث أبي ذر الغفاري ، رقم (٢٠٤٩٢) .
٢.صحيح البخاري ،كتاب الأدب ، باب: من كفر أخاه بغير تأويل ،رقم(٥٦٣٨).وصحيح مسلم ، كتاب الإيمان ،باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر ،رقم (٩٢) عن ابن عمر .
٠٣صحيح البخاري ، كتاب العلم ،باب الإنصات للعلماء ،رقم (١١٨) عن جرير ،وصحيح مسلم ، كتاب الإيمان ،باب بيان حال قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ترجعوا بعدي كفارا ، رقم(٩٨) عن جرير .
٤.صحيح البخاري ، كتاب الإكراه ، باب يمين الرجل لصاحبه ،رقم (٦٤٣٧) ، عن ابن عمر ، وصحيح مسلم ، كتاب البر والصلة والآداب ،باب تحريم الظلم ،رقم(٤٦٧٧) عن ابن عمر . ٥.سنن أبي داود ،كتاب الجهاد ،باب في السرية على أهل العسكر،رقم(٢٣٧١) عن ابن عمر ،وسنن ابن ماجه ، كتب الديات ،باب المسلمون تتكافأ دماؤهم ،رقم(٢٦٧٣) عن ابن عباس ،ومسند أحمد ، كتاب مسند المكثرين ،باب مسند عبدالله بن عمرو بن العاص رقم (٦٥٠٦) عن عبدالله بن عمرو ، ورجاله ثقات .
-150x150.jpg)