• تمهيد: واقعية الإسلام في الإقرار بسنة التدافع:
هكذا رأينا الإسلام يدعو إلى السلم، ويحرص عليها، ويشرع الوسائل المختلفة لإشاعتها وتثبيتها. ولكنه لا يستطيع أن يمنع الحرب من العالم كلِّه، ولهذا يستعدُّ لها، ويعدُّ لأعدائه ما استطاع من قوَّة.
ومن هنا نقول: لا يرغب الإسلام في الحرب لذات الحرب، ولا يخوضها إلا إذا فُرضت عليه كرها، كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة:216[
إنما يخوض المسلمون الحرب والقتال إذا أجبرتهم عليها (سُنَّة التدافع) وهي من السنن الكونية والبشرية العامة، التي أقام الله عليها هذا العالم. وإلى هذه السُّنَّة – أو هذا القانون العام – أشار القرآن الكريم في آيتين من آياته، ففي سورة البقرة: عقَّب القرآن على قصة طالوت، ومقاومته لجالوت الجبَّار، رغم قِلَّة عدد المؤمنين المقاتلين مع طالوت، وكثرة عدد الكافرين المحاربين مع جالوت، ورغم عدم تكافؤ القوة بين الطرفين، انتصرت القِلَّة المؤمنة الصابرة على الكثرة الكافرة المتجبِّرة.
يقول تعالى عن طالوت ومجاوزته للنهر: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:249-251[
بهذا التدافع – دفع الله الناس بعضهم ببعض – يحفظ الله الأرض ومَن عليها وما عليها من الفساد. وإلا لطغى الجبَّارون والمتكبِّرون في الأرض بغير الحق، وأصبح العالم غابة يفترس فيها القوي الضعيف.
وفي هذه القصة – قصة طالوت – التي ذكرها القرآن عن بني إسرائيل، كان طالوت ومَن معه يدافعون عن ديارهم وأبنائهم. قالوا: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} [البقرة:246]. فهيَّأ الله {دَاوُدُ} الشاب المؤمن ليقتل {جَالُوتَ} الطاغية المتجبِّر، وبهذا اندفع عن الأرض شرٌّ مستطير.
والآية الثانية التي قرَّر القرآن فيها سنة التدافع في سورة الحج، حين أذن الله للجماعة المؤمنة المضطَّهدة أن تقاتل دفاعا عن نفسها وحرماتها وحريتها في التدين، بل عن حرمة الأديان الأخرى، قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40،39[
وبهذا كان الإسلام (واقعيا) حين أقرَّ بشرعية القتال أو شرعية الحرب لضرورة التدافع، وبعبارة أخرى: دفاعا عن الدين والحقِّ والحُرُمات والحريات، وعلى رأسها: حرية التديُّن، في مواجهة الطغاة الذين يصادرون حقَّ الناس في الإيمان، ويفتنون المؤمنين عن دينهم. ولهذا لم يكن دفاع الإسلام عن المساجد وحدها، بل عنها وعن الصوامع والبِيَع والصلوات، أي عن معابد اليهود والنصارى، حتى لا يُمنع أحد من إقامة شعائر دينه، أو يُكره على تغيير دينه.
• أكثر الناس حروبا أتباع الديانة المسيحية :
وبعض النصارى يتَّهمون الإسلام بأنه (دين السيف)، وأنه (دين الحرب)، وأن رسول الإسلام حارب وقاتل، ولم يكن كالمسيح الذي دعا إلى السلام، وقال في تعاليمه: (مَن ضربك على خدِّك الأيمن، فأَدِر له خدَّك الأيسر) [1[!
ونسي هؤلاء أو تناسوا ما سجَّله التاريخ: أن أتباع الديانة المسيحية – للأسف الشديد – هم أكثر أصحاب الأديان صراعا وحروبا فيما بين بعضهم وبعض، وفيما بينهم وبين غيرهم، فطالما أوقدوا نار الحرب أحيانا بدوافع دينية كما حدث بين الكاثوليك والبروتستانت من مذابح تشيب لهولها الولدان [2]، وأحيانا بدوافع قومية أو وطنية أو مصلحية. والتاريخ حافل بهذه الحروب، ولا سيما بين البلدان الأوربية المسيحية بعضها وبعض، وآخرها الحربان العالميتان الشهيرتان التي قتل المسيحيون بعضهم من بعض: عشرات الملايين [3[.
حتى قال أحد الكتاب الأوربيين: ما صدقتُ بنبوءة من نبوءات المسيح، كما صدقتُ نبوءته حين قال: (ما جئتُ لأُرسي سلاما على الأرض، ما جئتُ لأرسي سلاما، بل سيفا) [4[.
وما ذكره المسيح في إدارة الخدِّ الأيسر لمَن ضربك على الأيمن: يمثل درجة (الفضل) التي تصلح في بيئة محدودة، ولجماعة مثالية، ترنو إلى المُثُل العليا، ولكنها لا تصلح أن تكون قاعدة عامَّة للتعامل مع جميع الناس، في كل الأقطار، وفي كل الأعصار، ومع جميع الأصناف والطبقات، وفي كلِّ الظروف والحالات. إنما الذي يصلح لعموم الناس في جميع الأمصار والأعصار والأحوال: هو إيجاب مبدأ (العدل)، والترغيب في مبدأ (الفضل)، وهو ما جاء به الإسلام، حيث قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى:40]، {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى:41-43[.
وما رأينا أحدا من أتباع الإنجيل – ولا سيما الغربيين – يطبِّق تعاليم الإنجيل على نفسه، ويدير خدَّه الأيسر لمَن ضربه على خدِّه الأيمن، بل رأيناهم يبدؤون بضرب الناس عدوانا على وجوههم وعلى خدودهم يَمنة ويَسرة.
إن البشرية منذ فجر التاريخ، ومنذ كانت أسرة واحدة: آدم وبنيه: وُجِد فيها الشرِّير المعتدي، وبإزائه الخيِّر الطيِّب، وُجد فيها قابيل وهابيل، كما تسمِّيهما (الإسرائيليات). وقد قصَّ علينا القرآن قصة الأخوين اللذين قتل أحدهما الآخر ظلما وعدوانا، بلا جُرم اقترفته يداه، ولم يكن هناك مجتمع أثَّر فيه – كما يقال اليوم – بل طاوع نفسه الأمَّارة بالسوء التي سوَّلت له قتل أخيه فقتله. اقرأ هذه الآيات: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة:27-30[.
ماذا يفعل الناس إذا كثر أتباع قابيل الشرِّير، وكان لهم قوة وسلطان؟ هل يُتركون ليطغَوْا في البلاد، ويُكثروا فيها الفساد، دون أن يردعهم رادع، أو يقول لهم أحد: كفُّوا أيديكم، وقفوا عند حدِّكم؟
هل يمكن أن يقف الناس جميعا موقف الأخ الطيِّب هابيل؟ ويَدَعوا لقابيل المُجرم فرصته ليمارس هوايته في القتل والتدمير؟
إن مَن يستقرئ واقع الناس، يتبيَّن له أن كثيرا من الناس – بل ربما أكثرهم – هو من صنف قابيل، الذي يستخدم قوَّته في الشر. حتى قال بعض الفلاسفة: الإنسان ذئب مُقنَّع.
بل وجدنا من الأدباء مَن يقول: الإنسان حيوان محارب! وقال مناحم بيجن في كتابه (الثورة) الذي ألَّفه قبل قيام دولة الكِيان الصهيوني: أنا أحارب، إذن أنا موجود!
وأبو الطيب المتنبي يقول:
والظلم من شِيَم النفوس فإن تجد … ذا عفَّة فلعِلَّة لا يظلــم!
فكيف يمكن تجاهل مثل هذه الفلسفات والنظريات التي تؤمن بمنطق القوة لا بقوة المنطق. وهؤلاء لا بد أن يُواجَهوا بنفس منطقهم. فالشرُّ بالشرِّ يحسمِ، والبادئ أظلم.
ولله درُّ شوقي حين قال في نهج البردة:
قالوا: غزوتَ، ورسل الله ما بُعثوا … بقتل نفس ولا جاؤوا بسفـك دم
إفك وتضليل أحـلام وسفسطـة … فتحتَ بالسيف بعـد الفتح بالقلم!
والشرُّ إن تلـقه بالخير ضقت به … ذرعـا، وإن تلقه بالشرِّ ينحسمِ [5[
وقال آخر:
والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا … فالحرب أجدى على الدنيا من السلم
وقد أرشد القرآن إلى أن الله أنزل مع رسله: الكتاب والميزان، وأنزل الحديد فيه بأس شديد، فكأنه يشير إلى أن مَن لم ينفع في هدايته الكتاب والميزان، قُوِّم بالحديد. يقول تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد:25[.
والواقع أن الحياة لا تستقيم بغير القوة، تحمي الحقَّ، وتقاوم الباطل، وتفرض العدل، وتحارب الظلم، وتمنع قابيل من التعدِّي على هابيل. وهذه هي الواقعية المثالية التي جاءت بها أخلاق الإسلام ، وتشريعات الإسلام، وتوجيهات القرآن[6]: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل:126[.
وقد عبَّر عن ذلك الشاعر العربي بقوله:
لـئـن كـنت محتاجا إلى الحلم إنني … إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولـي فرس للحلـم بالحلـم مُـلـجَم … ولي فرس للجهل بالجهل مُســرَج
فـمَـن رام تـقـويـمي فإني مقوَّم … ومَن رام تعويجي فإني معـــوَّج
وما كنت أرضى الجهل خِدْنا وصاحبا … ولكنني أرضى به حين أحـــرج [7[
لقد كان من الخير أن تعترف المثالية الإسلامية والشريعة الإسلامية بإمكان وقوع الحرب والقتال بين البشر، وإذا كان وقوع الحرب غير مستبعَد، فلا بد أن نستعدَّ لها حتى لا يستباح حِمانا، ولا بد أن نحوط هذه الحرب بسياج من التشريعات القانونية والتوجيهات الأخلاقية، حتى لا تخرج عن قوانين العدل والرحمة، ولا تحكمها غرائز الغضب وحدها، أو (القوة السبُعية) في الإنسان، ولا بد أن نحدِّد أهدافها بوضوح، حتى نقف عندها، ولا نسمح لأطماعنا أو مخاوفنا أو انفعالاتنا أن تتعدَّى حدودها. ولا نستطيع أن نُحدِّد هذه الأهداف حقًّا، إلا من خلال مُحكمات النصوص، التي لا يملك المؤمن إزاءها إلا أن يقول: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة:285]. فلنتحدَّث عن هذه الأهداف.
• ( 1 ) رد الاعتداء:
أول أهداف القتال والحرب في الإسلام: دفع الاعتداء وردُّه بالقوة، سواء كان هذا الاعتداء واقعا على الدين أم على الوطن والأرض.
فأما الاعتداء على الدين، فيتمثل في فتنة المسلمين عن دينهم، واضطهادهم من أجل عقيدتهم، أو الوقوف في وجه الدعوة ومنعها، والصدِّ عنها، والتعرُّض لدعاتها بالأذى إلى حدِّ القتل. وسنخصُّ هذا الموضوع بحديث لأهميَّته.
ومثل ذلك: الاعتداء على أرض الإسلام، ووطن المسلمين، وما يتضمَّن ذلك من عدوان على دماء الناس وأموالهم وممتلكاتهم وحُرُماتهم ومقدساتهم. والإسلام يعتبر بلاد المسلمين كلَّها وطنا واحدا، أو دارا واحدة، هي (دار الإسلام)، فالاعتداء على جزء منها اعتداء على جميعها، ومسؤولية الدفاع عنها تقع على الأمة كلِّها: المقصودين بالأصالة، والآخرين بالمساندة والمشاركة عند اللزوم.
وكذلك الاعتداء على حُرُمات الأفراد: في أنفسهم، أو في أموالهم وممتلكاتهم، أو في أهليهم وذراريهم.
كما يعتبر الإسلام الاعتداء على (أهل الذمَّة) من غير المسلمين اعتداء على المسلمين أنفسهم، فهم من أهل دار الإسلام، وحرمتهم من حرمة المسلمين. وعقد الذمَّة يوجب على المسلمين الدفاع عنهم، وبذل الأنفس والأموال لحمايتهم، كما يدافعون عن المسلمين، سواء بسواء [8[
ونحو ذلك العدوان على حلفاء المسلمين، لأن الحِلف يقضي بالتعاون في السرَّاء والضرَّاء، والتضامن في السلم والحرب. ولهذا حينما غدرت قريش بقبيلة خُزَاعَة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعتبر الرسول ذلك نقضا لعهده، واعتداء عليه وعلى أصحابه، ولأجله جيَّش الجيوش لفتح مكة.
وهنا يوجب الإسلام على المسلمين: أن يقفوا في وجه الاعتداء، أيًّا ما كان المعتدون أو المعتدَى عليهم، ويتصدُّوا له ليدفعوه عنهم، ويردُّوه عن حُرُماتهم بسيف القوة، وقوة السيف.
يقول تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ * الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة:190-194[
قرَّرت هذه الآيات جملة أحكام:
) أ ) الأمر بقتال الذين يقاتلون المسلمين، أي يبدؤونهم بالقتال، على أن يكون قتالهم في سبيل الله، أي لتكون كلمة الله هي العليا.
) ب ) النهي عن الاعتداء بصفة مطلقة، وتعليل ذلك بأن الله لا يحب المعتدين، وهذا دليل على أنه حكم مُستقر مُحكم غير قابل للنسخ. كما أن فيه تنفيرا للمسلم منه، فإن كل مسلم حريص على أن يكون ممَّن يحبُّهم الله، لا ممَّن لا يحبُّهم الله.
) ج ) تشريع معاملة هؤلاء المعتدين على المسلمين بمثل أعمالهم من القتل والإخراج.
) د ) تقرير أن الفتنة في الدين أشدُّ من القتل، لأن القتل اعتداء على الكِيان المادي للإنسان: الجسد، والفتنة اعتداء على الكِيان المعنوي: الروح والعقل والإرادة.
) هـ ) تقرير حرمة المسجد الحرام الذي مَن دخله كان آمنا، والنهي عن قتالهم فيه، ما لم يبدؤوا هم بالقتال، فإن فعلوا، فحرمة المؤمنين أهمُّ من حرمة المسجد الحرام، وجاز قتالهم وقتلهم فيه، حتى ينتهوا.
) و ) تقرير غاية القتال، وهو: اتقاء الفتنة، وتوطيد حرية الإيمان للناس، بكسر شوكة المتجبِّرين في الأرض الذين يفتنون الناس عن دينهم. وبهذا يكون الدين لله، يدخله مَن شاء بإرادته، لا يُكره عليه، ولا يُصَدُّ عنه من أحد.
) ز ) شرعية مقابلة العدوان بمثله، وقد سمَّاه القرآن اعتداء، من باب المشاكلة اللفظية، وإلا فالردُّ على الاعتداء في الحقيقة ليس اعتداء.
• ( 2 ) منع الفتنة أو تأمين حرية الدعوة:
ومن أهداف القتال التي نصَّ عليها القرآن: منع الفتنة في الدين، وهذا ما صرَّح به القرآن الكريم في آيتين من كتاب الله، إحداهما في سورة البقرة في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة:193[
والثانية في سورة الأنفال في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال:39[
فقد حدَّدت الآيتان كلتاهما غاية القتال بأنها: منع الفتنة: {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، وهذه نكرة في سياق النفي تعمُّ كلَّ فتنة يمكن أن تتصوَّر هنا: فتنة الإنسان في نفسه، أو في أهله، أو فيمَن يحبُّ من الناس.
والفتنة في اللغة: الاختبار والامتحان [9]، مثل قولهم: فَتَن الذهب: أي وضعه على النار ليعرف خالصه من زيفه. وفتنة الإنسان تعني: امتحانه بالأذى والتعذيب. فالفتنة في هذا السياق تعني: الاضطهاد والإيذاء والتعذيب لمَن دخل في الإسلام حتى يرجع عن دينه. وفي هذا يقول القرآن: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا} [النحل:110[
وحينما اشتدَّ الأذى والتنكيل بالمؤمنين في مكة، نزل القرآن ليواسيهم ويثبتهم، كما تجلَّى ذلك في أوائل سورة العنكبوت: {ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت:1-3]. فبيَّن القرآن أن فتنة المؤمنين بالإيذاء والتنكيل: سُنة ماضية في الأمم من قبلنا.
وفي السورة نفسها يقول تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت:10[
وهذا الأسلوب – فتنة المؤمنين عن دينهم بالأذى والعذاب حتى يرتدُّوا عنه – أسلوب قديم اتَّبعه الكفرة الطغاة مع أهل الإيمان، كما حكى القرآن ذلك في سورة البروج، التي حدثتنا عن الجبابرة الذين خدُّوا الأخاديد، وملؤوها نارا، وألقوا فيها كل مؤمن أصرَّ على عقيدته. يقول تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج:4-10]، فواضح كلَّ الوضوح من الآيات الكريمة: أن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات هم الذين عذَّبوهم بالنار.
ومن هنا كانت هذه (الفتنة في الدين) أشدُّ شيء خطرا على الإنسان، وعلى حرية اختيار الإنسان، فإن أهل القوة والجبروت يريدون أن يتحكموا في ضمائر الناس، فليس لهم حق الإيمان بما اقتنعت به عقولهم، أو اطمأنت إليه قلوبهم، إلا بإذن الجبابرة وموافقتهم، كما قال فرعون من قديم مُنكرا على السحرة من أبناء مصر: إيمانهم برب موسى وهارون: {آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} [طـه:71، الشعراء:49]، معنى ذلك: أنه لا يجوز لعقل أن يقتنع بفكرة، ولا لقلب أن يؤمن بعقيدة إلا بإذن فرعون!!
فإذا خالف وآمن، تعرَّض لبطش فرعون، وتهديده بالتنكيل والتصليب في جذوع النخل، وغيره من ألوان العذاب.
ولا غرو أن اعتبر القرآن الـ{فِتْنَة}: أشدَّ من القتل، وأكبَرَ من القتل، فإذا نظرنا إليها من ناحية (الكيف) فهي: {أَشَدُّ} أومن ناحية (الكم) فهي: {أَكْبَرُ{
يقول تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:217[
ضخَّم المشركون واقعة قَتَلَ فيها بعضُ المسلمين واحدا من المشركين خطأ في الشهر الحرام، وأَبدَؤوا وأعادوا وزادوا في القول، والقرآن أقرَّ بأن القتال في الشهر الحرام ذنب كبير، ولكن ما فعلوه من الصدِّ عن سبيل الله والكفر به، وبحرمة المسجد الحرام، وإخراج أهله منه: أكبر عند الله مما وقع من المسلمين. ثم قال: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ}: أيْ والفتنة التي يوقعها المشركون عمدا بالمؤمنين الجُدد بالإسلام: أكبر وأعظم إثما من القتل الذي وقع من المسلمين خطأ في الشهر الحرام. إذ لم يكونوا يعلمون أن الشهر قد بدأ.
ومن البيِّن الواضح: أن الفتنة في الآيتين هي الاضطهاد في الدين، وتعذيب المؤمنين، كما وضَّحناه في الآيات السابقة، وكما يدلُّ عليه السياق بجلاء. فهم الذين آذوا المؤمنين طوال ثلاثة عشر عاما في مكة، وأنزلوا بهم صنوف العذاب، وحاصروهم اقتصاديا واجتماعيا، حتى أكلوا أوراق الشجر، وعذَّبوا المستضعفين منهم، حتى مات بعضهم تحت التعذيب، واستمر هذا التنكيل حتى اضطرُّوهم للخروج من ديارهم بغير حقٍّ إلا أن يقولوا: ربنا الله. فهاجر بعضهم إلى الحبشة مرتين، ثم هاجروا جميعا – إلا مَن عجز – إلى يثرب. ومن المتَّفق عليه: أن أفضل ما يفسَّر القرآن بالقرآن. وهذا معنى الفتنة في القرآن.
وإنما كانت الفتنة: {أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} و{أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ}، لأن القتل جناية على (جسم) الإنسان وحياته المادية، أما الفتنة، فهي جناية على (ضمير) الإنسان، وحياته الروحية والفكرية. والجناية الثانية أعظم بلا ريب من الجناية الأولى.
والخلاصة هنا: أن القتال مشروع لغاية، وهي منع الفتنة والاضطهاد في الدين، ورفع أساليب الضغط والإكراه المادي والأدبي عن الناس، وتأمين الحرية للدعوة والدعاة، ليؤمن مَن آمن بحريته، ويكفر مَن كفر باختياره، إذ {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256]، {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [يونس:108[
وأما ما ورد عن بعض مفسِّري السلف، الذين فسروا الفتنة بأنها: (الشرك) أو (الكفر)، فهو خروج عن ظاهر المعنى الذي يؤدِّيه اللفظ، وهو تفسيرُ غيرِ معصوم، ولا حُجَّة في قول أحد إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يوجد عنه نصٌّ في ذلك. ولعل مرادهم: أن الشرك في ذلك الوقت وفي أرض العرب خاصة، كان مرتعا للشرِّ، ومباءة للإثم والعدوان، وأن بقاء الشرك بقوته: مُهدِّد للإسلام الناشئ، وللمسلمين الجُدد بطبيعته العدوانية. فمعنى (حتى لا يكون شرك): أيْ شرك متجبِّر في الأرض، أي حتى تقلَّم أظفار العدوان، وتخلع أنيابه المفترسة، ولا يبقى مَن يفتن الناس. وذكر في (تفسير المنار) ما قاله بعض المفسرين القدامى: أن الفتنة هي الشرك. قال: وردَّه الأستاذ الإمام (محمد عبده) بأنه يُخرج الآيات عن سياقها. وذكره البيضاوي هنا بصيغة التضعيف (قيل) [10[
وقال في معنى قوله تعالى: {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ}: أي حتى لا تكون لهم قوة يفتنونكم بها ويؤذونكم لأجل الدين، ويمنعونكم من إظهاره أو الدعوة إليه.
ومعنى قوله: {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}، وفي سورة الأنفال: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}: أي يكون دين كلِّ شخص خالصا لله، لا أثر لخشية غيره فيه، فلا يُفتن لصدِّه عنه، ولا يؤذَى فيه، ولا يحتاج فيه إلى المداهنة والمداراة، أو الاستخفاء أو المحاباة، وقد كانت مكة إلى هذا العهد قرار الشرك، والكعبة مستودع الأصنام، فالمشرك فيها حرٌّ في ضلالته، والمؤمن مغلوب على هدايته [11[
على أن هناك من المفسرين مَن أبقى لفظ الـ{فِتْنَةٌ} على معناه الأصلي المتبادر منه، ولم يَمِل به عن أصله.
ذكر الإمام فخر الدين الرازي في تفسير معنى الـ{فِتْنَةٌ} في قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}: وجوها، فكان الوجه الثاني منها: (أن الفتنة أصلها عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغشِّ. ثم صار اسما لكل ما كان سببا للامتحان تشبيها بهذا الأصل. والمعنى: أن إقدام الكفار على الكفر وعلى تخويف المؤمنين، وعلى تشديد الأمر عليهم، بحيث صاروا مُلجَئين إلى ترك الأهل والوطن، هربا من إضلالهم في الدين، وتخليصا للنفس مما يخافون ويحذرون: فتنة شديدة، بل هي أشدُّ من القتل الذي يقتضي التخليص من غموم الدنيا وآفاتها. وقال بعض الحكماء: ما أشد من هذا القتل الذي أوجبه عليكم جزاءً غير تلك الفتنة) [12[
وفي تفسير قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، قال: في المراد بالفتنة هنا وجوه: أحدها: أنها الشرك والكفر، ثم فسَّر ذلك فقال: قالوا: كانت فتنتهم أنهم كانوا يضربون ويؤذون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، حتى ذهبوا إلى الحبشة، ثم واظبوا على ذلك الإيذاء حتى ذهبوا إلى المدينة، وكان غرضهم من إثارة تلك الفتنة: أن يتركوا دينهم ويرجعوا كفارا. فأنزل الله هذه الآية. والمعنى: قاتلوهم حتى تظهروا عليهم، فلا يفتنوكم عن دينكم، فلا تقعوا في الشرك [13[
-150x150.jpg)