آخر الأخبار

لننقذْ الأسرى المقدسيين في سجون الاحتلال

شارك المقال على:

 في كل يوم تطلع فيه الشمس تخطّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي صفحات سوداء في سجل التاريخ ، وتقترف مزيداً من جرائم الحرب ضد مدينة القدس المباركة وضد مواطنيها الفلسطينيين ، وتواصل ارتكاب أخطر الانتهاكات المنافية للمبادئ الإنسانية التي أرسستها الأديان والشرائع الإلهية وأقرتها القوانين والمواثيق الدولية وأجمع عليها العالم .
ولعل أسرانا الأبطال من أكثر شرائح شعبنا الفلسطيني الصابر المرابط معاناة من هذه الجرائم والانتهاكات ، فههم طليعة الأمة وروادها الذين ضحوا من أجل قضيتها ، واعتُقلوا مدافعين عن مقدساتها وكرامتها ، وهم يمثلون نخبة الشعب الفلسطيني البطل فقد ضحوا بحرياتهم وتحملوا أقسى صور التعذيب والمعاناة والحرمان ، وعانى مثلهم أزواجهم وآباؤهم وأمهاتهم وأولادهم ، وقدموا حريتهم في سبيل دينهم ووطنهم ، وأسهموا في صنع فرحة نصرنا من أعمارهم وسنين حياتهم ؛ فهزموا الجلاد بصبرهم وثباتهم ، وقهروا السجان بإرادتهم وصلابتهم ، فهم الأحرار بحق وإن زج بهم المحتل الغاصب في أقبية الظلم والظلام خلف القضبان .
يعاني الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي الغاشم ألوان التعذيب المادي والمعنوي ، ويتعرضون إلى الإهانة وسلب الكرامة الإنسانية وسوء المعاملة والحرمان من الزيارة ، ويعيشون أسوأ الأوضاع والظروف الحياتية ، ويعانون من تردي الحالة الصحية الناجمة عن سوء التغذية والإهمال الطبي المتعمد ، هذا بالإضافة إلى امتهان مشاعرهم الدينية وحرمانم أداء شعائرهم التعبدية بحرية .
وتتضاعف معاناة الأسرى المقدسيين ومن بينهم الأطفال والنساء ، وتعود معاناتهم المضاعفة إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية تتعامل معهم على أنهم ليسوا من الفلسطينيين وليسوا من مواطنيها ، وسبب ذلك أن أنها فرضت على مدينة القدس منذ احتلالها قوانين خاصة ، فتعاملت مع سكّانها على أنّهم مقيمون دائمون لديها ، لكنّهم لا يملكون حقّ المواطنة الكاملة كاليهود ، ومنحتهم على هذا الأساس بطاقات الهويّة الزّرقاء ، والتي تعني أنها بطاقات إقامة دائمة تجدد كل عشر سنوات ، وتُسحب من صاحبها إن لم يثبت إقامته الفعلية في المدينة طوال الفترة السابقة ؛ من خلال كشوف الضريبة وفواتير الضمان والماء والكهرباء .
وبناءً على هذه الحالة القانونية العنصرية ، وفي ازدواجية وانتقائية ظالمة ؛ فإنّ سلطات الاحتلال تعامل الأسرى المقدسيّين معاملة السجناء الإسرائيليين الجنائيين ، وتعتبر سجنهم والأحكام الصادرة بحقهم شأناً داخليّاً ، وأن ما قاموا به من نشاطات سياسية وعسكرية إنما هي جنح أمنية وخروج عن القانون الإسرائيلي ، لذا لا تقبل إدخالهم في أيّة صفقةٍ لتبادل الأسرى أو في إطار المفاوضات السياسية ، ولا تعطيهم حقوق أسرى الحرب ، لذلك لم تفرج السلطات الإسرائيلية عن أسرى مقدسيين في أي عمليات إطلاق سراح للأسرى منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 ، بل لم يتم إطلاق سراح أي أسير فلسطيني مقدسي خلال صفقات التبادل سواء تلك التي تمت سواء مع الفلسطينيين والتي تمت مع أطراف عربية منذ العام 1967 .
وفي الوقت ذاته لا تمنحهم امتيازات السّجناء الإسرائيليين ، بل تعاملهم بالأساليب الوحشيّة وغير الإنسانيّة التي تعامل بها بقيّة الأسرى الفلسطينيين سواء داخل السجون وعند إصدار الأحكام الجائرة بحقهم ، فقد حرمتهم حقّ المعاملة الدستوريّة التي يحصل عليها السّجناء الإسرائيليّون ، وحرمتهم كثيراً من بعض الحقوق التي اكتسبها الأسرى الفلسطينيون وحصلوا عليها بعد نضالهم المرير واحتجاجاتهم وإضراباتهم المتكررة .
ومنعت إدارة السجون الإسرائيلية حصولهم على مخصصاتهم المالية المقدمة لهم من السلطة الوطنية الفلسطينية بدعوى أنهم يحملون الهوية الإسرائيلية ولا يسمح للسلطة التدخل بهم وإرسال مخصصات مالية لهم .
وكثيراً ما تقدم إدارة السجون على عزلهم عزلاً قسرياً تاماً بفصلهم عن بقية الأسرى الفلسطينيين وعن العالم الخارجي ؛ في خطوة خبيثة تهدف إلى كسر الوحدة الوطنية وتفريق الجسد الفلسطيني الواحد ، مما حرمهم معرفة أخبار بعضهم والتواصل فيما بينهم ، وبالأخص أنهم يعتبرون أنفسهم جزءاً من الحركة الأسيرة وجزءاً من النضال الوطني الفلسطيني .
ومنعتهم أيضاً الالتقاء بممثلي وزارة شؤون الأسرى الفلسطينية بدعوى أن لا علاقة للسلطة الوطنية الفلسطينية بهم .
يضاف إلى ذلك أن إسرائيل تربط قضية الأسرى المقدسيين بقضايا الحل النهائي إلى حين التفاوض حول موضوع القدس الذي تعمل الحكومة الإسرائيلية على تأجيله إلى ما لا نهاية ؛ بهدف إبقاء قضيتهم لاستخدامها ورقة ضغط على المفاوض الفلسطيني لدفعه إلى تقديم تنازلات في موضوع القدس مقابل الإفراج عنهم .
لذلك نقول : إنه يجب الحذر من تجاهل قضيتهم وبالأخص أن ارتقى عدد منهم شهداء داخل السجون الصهيونية العنصرية ؛ فهذا التجاهل والنسيان يعني نفي وطنيتهم وتجاهل مدينة القدس المباركة كعاصمة لدولتنا الفلسطينية ، وعلى المفاوض الفلسطيني الإصرار على أن يكون الأسرى المقدسيّون وبالأخص القدامى منهم على رأس قائمة الأسرى المفرج عنهم في إطار عمليّات التبادل ، وعليه الضغط والعمل الجدي من أجل حلّ هذه المعضلة التي تظهر وكأنها أصعب من قضية الحدود واللاجئين ، إذ إن القدس هي هاجسنا جميعاً وهدفنا جميعاً وشعارنا جميعاً ، وبالأخص أن عدداً كبيراً من هؤلاء الأسرى قد اعتقلوا أثناء الانتفاضة التي اندلعت في إثر اقتحام السفاح شارون المسجد الأقصى المبارك ، أو وهم في طريقهم إلى المسجد الأقصى المبارك للصلاة فيه والدفاع عنه ، وحمايته من إجراءات التهويد ومؤامرة الهدم والتقويض ، والوقوف بالمرصاد للجماعات اليهودية المتطرفة التي لا تتوقف عن محاولة اقتحامه ، فما يتعرض له هؤلاء الأبطال الصناديد هو صورة أخرى للأخطار التي تتهدد المدينة المقدسة والمسجد الأقصى المبارك .
وغني عن البيان أن الإجراءات الاحتلالية القمعية وغيرها مما لا مجال لعرضه تشكل انتهاكاً فاضحاً لأبسط الأعراف والمواثيق الدولية ، وتمثل عدواناً سافراً على حقوق الإنسان ، تقوم بها إسرائيل على أعين الناس ، وتحت سمع العالم وبصره ، فحق لنا أن جميعاً نتساءل : أين المنظمات والهيئات الدولية التي تعجز عن حماية أبسط الحقوق لأسرانا البواسل في سجون الاحتلال ؟ أين لجان الأمم المتحدة لتقصي الحقائق عن أوضاع الأسرى الفلسطينيين ؟ أم أنه محظور عليها مساءلة أو ملاحقة السلطات الإسرائيلية جراء ما جنت يداها ؟ أم أن هذه الحقوق ليست لنا ولم تشرع لأمثالنا ! فإلى متى سيغض المجتمع الدولي الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لحقوق الفلسطينيين ؟ وإلى متى الاستمرار في سياسة الكيل بمكيالين تجاه القضية الفلسطينية ؟
أما نحن فلا عذر لنا إن تركنا أسرانا الأبطال ومنهم الأسرى المقدسيين وحدهم في معاركهم التي يخوضونها يومياً ضد السجان ، وليس لنا أن ننعم بالحرية وهم أسرى أو نرضى بالسلامة وهم يتعرضون للخطر الحقيقي على حياتهم ، فمن يتخلف عن مؤازرتهم أو يتخاذل عن تأييد مطالبهم أو يقعد عن مساندتهم فهو آثم كإثم المتخلف عن المعركة وكإثم المتولي يوم الزحف ، قال تعالى { لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً } النساء 95 ، ومن حقهم الثابت علينا ألاَّ نغفل عن قضيتهم أبداً ، وأن نضعها على رأس سلم أولوياتنا ، وأن نتبع كل السبل الممكنة لتخليصهم من الأسر ، لينعموا بالحرية من جديد ، وليتنسموا عبق الحياة في وطنهم ودولتهم الحرة المستقلة ، فما زالوا يتعرضون للضغط النفسي الذي تمارسه سلطات الاحتلال الإسرائيلي الغاشمة ؛ إضافة إلى ما تقوم به من قهر وقمع في السجون ؛ لتنال من عزيمتهم ولتثنيهم عن الصمود والثبات .
ومن حقهم علينا بذل الجهد لتخليصهم من الأسر بكل الطرق الممكنة ؛ فإذا كان موقف الشريعة الإسلامية من أسرى الأعداء وجوب الإحسان إليهم ورعاية حقوقهم ؛ فالأولى بالمسلمين بذل كل جهد لتخليص أسراهم ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً ؛ التزاماً بقوله صلى الله عليه وسلم { أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني } رواه البخاري ؛ والعاني هو الأسير ، وهذا ما أجمع عليه علماء الأمة : أنه إذا وقع في يد العدو أسير فعلى المسلمين جميعاً أن يعملوا على استعادة حريته بكل الطرق الممكنة ؛ أو افتدائه بأموالهم وإن نفدت ولم يبق منها درهم واحد ؛ فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
ومن حق أسرانا الأماجد علينا أيضاً ـ ومنهم أسرى القدس الأسيرة ـ رعاية أسرهم وزيارتهم وتكريمهم ودعمهم ، ومواساتهم في مشاعرهم وعواطفهم ومواقفهم ، وقضاء حوائجهم ، فهذا فرض علينا لقوله صلى الله عليه وسلم { من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا } رواه مسلم ، فقد عانى هؤلاء كما عانى الأسرى .
وأدعو مجدداً إلى ما دعوت إليه مراراً بمطالبة العالم بتدويل قضية أسرانا البواسل بمن فيهم الأسرى المقدسيين ، وبالضغط على سلطات الاحتلال الإسرائيلية لتحكيم القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بمعاملة الأسرى تجاه أسرانا ومعتقلينا والإفراج عنهم فوراً .

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

بمناسبة مرور 31 عاما على مذبحة سريبرينيتسا – هولوكوستٌ في نهاية القرن العشرين

إنّ العدوان الصربية على البوسنة والهرسك (1992-1996) يُعدّ، بلا شك،

دعوة للمشاركة في الدورة الثالثة للمنهاج الاستنباطي القرآني

بسم الله الرحمن الرحيم الإخوة والأخوات المشاركين في الدورة الأولى

القره داغي يشارك في لقاء فكري مع بلال أردوغان ونخبة من العلماء في تركيا

سماحة الشيخ علي محيي الدين القره داغي يشارك في لقاء

آخر المقالات

100%