آخر الأخبار

ما جنته الحضارة الحديثة على بني الإنسان !

شارك المقال على:

 لا يستطيع أحد أن يُنكر أثر ما جنته الحضارة المادية الحديثة – حضارة الأنا والتضخم – على الإنسان ، وتوجهاته في الحياة ، فقد صبغت الإنسان – إلا من رحم الله – بصبغتها المادية المتوحشة ، والتي ظهرت جلياً في سلوكه، وطريقة تفكيره ، وأسلوبه في الحياة ، فأصبح الإنسان لا يرى إلا نفسه ، ولا يكترث إلا لما يُشبع جشعه ويُرضي أنانيته ، وإن داس كل القيم ، واغتال جميع المبادئ ، شعاره الدائم : أنا ومن بعدي الطوفان ..!

وفي ظل هذه المادية الطاغية ، والأنانية الطافحة ، قست القلوب فأصبحت كالحجارة أو أشد قسوة ، وصار الناس – إلا من رحم الله – لا يرحم بعضهم بعضا ، حتي غدا الإنسان فريسة لأخيه الجشع من بني الإنسان .. ولا غرو أنْ رأينا مَن يستأنس بالحيوان في الوقت الذي يستوحش فيه من أخيه الإنسان .. ولله درُّ مَن قال :

عوى الذئب فاستأنستُ بالذئب إذ عوى ** وصوّت إنسان ، فكدتُ أطير !

لقد فطن محمد إقبال – رحمه الله – إلي خطورة هذه الحضارة الحديثة على بني الإنسان ، فقال : ” إن شعار هذه الحضارة : الغارة على الإنسانية ، والفتك بأفراد النوع البشري ، وإن شغلها الدائم التجارة . إن العالم لا يسعد بالسلام والهدوء وبالحب البريء النزيه والإخلاص لله إلا حين تنهار هذه الحضارة الجديدة” – يقصد أن تنهار في جانبها الغائي المادي ، لا في جانبها الإيجابي للبشرية – ، ويبيّن في موطن آخر خطورة هذه الحضارة علي أخلاق الإنسان ، فيقول : ” صدقوني ، إنّ أوروبا هي أكبر عائق في سبيل الرقي الأخلاقي للإنسان “!

يصوّر ( أكبر حسين الإله آبادي ) الشاعر الهندي – كما ذكر ذلك ( أبو الحسن الندوي ) – حياة الإنسان المهدّدة – في أوائل القرن العشرين – في ظل هذه الحضارة الحديثة ، فيقول :

” إن الحياة لم تكن أضيع عند الأسود المفترسة في المآسد ، والذئاب الضارية في أرضها ، منها في أشد الشوارع ازدحاماً ، وأكثر الأسواق عمراناً في كبريات مدن أوروبا وأمريكا ، وأرقي مراكز العلم والنور ، والحضارة والعمران ، والأمن والنظام ، في وسط الزحام أمام الشرطة والجنود . ففي نور الشمس في النهار وفي نور الكهرباء في الليل – والفرق بينهما قليل – يُتخطّف الناس ، وتُهتك الحرمات ، وتُنهب الأموال ، ويُقطع الطريق ، وتهرب الشيوخ والشبان ، فضلا عن المتاع ، فضلا عن الأطفال .. “!

وأردف الشاعر الهندي كلامه بنماذج لجرائم واقعية ارتكبت – في أرقى البلاد حضارة وعمرانا – ، تمثّل غاية القسوة الإنسانية ..

ويبقي السؤال : إذا حدثت هذه الجرائم الوحشية ، في بلاد تحكمها المادية الطاغية ، فما المسوّغ أن يُوجد بعض نظائرها في بلاد – الأصل فيها – يحكمها الخلق والدين ؟!!

وإذا تخبّط إنسان الغرب وانحرف عن غايته ، نتيجة لفلسفته المادية ، فما عذر إنسان الشرق إذا تاه عن غايته ، وانغمس في المادّية ، وقد سطعت في بلاده شمس الهداية الربّانية ؟!

إنّ الإنسان لا تزكو نفسه ، ولا تصفو روحه ، ولا يرقى خلقه ، ولا يسمو فكره ، إلا إذا انقاد بوحي السماء!

” أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ” (الأنعام ، 122)

وما زلت أقف طويلا متأملا – وأنا أرمق عن كثب ما آل إليه حال الإنسان ، في ظل هذه الحضارة الحديثة – ما قاله أنس – رضي الله عنه – : ما خطبنا رسول الله – صلي الله عليه وسلم – إلا قال : ” لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له ” (حديث صحيح ، رواه أحمد في مسنده).

وما أجمل ما قاله ( محمد إقبال ) :

إذَا الإيِمَانُ ضَاعَ فَلَاَ أَماَنُ ** وَلَاَ دُنْيَا لِمَنْ لَمْ يُحيِّ دِيْنَا
وَمَنْ رَضِيَ الحَيَاةَ بِغِيْرِ دِيْنٍ ** فَقَدْ جَعَلَ الفَنَاءَ لَهَا قَرِيْنَا

———-

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

القره داغي يشارك في لقاء فكري مع بلال أردوغان ونخبة من العلماء في تركيا

سماحة الشيخ علي محيي الدين القره داغي يشارك في لقاء

الاتحاد يعزي في وفاة فضيلة الشيخ الملا عزيز حافظ نوزير

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً

الزكاة والعمران – نظرية قرآنية في العمران الاقتصادي والاجتماعي

مقدمة: الزكاة بين الفقه والعمران حين تُذكر الزكاة في كثير

آخر المقالات

100%