آخر الأخبار

رحيل رجل الميدان والمنبر العلامة سلمان الندوي 

شارك المقال على:

الموت حق على كل ذي نَفَس، وهو قانون الكون الصارم الذي لا مفر منه لأحد. غير أن بعض الميتات لا تدل فحسب على توقف نبض، بل هي في الحقيقة إيذان بانطواء صفحة مشعة من صفحات عصر كامل إلى الأبد. بعد رحيل هؤلاء، تشرق الشمس كعادتها، وتظل الأسواق عامرة، وتمضي عقارب الساعة في دورانها الرتيب، لكن جذوةً ما تكون قد انطفأت في مكان ما، جذوة لا يمكن لأي سراج آخر أن يسد مسدها أو يعوض غيابها.

هذه هي الحال عينها التي تملكتني وأنا في مطاف الكعبة المشرفة، في تلك الساعات السديمية قبيل الفجر ونحن نرقب بزوغ الضياء؛ حين قذفت إليّ شاشة الهاتف بوعيد خبرٍ استلّ نبض فؤادي لبرهة. لقد رحل مرشدي ومربيّ وأستاذي الفاضل، العلامة السيد سلمان الحسيني الندوي، عن هذه الدنيا، ومضى يطوي حقائب السفر مستعداً للرحيل عن تلك الروضة العلمية والعرفانية التي ملأ أرجاءها بوجوده على مدى نصف قرن.

بقي بلاط المطاف الرخامي ثابتاً في مكانه، وظل غلاف الحجر الأسود يتلألأ ببريق السنا، واستمرت أقدام الطائفين تسعى في خطوها الراتب، لكن العين الرائية لم تعد هي ذاتها، ونزل في صدري صمت ووجوم تعجز ألسن البيان عن وصفه. وليت هذا الأسى كان على مجرد سفره إلى الدار الآخرة؛ فمن نذر لله في سبيل الدين كل نَفَس من أنفاس حياته، لا يعدّ سفره هذا إلا رحلة وصال، ورحلة قبول عند رب العزة. إنما الأسى كل الأسى على ذاك الفراغ الذي استحال اليوم أن يُسدّ.

ذاك الفؤاد الذي كان يزهو ببريق الإخلاص والإيمان

أبلغوا خصوم الإخلاص والإيمان أنه هو الآخر قد غاب

إن موت العالِم في حقيقته ليس موتاً واحداً، بل هو ميتات شتى. الموت الأول هو ما تبصره العين وتسمعه الأذن: وساد الجسد تحت الثرى. لكن الموت الأعمق والأدهى هو حين يُدفن مع العالِم ذلك الكون الفكري الفريد، الذي شيد بنيانه عبر سنوات طوال من المدارسة والمشاهدة والمجاهدة في صدره، إذ يستحيل إحياء هذا الكون عينه في عقل شخص آخر. فقد يقرأ عالمان الكتب نفسها، بيد أنهما يخلصان إلى نتائج متباينة تماماً. فكل صاحب علم هو ملتقى فريد لأساتذته وتجاربه وبصيرته، ملتقى لا يمكن تكراره أبداً.

وهناك موت ثالث، أشد صمتاً، وأعظم خطراً بالتبعية: وهو حين يأخذ العالِم معه كل المآلات والآفاق المستقبلية التي لم يشهدها العالم بعد؛ تلك الكتب التي لم تُخطّ بعد، وتلك المؤسسات التي لم تزل مجرد معالم في خياله، وتلك الأسئلة الكامنة التي لم تطرأ على بال سائل بعد. على هذا الميزان ينبغي لنا أن نزن فاجعة رحيل العلامة سلمان الحسيني الندوي (رحمه الله). فالمسألة ليست ما فقدناه نحن اليوم، بل ما ستفقده الأجيال القادمة غداً.

والسؤال هنا: هل موت العالِم مجرد توقف لجسده الفاني؟ إن القرآن يعلمنا أن العلم ليس إرثاً شخصياً لأحد بل هو أمانة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ (الأحزاب: 72)، وأن الإمامة في الدين لا تنزل طفرة من السماء، بل تولد من رحم مكابدة طويلة ومشقة بالغة قوامها الصبر واليقين: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24). بل إن القرآن الكريم وصف بعثة النبي محمد ﷺ في جوهرها بأنها بعثة معلّم: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: 2).

وكان العلامة سلمان الحسيني وعياً نابضاً بهذا الدرس. ففي أيام جائحة كورونا، حلّ ضيفاً على إحدى المؤسسات التعليمية تلبيةً لدعوتهم، فأُعجب بأصالة شغف الطلاب وهمتهم الطامحة إعجاباً جعله يقول: «إن الأمة اليوم بحاجة إلى التركيز على إعداد المعلمين والمربين أكثر من حاجتها إلى إقامة الحفلات والندوات؛ لأن الحضارات لا تحيا بالبنيان، بل تحيا بما تحويه صدور المعلمين». واليوم، تقف هذه العبارة بعد وفاته بمثابة اختبار وتحدٍّ أمام كل مؤسسة تشارك في عزائه وتتوشح بالسواد حزناً عليه.

إذن، فالمسألة ليست في أن العلامة قد ودعنا ومضى، بل السؤال الحقيقي: هل ما زالت محاضرنا العلمية قادرة، بتقدير الله المشيئتي، على إنجاب سلمان حسيني آخر؟ هل سنظل أمة تتقن الصلاة على الجنائز فحسب، أم سنغدو أمة تحذق صناعة رجال الحق وعلماء الصدق؟ 

حين فتح طفل عينيه عام 1954م في بلدة “منصور بور” بمظفر نجر، وسط ذلك البيت من “سادات بارهة” الذي ارتبطت هويته تاريخياً بالعلم والتقوى، لم يكن يخطر ببال أحد أن هذا الصبي سيغدو يوماً فصلاً لا يُنسى في تاريخ شبه القارة العلمي. غير أن بركة هذا النسب كانت عظيمة؛ فقد كان حفيد الدكتور السيد عبد العلي الحسني، الأخ الأكبر لمفكر الإسلام الشيخ السيد أبو الحسن علي الميان الندوي. وفيما بعد، حظي بشرف التتلمذ المباشر على يد علي الميان نفسه، لينصهر رباط النسب في بوثقة رباط العلم.

تفيأ ظلال دار العلوم لندوة العلماء وتشرّب من أجوائها المباركة، ونال شهادة العالمية والتخصص في الحديث عام 1976م، ثم يمم وجهه شطر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، حيث أتم مرحلة الماجستير عام 1980م. وقد حظي بمرتبة الشرف والبهجة بنيل الإشراف على أطروحته العلمية من لدن المحقق المدقق ذي النظرات العميقة العلامة عبد الفتاح أبو غدة. وفي مسالك السلوك والطريقة، نال الإجازة والخلافة من لدن الشيخ شاه نفيس الحسيني اللاهوري، والسيد محمد رابع الحسيني الندوي، والشيخ النقشبندي السوري سراج الدين (رحمهم الله جميعاً). ولنتذكر دائماً أن القرآن حين يذكر إرث الأنبياء، لا يتحدث قط عن التالد والطارف من المال والمتاع، إنما يتحدث عن امتداد الفكر والعمل وسلوك النهج؛ كقول زكريا عليه السلام في دعائه: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. ولقد كان العلامة سلمان الحسيني وارثاً لهذا الإرث العظيم بهذا المعنى بالذات.

لم تكن ذاته لتنحصر في قالب واحد. فإذا ما شرع في فتح مغاليق التفسير، خُيّل إليك أن أحداً قد أسلمك مفاتيح الخزائن المقفلة؛ فتنكشف حُجُب الآيات ببيانٍ يخيّل للسامع معه كأن تأويلات الطبري وابن كثير قد نالت لساناً فصيحاً تنطق به. وفي ميدان الحديث، كان جوهري الأسانيد، يزن الكلمات على محك الرواية والدراية، كأنما يميز اللؤلؤ الحر من الزائف المقلد. وكانت نظرته في دقائق أسماء الرجال واسعة الغور، حتى إن تسميته بـ “أنور شاه الكشميري” لعصره لا تعدو مبالغة بحال.

وفي الفقه وأصوله، كيف يغيب عن البال تلك الندوة التاريخية في ندوة العلماء، حين صال وجال في تقديم فقه الحنفية بأدلة بهرت الحاضرين وخلفتهم مبهوتين؟ ومع هذا كله، كان يورد ذكر المذاهب الأخرى بحيطة بالغة وأدب جم لا يخدش نفساً ولا يؤذي مشاعر. ملك ناصية اللغات الثلاث: العربية والأردية والإنجليزية على حد سواء، وكان هذا امتيازاً طوع له اعتراف المحب والمخالف. فقد حباه الله حلاوة منطق وجزالة بيان ونبرة لاهبة قلما تجد لها نظيراً بين معاصريه.

أما الخطابة! فلقد كانت جوهر شخصيته المطبوع، لا صفة عارضة. إذا ارتقى المنبر، ارتدت الكلمات تلقائياً حلة العلم، وأنصتت الجماهير الغفيرة حابسة أنفاسها. ولم ينحصر صوته في حدود الهند، بل طار فوق جبال العرب وصحاريها، وارتفع هادراً بآلام فلسطين، ومندداً بالفظائع المصبوبة على غزة. لقد كان حلقة سامقة في سلسلة الخطابة الكبرى بشبه القارة، تلك السلسلة التي قادها أبو الكلام آزاد، وسيد سليمان الندوي، وابوالحسن الندوي، فجعل من اللسان وسيلة لبناء الثقافة والحضارة لا لمجرد الشرح والإبانة. لكنه لم يكن ذلك العالم المنعزل في حجرة الدرس أو المقيد بحدود المنبر؛ بل كان رجل ميدان وعمل. أسس “جمعية شباب الإسلام”، وسقى “جامعة سيد أحمد الشهيد بكتولي” بدم جوفه، واقتحم ساحات السياسة والاجتماع بذات الجرأة التي يعتلي بها أعواد المنابر.

وكيف ينسى المرء ذلك المنعطف الحرج من قضية “المسجد البابري”، حين كانت الأمة تعيش في دوامة قلق عاصف؟ إذ قدم من فوق منصة “مجلس الأحوال الشخصية للمسلمين” مقترحاً لم يكن مجرد رد فعل ديني عاطفي، بل كان شاهداً على فراسة قائد مستشرف للمستقبل؛ حيث اقترح أن يُصار في مقابل الأرض المتنازع عليها إلى توفير موارد من الحكومة لإقامة مسجد ومؤسسة تعليمية كبرى، تضمن للأجيال القادمة غدها ومستقبلها. ورغم أن هذا المقترح نال قبولاً وتجاوباً على المستوى الحكومي، إلا أن سدنة السياسة الدينية التقليدية، وأرباب الكهانة الروحية الذين قامت هويتهم واقتياتهم على قضية البابري لم يطيقوا ذلك صبراً، مما دفع بالعلامة إلى التنحي واعتزال مجلس الأحوال الشخصية. وليس هذا ببدع في التاريخ؛ فالأمم كثيراً ما تنبذ مفكريها المستشرفين في اللحظة التي تكون فيها أحوج ما تكون إلى بصيرتهم، ثم تعود بعد قرون لتقبيل موطئ أقدامهم.

ثم جاء موقفه الذي جعل سنواته الأخيرة ساحة لابتلاء جديد؛ وهو فيضه في حب آل بيت الرسول ﷺ وإعظامهم، وإقراره بولاية المولى علي، وذكره للمحاسن والمناقب التي بدأ خلو الساحة السنية منها يورث وحشة ونقصاً. وإذ أدرك العلامة هذا الفراغ في وقته، هبّ لعلاجه وتقديم الحقائق ناصعة بالدليل والبرهان. وكان ثمة سبب رئيس آخر يتلخص في أن بعض التوجهات المعاصرة كانت تذكي سعي الفرقة والشتات والفوضى بين المسلمين. لذا قام مولانا بأداء فرض كفاية عبر نشر رسالة وحدة الأمة، عاقداً لواءها بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.

وفي تصريحات ومقابلات لا تحصى، جهر بعبارات قاطعة لا لبس فيها بأن رسالته موجهة للشيعة والسنة سواء بسواء دون تمييز؛ لأن القرآن نفسه يصدح: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (سورة الأنبياء)، وأن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء (سورة الأنعام، الآية 159). وكان مولانا يقول دائماً: إن أمضى سلاح في يد أعداء الأمة هو سياسة “فرّق تسد”، وأن كل من ينفخ في كير التفرقة بين المسلمين هو خائن لأمته وليس بناصح لها. وفي ظل هذا الظرف العالمي العصيب، والمنطقة تلتهب بنيران الحرب والدماء، رنّ صوته هذا بالحق داعياً للفلسطينيين والإيرانيين والأتراك والعرب بلا تفرقة.

لكن يبدو أن رجل الحق هذا قد نسي أن جزاء كلمة الصدق ليس دائماً محبة السامعين. فالإمام النسائي (رحمه الله) بذل مهجته في محبة هذا البيت الطاهر وعانى المحن والتعذيب في ذات السبيل، وبرز الأستاذ ليكون “نسائي” عصره وزمانه. وحين جهر بنبذ الفكر اليزيدي الذي رآه قرحة آكلة في جسد الأمة أثار بعض الكهنة الروحانيين في المعسكر السني وأتباع قتلة التاريخ غبار الفوضى والتبجح، ومارسوا ذات الأسلوب السمج الذي يواجه به المصلحون عبر التاريخ. هو النهج عينه الذي عومل به قاري طيب، والمودودي، وإقبال، وسير سيد، وأبو الكلام آزاد، ويوسف القرضاوي، وحسن البنا، ومحمد قطب. بل إن الإمام البخاري، والإمام النسائي، والإمام الشافعي (رحمهم الله) كانوا في غابر الأيام غرضاً لسهام الفئات الضيقة الأفق من سدنة الفكر السطحي في عهدهم، ممن أنكروا على أهل العلم جهادهم بالحق بدعوى مخالفتهم للإجماع والمصلحة السياسية.

والحقيقة الناصعة أن أي إجماع يخلو من التشريع الأ صيل أو يُبنى تحت وطأة الضغوط السياسية هو إجماع باطل ومردود، فالإجماع الحقيقي لا يقوم إلا في ضوء الكتاب والسنة. غير أن النواصب الممسوسين بالفكر اليزيدي جهدوا منذ اليوم الأول لصرف الأمة عن نهج آل البيت الأطهار. وجرى تجاهل الأمر النبوي وتغافله في صمت، والتعلق بأهداب روايات ضعيفة ومستردة تحت ستار التذرع بالصحابة، طلباً للإبقاء على الخلاف حياً وضماناً لقمة العيش واقتيات المناصب. وكان هذا بالرغم من وصية الرسول الأكرم المغلظة بالتمسك بالثقلين: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض».

بيد أن الروايات التي وضعتها الدولة الأموية بنشوة الملك وترجمها النواصب من بعدهم، أدخلت هذا الضلال في وعي الأمة، وغيّرت مأخذ الدين ومصدره، وبات الناس يُخوّفون بالروايات الضعيفة وباسم “السواد الأعظم”. إذ إن تحقق الوحدة وقيام الأمة الواحدة يعني زوال زعاماتهم وهجر عروشهم. هذا النهج الملتوي بدأ بالتمرد على المولى علي، وانتهى بقمة الجهل والتعصب؛ الثمن الذي يدفعه اليوم شباب الأمة الإسلامية عرباً وعجماً، فلسطينيين وإيرانيين، وهم يخوضون معركة البقاء في وجه سرطان النصب ومكايد السياسة.

وإلى جانب هذا كله، كان النواصب يحملون ضغينة أخرى: فلماذا لم تقع دار العلوم لندوة العلماء في شرك الانقسام أو الإغلاق الإداري رغم كل محاولاتهم ومكائدهم؟ لقد ألقوا بكل أنواع الطين على ساحة الشيخ، وحاولوا استفزازه، وسلكوا معه مسالك النفاق لعلهم يسرون برؤية الندوة شذر مذر. غير أن مولانا بقي طوداً شامخاً وثابتاً. وهذه هي سنة الله في خلقه، أن يعيش المصلحون غرباء في زمانهم. لكن شخصية مولانا قاومت هذه الغربة حتى النفس الأخير، والزمان شاهد على أن صفحات التاريخ تنتهي دوماً باحتضان أولئك الذين عاشوا لأجل الحق ولم يرهبوا الموت قط.

ثم حلت الساعة التي لا يملك دفعها أحد. فقبل أيام قلائل، عاد العلامة الحسيني من زيارة روضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وكأن الفؤاد كان يتوق لسفر من نوع آخر. وينقل نجله الأستاذ سفيان الحسيني أن آخر جملة جرت على لسانه قبل نومه لم تكن التفاتة لشهوة من شهوات الدنيا، بل كانت رغبة في وضع شرحي الحديث العظيمين: “فتح الباري” و”عمدة القاري” على طاولة مكتبه. فاللسان الذي عاش موصولاً بالكتاب طوال حياته، لم يقطعه الموت عن هذا الرباط الوثيق.

وفي صبيحة يوم 29 يونيو 2026م، الموافق 14 محرم 1448هـ، أشرقت سماء “لكهنؤ” كعادتها، لكن شمساً من شموس العلم كانت قد غابت إلى الأبد. عن عمر ناهز الثنتين والسبعين سنة، لبى العلامة نداء ربه. وأمّ صلاة الجنازة آلاف المشيعين المحزونين في جامعة سيد أحمد الشهيد بكتولي بـ “مليح آباد”، وأقيمت صلاة الغائب في بلدان شتى من بينها تركيا. ومن الهند إلى باكستان، ومن الخليج إلى تركيا، عبرت كل الأوساط العلمية والدينية عن بالغ لوعتها وأساها. حتى إن مدير الندوة، مولانا عبد العزيز البتكلي الذي كان زميل دراسته في الصبا ورغم ما كان بينهما من خلافات في وجهات النظر كان يذكره بلوعة شجية. واليوم هبّ بنفسه لزيارة بيته ثم مضى إلى كتولي ليشارك في صلاة الجنازة. وهذا المشهد ناطق بأن القلوب الكبيرة لا تضيق بالحب رغم الاختلاف، وأن التقاليد الندوية الأصيلة لا تذبل أبداً.

لقد حُجب هذا السراج العلمي الوهاج عن ناظرنا، لكنه ترك ضياءه ساطعاً في آلاف القلوب وفي مسيرة تراث كامل. تغمده الله بواسع مغفرته، وأفاض على قبره شآبيب النور، ورفع درجاته في عليين، وجعل علمه وقلمه وتربيته صدقة جارية في ميزانه.

د. حسن المدني الندوي
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

فتوى حول: ضوابط التعامل مع منظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها، في صرف أموال الزكاة ونحوها إليها

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين

هندسة الطمأنينة في وقت الحروب والأزمات: دراسة موضوعية في سورة القصص وتنزيلاتها المعاصرة

مقدمة علمية: أزمة المعنى وسياقات القهر تجتاح العالم المعاصر موجات

القره داغي يفتتح حفل تخريج حفاظ السنة النبوية بمشروع «القبة الخضراء»

افتتح سماحة الشيخ الأستاذ الدكتور علي محيي الدين القره داغي،

آخر المقالات

100%