آخر الأخبار

الكتاب الذي زاد عمري من ستين سنة إلى مليون مليون سنة

شارك المقال على:

ما أكثر ما يتحدث الناس عن أعمارهم إذا أدبرت، وما أكثر ما يرددون، في مجالسهم وخلواتهم، أنهم أضاعوا حياتهم، وأن أيامهم انقضت في غير طائل، وأن السنين التي ظنوها رأسمالهم الأعظم لم تكن، عند الحساب، إلا أوراقًا تذروها رياح النسيان. فإذا بلغ الإنسان آخر الطريق، ونظر وراءه، رأى أن أكثر ما شغل قلبه وأخذ من وقته قد انقضى كأنه لم يكن، وأن ما كان يظنه عظيمًا قد صار هينًا، وما كان يراه باقيًا قد أصبح أثرًا بعد عين.
وليس ذلك لأن الحياة قصيرة فحسب، بل لأن كثيرًا مما يملأ الحياة ليس من حقيقتها في شيء. فالحياة، في أكثر صورها، زبد يعلو وجه الماء ساعة ثم يذهب جفاء، وضجيج يملأ السمع ثم يسكت، وظلال تتحرك مع الشمس ثم لا تلبث أن تتلاشى. وما يبقى للإنسان، بعد أن ينقضي العمر، قليل قليل، حتى ليكاد يكون ما نفعه من عمره أقل بكثير مما ذهب منه.
وقد يظن المرء أن الجِدَّ في طلب العلم يكفي لإنقاذ العمر من الضياع، وهذا حق من وجه، ولكنه ليس الحق كله. فإن الإنسان إذا أقبل على علوم البشر، وأخلص لها عمره، وجمع من الكتب ما جمع، وحفظ من الآراء ما حفظ، وجد، بعد طول نظر، أن ما يجمعه من الظنون أكثر مما يجمعه من اليقين، وأن ما يختلف فيه الناس أكثر مما يتفقون عليه، وأن الحقيقة الخالصة أقل من أن تُنال في كل باب من أبواب المعرفة الإنسانية.
وليس في هذا انتقاص للعقل، وإنما هو بيان لطبيعته. فإن العقل الإنساني جليل القدر، عظيم المنزلة، ولكنه محدود، لا يرى إلا من نافذة الزمان والمكان، ولا يدرك إلا بقدر ما أتيح له أن يدرك. ولذلك اختلفت العقول كما تختلف الأنظار، وتعددت المذاهب كما تتعدد الطرق.
انظروا إلى الفلاسفة الذين عدّهم التاريخ عباقرة الإنسانية. لقد أفنوا أعمارهم في السؤال عن الوجود، وعن النفس، وعن الخير، وعن أصل الأشياء، وبنوا صروحًا من الفكر أدهشت معاصريهم، ثم جاء من بعدهم من هدمها، أو أصلحها، أو استبدل بها غيرها. وما كان عند قوم برهانًا قاطعًا، صار عند غيرهم وهمًا أو تخمينًا، بل إن في كتب الأقدمين اليوم آراءً يبتسم لها الأطفال قبل العلماء، لأنها قامت على ظنون لم تثبت، أو على تصورات تجاوزها العلم، أو على مقدمات لم تعد تقنع أحدًا.
وهكذا أدركت أن الفكر البشري، مهما علا، يبقى فكرًا بشريًا، يخطئ ويصيب، ويقترب من الحقيقة مرة، ويبتعد عنها مرات.
ثم قرأت القرآن.
ولست أعني أنني مررت على ألفاظه مرور القارئ، وإنما دخلت إليه طالبًا للحق، باحثًا عن المعرفة التي لا يعتريها الشك، فإذا بي أجد نفسي أمام كتاب يختلف عن كل ما عرفت من الكتب، لا اختلافًا في الأسلوب وحده، ولا في البلاغة وحدها، بل في طبيعة المعرفة التي يمنحها للقارئ.
لقد وجدت أنني لم أتعلم منه إلا الحق.
ولأول مرة أحسست أن العمر يمكن أن يتجاوز حدوده الطبيعية، وأن الإنسان قد يعيش عشرات السنين، ولكنه إذا أتيح له أن ينظر إلى الوجود بعين الوحي، صار كأنه عاش منذ بدء الخليقة، وشهد أطوار الكون كلها.
لقد تعلمت من هذا الكتاب خبر الخلق قبل أن تُخلق السماوات والأرض، وقبل أن توجد الشمس والقمر، وقبل أن تسطع النجوم والكواكب، وقبل أن يعرف الإنسان نفسه أو يعرف الأرض التي يمشي عليها. وانتقل فكري، في لحظات، إلى آفاق لا يبلغها الخيال وحده، ولا يصل إليها العقل المجرد مهما أوتي من قوة.
ثم تعلمت خلق السماوات والأرض، وعلمت أن هذا الكون لم يكن حادثًا بغير حكمة، ولا قائمًا على المصادفة، بل هو أثر إرادة عليا، وعلم محيط، وحكمة لا تتطرق إليها العبثية. وصارت الشمس والقمر، والليل والنهار، والنجوم والكواكب، بعد أن كانت في نظري أجرامًا عظيمة، آيات تشير إلى ما هو أعظم منها، ودلائل تقود إلى من أبدعها وسخرها وأقامها على نظام لا يختل.
بل تعلمت العرش والكرسي، لا لأحيط بحقيقتهما، فإن ذلك مما استأثر الله بعلمه، ولكن لأدرك أن سلطان الله أعظم من أن يحيط به خيال، وأن ملكه أوسع من أن يتصوره عقل، وأن هذا الكون الذي نراه واسعًا ليس إلا جزءًا يسيرًا من عالم الغيب الذي أخبرنا الله عنه.
بل وتعلمت فوق ذلك كله من هو خالق هذا الوجود، وما صفاته التي وصف بها نفسه، كما أنزلها في كتابه، لا كما نسجتها الظنون، ولا كما صورتها الفلسفات، ولا كما اختلفت فيها الأهواء. فعرفت ربًا أول بلا ابتداء، وآخر بلا انتهاء، وظاهرًا لا يعلوه شيء، وباطنًا لا يدركه شيء، عليمًا بكل شيء، قديرًا على كل شيء، رحيمًا بخلقه، عادلًا في قضائه، حكيمًا في أمره.
ثم تعلمت ما سيؤول إليه أمر الخلق جميعًا؛ أن هذه الحياة ليست إلا مرحلة قصيرة في رحلة أطول، وأن الموت ليس نهاية الإنسان، بل بداية انتقاله إلى دار أخرى، وأن التاريخ كله يسير إلى يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيقضي بينهم بالحق، فلا يضيع عمل عامل، ولا يذهب خير محسن، ولا يفلت ظالم من عدله.
أي كتاب آخر يستطيع أن يهب الإنسان هذا كله؟ أي كتاب ينقلك، في دقائق معدودات، من بدء الخلق إلى نهاية التاريخ، ومن عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ومن معرفة الكون إلى معرفة خالق الكون، ومن أخبار الإنسان إلى مصير الإنسانية كلها؟
لقد شعرت أنني نلت، في ثوانٍ ودقائق، ما لا يستطيع غير هذا الكتاب أن يمنحه للإنسان ولو قضى في طلبه آلاف السنين. وليس ذلك لأن القرآن كتاب في كل علم من العلوم على الطريقة التي يصنف بها البشر كتبهم، وإنما لأنه يمنح الإنسان الأصول التي تنتظم بها العلوم، والميزان الذي توزن به المعارف، والنور الذي يميز به بين اليقين والظن، وبين الحق والباطل، وبين ما يبقى وما يزول.
ولذلك لم أشعر، بعد القرآن، أنني ازدادت معلوماتي فحسب، بل شعرت أنني ازدادت حياتي نفسها. فالعمر ليس عدد السنوات، وإنما هو مقدار ما يحيط به الإنسان من الحقيقة. وكلما اتسعت دائرة الحقيقة اتسع العمر، ولو بقيت السنوات كما هي.
ولهذا أقول، غير متكلف ولا مبالغ: إن هذا الكتاب زاد عمري من ستين سنة إلى مليون مليون سنة. فأنا، حين أقرأه، لا أعيش في سنة ميلادي، ولا في القرن الذي أنتمي إليه، بل أعيش مع بدء الخلق، وأشهد قصص الأنبياء، وأتأمل سنن الله في الأمم، وأنظر في نظام السماوات والأرض، وأنتقل بفكري إلى اليوم الآخر، حتى يصبح الماضي والحاضر والمستقبل أمام القلب كأنها صفحة واحدة، يجمعها كلام الله الواحد.
إنه كتاب كله حق؛ لأن مصدره الحق سبحانه. وهو كتاب عميق؛ لأن معانيه لا تنقضي، وكلما عاد إليه العقل وجد فيه ما لم يكن قد وجده من قبل. وهو كتاب واسع؛ لأنه لا يخاطب عصرًا دون عصر، ولا أمة دون أمة، ولا جيلًا دون جيل، بل يخاطب الإنسان من حيث هو إنسان، ويأخذ بيده من حدود الأرض إلى آفاق السماء، ومن ضيق الزمن إلى سعة الأبد.
ولذلك لم يزدني القرآن علمًا فحسب، بل زادني عمرًا؛ إذ جعل الستين سنة نافذةً أطل منها على الأزل والأبد، وأشهد بها ما كان قبل وجود الإنسان، وأتأمل ما سيكون بعد انقضاء الدنيا، وأعرف بها من هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، سبحانه وتعالى. فإذا قيل لي: كم عشت؟ لم أعد أجد الجواب في عدد السنين، وإنما أجده في سعة الأفق الذي فتحه هذا الكتاب، وفي الرحلة التي أخذني إليها، رحلةٍ تجاوزت حدود الزمان والمكان، حتى أحسست أن عمري لم يعد ستين سنة، بل صار، بمعيار المعرفة التي وهبها الله لي بكتابه، مليون مليون سنة.

محمد أكرم الندوي
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

فتاوى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وأثرها في المجتمعات الإسلامية

تحتل الفتوى منزلة رفيعة في البناء الحضاري للأمة الإسلامية، إذ

تعزية سماحة الشيخ علي القره داغي بوفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

بسم الله الرحمن الرحيم﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ

الاتحاد يعزي في وفاة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

بسم الله الرحمن الرحيم﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ

آخر المقالات

100%