آخر الأخبار

أبو بكر الصديق رجل المواقف

شارك المقال على:

ما إن انتقل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى حتى وجدت الأمة نفسها أمام اختبارين عظيمين: الأولى:أزمة داخلية تهدد تماسك الدولة الوليدة.
والثانية:أزمة خارجية تستهدف وجودها ورسالتها ومستقبلها.
أما الأزمة الداخلية، فقد تمثلت في ضرورة اختيار الرجل الأكفأ والأصلح لحمل أمانة القيادة، والقيام على المشروع النبوي العظيم الذي أرسى دعائمه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وحفظه من التصدع والانهيار. إذ كان غياب القيادة في تلك اللحظات الحرجة كفيلاً بأن يفضي إلى تفكك الدولة التي شيدها النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، وأن تمتد آثار ذلك إلى سائر الأمصار والقبائل التي دخلت تحت راية الإسلام.
ولم يكن المقام يومئذ مقام استسلام للأحزان، ولا وقت انشغال بالبكاء والعويل ـ على الرغم من عظم المصيبة وجلالة الفقد ـ وإنما كان مقام ثبات ورباطة جأش، واحتواء للصدمة، ومواصلة للمسيرة، وصيانة للمشروع الإسلامي العالمي الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم) لهداية البشرية جمعاء، فكانت السقيفة أولى جلسات اختيار الاكفأ والاجدر على حمل الأمانة، لا كما يسوقه الآخرون، على أنها جلسة تنافس على المناصب، اذ لا ينبغي لمن تربى وتتلمذ على يد محمد (صلى الله عليه وسلم) و تخرج من مدرسته قادة ورجالا أن يتنافسوا على منصب أو كرسي، فالطعن بهم طعن بمن رباهم وعلمهم.
وهنا برز أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) شامخاً بثباته وحكمته، فأعاد للأمة توازنها، وردَّ الأمور إلى نصابها، وذكَّر الناس بأن من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم قُدِّمت مصلحة الأمة ووحدة صفها، فأُنجز أمر البيعة، واختيرت القيادة الجديدة، وتأخر دفن النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى استقر أمر الخلافة، لتمضي سفينة الدعوة في مسارها الذي أراده الله لها، وتستمر الرسالة في أداء دورها الحضاري والإنساني.
وأما الأزمة الخارجية، فقد تجلت في موجة الردة التي اندلعت عقب وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، وقادها الحاقدون والمتربصون بهذا الدين، وانضم إليها قوم دخلوا الإسلام في زمن القوة والتمكين، دون أن تترسخ جذور الإيمان في نفوسهم، إذ كثيراً ما تجذب القوة الصاعدة أصحاب المصالح والضعفاء، فإذا خبت مظاهرها أو ظنوا أفولها انقلبوا على أعقابهم.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ۝ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، فقد دخلت جموع كثيرة في الإسلام يوم كان في أوج قوته وامتداده، فلما توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) توهم المتربصون أن عقد الدولة قد انفرط، وأن الأمة ستتداعى بموت قائدها، فرفع أهل الأهواء رايات الردة، وأظهر المشككون ضعف يقينهم، وظن الأعداء أن ساعة الانهيار قد أزفت.
غير أن أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) وقف مرة أخرى كالطود الراسخ، ليؤكد أن الأمة التي تحمل رسالة السماء لا تموت بموت الرجال، وأن الدين الذي صنع أمة لن تنال منه الأزمات ولا تهزمه المؤامرات. ومن هنا صدع بموقفه الخالد حين قال: «والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لقاتلتهم عليه»، وقال كلمته التي عبرت عن عظمة يقينه وصلابة عزيمته: «أينقص الدين وأنا حي؟».
ولئن بدا الأمر في ظاهره نزاعاً حول الزكاة، فإنه في حقيقته كان معركةً من أجل اعادة هيبة الدولة ووحدة الأمة وسيادة الشريعة، وبناء قطب حضاري قوي لا تُكسر شوكته ولا يُسمح لأحد بالعبث بثوابته أو التمرد على سلطانه.
فحمل الصديق (رضي الله عنه) لواء المواجهة، وقاتل المرتدين حتى دحرهم، وكسر شوكتهم، وأعاد للأمة وحدتها وهيبتها، ثم لم يكتف بذلك، بل فتح للأمة آفاقاً جديدة، فوجه الجيوش إلى أعظم قوتين في ذلك العصر: إمبراطورية فارس في العراق، والإمبراطورية الرومية في الشام، لتبدأ الفتوحات الإسلامية مسيرتها المباركة نحو العالم، حاملة إلى البشرية نور الوحي، ورحمة السماء، وهداية الرسالة الخاتمة.
وهكذا انطلقت الأمة من جديد، لا لتطلب سلطاناً ولا توسعاً مجرداً، وإنما لتبلغ الناس رسالة ربها، وتوصل إليهم الرحمة الإلهية والنور المحمدي والهداية الربانية، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
فرضي الله عن أبي بكر الصديق الذي لم يكن مجرد خليفة تولى إدارة مرحلة انتقالية، بل كان رجل اللحظة التاريخية الذي حفظ الله به وحدة الأمة، وصان به الدولة الناشئة من التفكك الداخلي، وأفشل به محاولات الانقضاض الخارجي، فاستحقت خلافته أن تكون امتداداً مباشراً للمشروع النبوي وحمايةً له.
وصدق فيه قول القائل:
لولا الخلافةُ لم تُشَدَّ دعائمٌ
ولغاضَ في لُجَجِ الفتنِ الإيمانُ.
لكنَّ صدِّيقَ الأمةِ استمسكَ
الهدى فاستوثقَ البنيانُ والأركانُ.
………….
الشيخ خضر عبدالله السبعاوي
عضو المجمع الفقهي العراقي/نينوى

خضر عبدالله السبعاوي
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ التَّاسِعِ

(مِنْ طُغْيَانِ فِرْعَوْنَ.. إِلَى قَوَانِينِ النَّصْرِ الحَقِيقِيَّة)أيها القراء الكرام، نعيش

أزمة العدالة تمتد من فلسطين إلى الملاعب

قراءة مقاصدية في سقوط القيم الرياضية أمام منطق القوة والشهرة

الحج والعمران – كيف يسهم الحج في بناء العمران الإنساني والحضاري؟

المقدمة الحج بين الوحدة الإيمانية وبناء العمران حين يُذكر الحج،

آخر المقالات

100%