آخر الأخبار

الحج وتأثيره في القيم الأخلاقية

شارك المقال على:

الحج مدرسة تربوية كبرى للنفس البشرية لضبط شهواتها وكبح جنوحها وإطلاق كوامن الخير فيها… فالحج توبة، وتجديد للنفس المسلمة، وتعويد لها على الطاعة، وتذكير بالساعة، وسبيل إلى التقوى.

لاشك أن المسلم يحتاج إلى إفاقة وإلى صحوة تغير مجرى حياته ، وتذكره سلبياته وهفواته، وتشده إلى خالقه ومولاه من جديد، فكان فرض حج بيت الله على كل مسلم.

ففي هذا السفر للحج تدريب على ركوب المشقات، ومفارقة الأهل والوطن، والتضحية بالراحة والدعة في الحياة الرتيبة بين الآل والصحاب، وفي ذلك تربية للمسلم على احتمال الشدائد، والصبر على المكاره، ومواجهة الحياة كما فطرها الله بأزهارها وأشواكها، بشهدها وصابها، بحرها وقرها. فهو يلتقي مع الصوم في إعداد المسلم للجهاد.

وحياة الحاج أشبه بحياة الكشاف في بساطتها وخشونتها، حياة تنقل وارتحال، واعتماد على النفس، وبعد عن الترف والتكلف والتعقيد، الذي يناسب حياة الخيام في منى وعرفات.

وقد تجلت هذه الحكمة حين جعل الله الحج دائراً مع السنة القمرية، فأشهر الحج المعلومات تبدأ بشهر شوال، وتنتهي بذي الحجة، وهي أشهر – كما نعلم – تأتي أحيانا في وقدة الصيف وأحيانا في برد الشتاء، ليكون المسلم على استعداد لتحمل كل الأجواء، والاصطبار على كل ألوان الصعوبات(1).

يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي: (لما كان الحج سفرا طويلا في غالب الأحيان، وقد قال الله تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج: 27)، وانتقال من حال إلى حال، ويكثر فيه الاختلاط، وتطول الزمالة، وتتنوع المعاملات، كان ذلك مثارا لكثير من المحظورات والمغريات والمناقشات، وكثيرا ما تثور النفس ويضيق الصدر، وينفذ الصبر، فليلجأ الحاج إلى ما يتحاشى عنه في الوطن والإقامة، والأحوال العادية، ويتورط في بعض المعاصي والأخلاق القبيحة، وما ينافي روح الحج ومقاصده، فجاء النهي عن ذلك بصفة خاصة في الحج، لان الحج مظنة قوية له، فقال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ) (البقرة: 197) وقد أسبغت هذه التشريعات، وهذه الأحكام التي تتصل بالقلب والجوارح، والقصد والعمل، والزمان والمكان، على الحج لباسا من القدس والطهر، والتورع والتقشف، والمراقبة لله تعالى والحسبة للنفس، والجهاد لا يشاركه فيه ما يماثله، أو يدخل في موضوعه في الديانات الأخرى وطوائف الأمم، وكانت لها آثار عميقة في النفس والأخلاق والحياة)(2).

فالالتزام بهذه المحظورات هو من الطاعة وعدم الفسوق، والوقوع في شيء منها تعمدا هو من الفسوق، وأما الجدال فهو: الخصام مع الحزم والرفعة والمماراة مع الناس للتغالب وحظ النفس حتى يؤدي إلى الغضب(3).

والنص القرآني قد ذكر هذه الألفاظ بعينها وهي: الرفث، والفسوق، والجدال، لحكمة تهذيبية لأخلاق الحاج، كما أشار إلى ذلك الفخر الرازي رحمه الله في تفسيره بقوله: الحكمة في أن الله تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة لا أزيد ولا أنقص وهو قوله: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ) وهي أنه قد ثبت في العلوم العقلية أن الإنسان فيه قوى أربع: قوى شهوانية بهيمية، وقوى غضبية سبعية، وقوى وهمية شهوانية، وقوة عقلية ملكية، والمقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاثة أعني الشهوات الغضبية والوهمية فقوله: (فَلا رَفَثَ) إشارة إلى قهر القوة الشهوانية، وقوله (وَلا فُسُوقَ) إشارة إلى قهر القوة الغضبية التي توجب التمرد والغضب وقوله: (وَلا جِدَالَ) إشارة إلى القوة الوهمية التي تحمل الإنسان على الجدال في ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهي الباعث للإنسان على منازعة الناس ومماراتهم والمخاصمة معهم في كل شيء، فلما كان منشأ الشر محصوراً في هذه الأمور الثلاثة لاجرم قال: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ)(4).

إن الحج شحنة روحية كبيرة، يتزود بها المسلم، فتملأ جوانحه خشية وتقى لله، وعزما على طاعته، وندما على معصيته، وتغذى فيه عاطفة الحب لله ولرسول الله، ولمن عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه، وتوقظ فيه مشاعر الأخوة لأبناء دينه في كل مكان، وتوقد في صدره شعلة الحماسة لدينه، والغيرة على حرماته.

إن الأرض المقدسة ومالها من ذكريات، وشعائر الحج ومالها من اثر في النفس، وقوة الجماعة ومالها من إيحاء في الفكر والسلوك.. كل هذا يترك أثره واضحا في أعماق المسلم، فيعود من رحلته أصفى قلبا، واطهر مسلكا، واقوي عزيمة على الخير، واصلب عودا أمام مغريات الشر. وكلما كان حجه مبرورا خالصا له كان أثره في حياته المستقبلة يقينا لا ريب فيه، فان هذه الشحنة الروحية العاطفية، تهز كيانه المعنوي هزا، بل تنشئه خلقا آخر، وتعيده كأنما هو مولود جديد يستقبل الحياة وكله طهر ونقاء. ومن هنا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)(5).

فهي رحلة تفيض بالروحانية العالية والأشواق الغالية، وقد جعلها الشارع رحلة تهذيبية لخلق المسلم بما أمر فيها من واجبات ونهى فيها عن محظورات، وكل ما يؤديه الحاج من نسك من خروجه إلى عودته هو لتحقيق أهداف إصلاحية في شتى النواحي، وخاصة الناحية الخلقية لدى المسلم.

وفي أحكام الحج ما يساعد على أحكام هذه السيطرة على كل الجوارح والمشاعر القوية في النفس البشرية بما فرضه الله تعالى أو نبيه صلى الله عليه وسلم من عقوبات مالية على من تجاوز شيئا من محظورات الإحرام أو واجبات الحج.

هذه العقوبات تضبط بقوة كثيرا من الذين قد لا يقدرون على جوارحهم وتصرفاتهم إلاّ بادراك عاقبة أفعالهم، وأنهم سيدفعون على كل تصرف خارج عن دائرة المناسك والمشاعر ما يرهق كاهلهم، ولا يعقل أن يتعمد احد فعل شيء من ذلك مع تذرعه بقدرته على ذبح الفداء، بل إن المسلم يمتثل لذلك قربة إلى الله وحبا في شعائر الله تعالى، ورغبة في محو زلاته وغفران ذنوبه، لكن لا شك أن النفس البشرية تحتاج إلى العقوبات الوقائية والرادعة إذا خالف ما أمر به.

والحق إن هذا الانضباط الكامل في نظرات العين، وكلمات اللسان وحركات اليد، وخطرات القلب ورغبات الفرج يفضى إلى تزكية الأخلاق، لان هذه منافذ مكارم الأخلاق وسفاسفها، فان تدرب بين الحين والآخر على ضبطها انطلقت كوامن الخير فيه وتفجرت ينابيع البر في كل تصرفاته وإلاّ فكم من ذوي رغبات سامية انحدر بهم انفلات زمام التحكم في جوارحهم وشهواتهم.

كما يساهم الحج مع العبادات الأخرى في تخلق المسلم بالكرم والجود فهو يبذل مالا كثيرا ابتغاء مرضاة الله تعالى، وينفق دون تبرم في الفداء أن سها أو تجاوز في شيء من واجبات الحج أو محظورات الإحرام، ويسوق الهدى ويذبح وجوباً متمتعاً أو قارناً، أو تطوعاً إن كان مفرداً: ليطعم القانع والمعتر، الصديق والرفيق في السفر، بل إن من المندوبات في الحج أن يكثر الإنسان زاده ليعطر رفقاءه في الحج ويتعود كثرة البذل.

فالحج مدرسة للتربية على الأخلاق الفاضلة من الحلم والعفو والصفح والتسامح الإيثار والرحمة والتعاون والإحسان والبذل والكرم والجود.. فهي رحلة تسفر عن أخلاق الرجال وتسهم إسهامًا عظيمًا في تعديل السلوك السيئ إلى الحسن.

فلا بد للحاجَّ أن يتخلق بالأخلاقَ الحسنةَ، ويربِّيَ نفسه على الخصال الحميدة ليتحلَّى بها، وبالمُقابِل لا بد للحاج التخلِّي عن الأخلاق المذمومة، وهي ـ وإِنْ كانَتْ مَنْهِيًّا عنها في كُلِّ الأوقات ـ إلَّا أنها في الحجِّ آكَدُ وبالحاجِّ أحقُّ وأليقُ، فيكون في حذر، بأَنْ لا يَرْفُثَ ولا يَفْسُقَ ولا يُجادِلَ ولا يُشاحِن ولا يُزاحِمَ الناسَ ولا يؤذيَ أحَدًا منهم، ولا يُطْلِقَ لسانَه في أعراضهم؛ فلا يستمعُ إلى مُنْكَرٍ مِنَ القول وزورٍ، ولا يسبُّ ولا يشتم ولا يرائي ولا يَظْلِم ولا يظنُّ بأحَدٍ سوءًا ولا يُضْمِر له شرًّا ولا ينظر إليه بعينِ الاحتقار ولا يشتغل بسَفاسِفِ القضايا ولا حقائِرِ الأمور، وغير ذلك ممَّا وَرَدَ النهيُ عنه وحذَّر الشارعُ منه.

وقد بين الأستاذ سعيد حوى أن من آداب الحج التوسع في الزاد وطيب النفس بالبذل والإنفاق من غير تقتير ولا إسراف.. وكثرة البذل لا إسراف فيه، قال ابن عمر رضي الله عنهما: من كرم الرجل طيب زاده في سفره.. وقيل إن الحج المبرور يعنى طيب الكلام وإطعام الطعام، وكل ذلك من الأعمال الأخلاقية التي كانت لعبادة الحج تأثير كبير في تثبيتها(6).

الهوامش

(1) العبادة في الإسلام: 288.

(2) الأركان الأربعة للأستاذ أبي الحسن الندوي: 258-259.

(3) البحر المحيط: 3/87؛ وروح المعاني: 1/86.

(4) التفسير الكبير: 5/180، 181.

(5) رواه البخاري (1521)، في الحج، ومسلم (1350) في الحج.

(6) أنظر المستخلص في تزكية الأنفس للأستاذ سعيد حوى: 66، والآثار التربوية للعبادات: 68-69.

دحام إبراهيم الهسنياني
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

غازي عنتاب تحتضن الاجتماع التشاوري الأول لرؤساء الجامعات الإسلامية

انطلقت في مدينة غازي عنتاب التركية أعمال الاجتماع التشاوري الأول

دور الاتحاد في الدفاع عن الأقليات المسلمة

تعد قضية الأقليات المسلمة من أبرز القضايا التي تواجه الأمة

نظرية داروين والرد عليها بالأدلة الشرعية والعقلية.

من النظريات التي ظهرت في العصر الحديث نظرية داروين، التي

آخر المقالات

100%