آخر الأخبار

التقنية الحديثة لم تُبقِ عذراً لأحد

شارك المقال على:

لم تُبقِ التقنية الحديثة عذراً لأحد، فقد باتت أحداث العالم بين أيدينا، نقلب مشاهدها عبر هواتفنا الذكية، كوارث وحروب، جرائم وإبادة، ظلم واضطهاد، نتابعها عبر وسائل التواصل الحديثة بدرجة وضوح عالية، ننظر إليها أحيانا بعيون دامعة حزينة، وأحيانا بنظرات جوفاء خالية من المشاعر، وأعين حولاء زائغة.

تحاول أن تتخطى مشاهد الدمار بسرعة فائقة، كأننا نتهرب من رؤية عجزنا وضعفنا، وذلنا وهواننا، ومهما حاولنا التهرب من رؤيتها، ستبقى آثارها محفورة في قلوبنا؛ إذ تكفي لقطة عابرة تتسلل إليها لطفل مكلوم، أو أم ثكلى، أو رجل يبكي قهراً من العجز والخذلان والهوان.

لقطة واحدة تكفي لتزيل عن أعيننا الغشاوة، ولتدمر حاجز الاعتياد واللامبالاة الذي حاولنا عبثا أن نبنيه حولنا، لنقنع أنفسنا بأننا عجزة معذورون لا نملك لهم نفعاً ولا ضراً! وسيبقى الشعور بالعار والشنار يلاحقنا ما لم نفعل شيئاً جاداً، يخرجنا من دائرة الانكسار والانحسار، إلى دائرة النهوض والطوفان.

إن كان قد أصابك ما ذكرت، فاحمد الله واعلم أنك ما زلت تحمل قلبا حيا، ونفسا لوامة ترجو النجاة، ولا يُعدم الخير منك، ولكننا مع ذلك فاعلم أننا ما زلنا في بداية الطريق، ولن نبلغ الغاية إن بقينا جامدين بلا حراك، مقيدين بلا فكاك، صامتين لا نأمر بمعروف، ولا ننهى عن منكر، نمني النفس بالآمال بلا أعمال، نقدم الدنيا الفانية، على الآخرة الباقية!

وأما إن اعتدت المشهد، ولم تهزك أهوال المذابح والمجازر، ولم تحرك في نفسك المشاعر، فاعلم أن قلبك قد تحجر، وسكن الشيطان فيه وعسكر، ولا خلاص حينها إلا بتوبة صادقة، وعودة إلى الله عاجلة، قبل أن يدركنا الموت، ونندب حظنا على الفوت.

بداية الطريق.. من الوعي إلى التغيير
والجاد في الوصول إلى الغاية، يسأل نفسه كيف السبيل وما البداية؟

أمَا وقد وضعت قدميك على الطريق، وعزمت جاداً في المسير، فاعلم أنه طريق محفوف بالمكاره والأخطار، غير أن عاقبته خير وبشائر، وهو طريق الفلاح الوحيد (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) (الأنعام: 153)، من ثبت عليه اهتدى ونجا، ومن زاغ عنه ضل وغوى.

وإن سألت: كيف أبدأ بالتغيير؟

فالجواب يأتي واضحاً جلياً كهزيم الرعد، حيث جعل الله التغيير مرتبطا بأفعال العباد واختياراتهم، قال الحق تعالى في سورة الرعد: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، فإن أطعنا الله واستقمنا كانت عاقبتنا خيرا، وإن عصينا وانحرفنا كانت عاقبتنا شراً، فمردّ ما أصابنا من ذلّ وهوان، وتفرق وانقسام، إلى حصائد أفعالنا السيئة، وقراراتنا الخاطئة، وإن رُمنا العزة والكرامة، والوحدة والصدارة، فلنبدأ بتغيير أنفسنا، وهذه سنة الله في التغيير؛ (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (فاطر: 43) فقانون الله ثابت لا يتخلف ولا يتبدل.

وبشّر الله بالفلاح من زكى نفسه؛ أي طهرها بفعل الطاعات، قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) (الشمس: 9)، وقال: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى) (الأعلى: 14)، وبالخيبة من دساها؛ أي أدخلها في المعاصي، قال تعالى: (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس: 10)، وقد أدرك المصلحون هذه الحقيقة، فقد أُثر عن الإمام حسن البنا قوله في بعض خطبه: «نفوسكم هي الميدان الأول، إذا استطعتم عليها كنتم على غيرها أقدر».

تزكية تقود إلى الفعل
وإن سألت: فما الخطوة الثانية؟

إن عرفت أن نفسك هي الميدان الأول في طريق السالكين، فاعلم أنه سبيل يمدك بأسباب النهوض، وأدوات الثبات والتغيير، منه تنهل زادك الإيماني، وبمقدار ما تنهل تزداد سرعتك في المسير.

وإن الخطوة الأولى -تزكية النفس- لا تنتهي بمجرد الابتداء، بل تصاحبك حتى بلوغ الغاية، التي يهون في سبيلها كل بذل وتعب، وكل جهد ونصب، والغاية الجنة ورضوان المولى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعةَ اللهِ غاليةٌ ألا إن سلعةَ اللهِ الجنةُ».

وإن أكبر النعيم، نيل رضوان رب العالمين، قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 72)، وفي الحديث: «إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك يا ربنا وسعديك، والخير في يدك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً» (رواه مالك).

ولا تكتمل التزكية إلا بالخطوة الثانية وهي فعل مقتضاها؛ (قُمْ فَأَنذِرْ) (المدثر: 2)؛ إنها الأمر بالنهوض والتحرك من أجل تبليغ الدين، وإنذار العالمين، والإنذار أمر بالمعروف ونهي عن المنكر مع بيان عاقبة الأمرين، فإن قمنا به حق القيام، انتشر النور وانحسر الظلام.

إن آهاتِ الثكالى، وأنينَ اليتامى، ودموعَ الأسارى، تحتاج إلى من يواسيها، ويرفع الظلم عنها ويسليها، وإن لم ينبر لنصرتهم ورفعِ الظلم عنهم أهلُ التزكية، فاعلم أن الخلل فينا والتدسية، فكم فينا وليس منا! (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات: 14).

وليس منا من لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) (التوبة: 71)؛ بعضهم أولياء بعض أي: يتناصرون ويتعاضدون، وأي منكر أكبر من خذلان المستضعفين المكلومين، وعدم الأخذ على يد القتلة الظالمين! ولنحذر من وعيد نبينا صلى الله عليه وسلم: «والَّذي نفسي بيدِه لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتَنهوُنَّ عنِ المنكرِ أو ليوشِكنَّ اللَّهُ أن يبعثَ عليكم عذابًا مِن عندِه ثمَّ لتدْعُنَّهُ فلا يستجابُ لكم» (رواه الترمذي).

فإن قلت: إن الطريق شائك، وأعداء الله لا يراعون فيه سالك، فاعلم أن الجنة حفت بالمكاره، وأن النار حفت بالشهوات، (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الشورى: 36)، فمن تمكنت في قلبه التزكية، سهلت عليه التضحية، ومن ضحى في سبيل الله بلغ، ومن استنكف فمن وبال الجحيم ولغ.

إن صناع التغيير يجمعون بين العبودية الخالصة التي تورث لين القلب، والبأس الشديد الذي يحقق العدل للخلق، فإن أعرضنا وتولينا استبدلنا الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة: 54).

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

د. إبراهيم أحمد مهنا
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

سماحة الشيخ القره داغي يشارك في مؤتمر منح الإجازات العلمية لوقف إسماعيل آغا بإسطنبول

شارك سماحة رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فضيلة الشيخ الدكتور

كأس العالم بأقدام إفريقية وأعلام غربية.. كيف سرق الغرب جغرافيا القارة وتاريخها؟

بسم الله الرحمن الرحيم.بحكم مسيرتي كلاعب كرة قدم في الدوري

الشيخ سلمان الحسيني الندوي كما عرفناه

انطفأ سراج من أعلام العالم الإسلامي بوفاة الشيخ السيد سلمان

آخر المقالات

100%