كَثُرَ إِيذَاءُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ مَوْتِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَمَوْتِ زَوْجَتِهِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وَتَسْتَغِلُّ قُرَيْشٌ غِيَابَ أَبِي طَالِبٍ فَتَزِيدُ مِنْ إِيذَائِهَا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَتُضَيِّقُ عَلَيْهِ. وَأَسْرَفُوا فِي إِيذَائِهِ إِسْرَافًا كَبِيرًا بَعِيدًا عَنِ الْكَرَامَةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ، حَتَّى سُمِّيَ بِعَامِ الْحُزْنِ.
فَضَاقَتْ مَكَّةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاشْتَدَّ بِهِ الْحَالُ، حَتَّى فَكَّرَ فِي أَنْ يَتَّخِذَ أُسْلُوبًا آخَرَ فِي دَعْوَتِهِ بِتَغْيِيرِ الْمَكَانِ، فَقَرَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَخْرُجَ بِالدَّعْوَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الطَّائِفِ، يَلْتَمِسُ نُصْرَتَهُمْ، وَالْمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ، راجياً ومؤملاً أن تكون أحسن حالاً من مكة، وأن يجد من أهلها نصرة، ولعلَّه يجد بينهم من يؤمن بهذه الرِّسالة الخالدة.. ويطلب النُّصرة والعونَ من أهلها.. ويَرجو أن يقبلوا منه ما جاءهم به من عندِ الله تعالى.
وقَدِ اجْتَمَعَ فِي رِحْلَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الطَّائِفِ مُؤَازَرَةٌ وَمُوَاسَاةُ أَشْخَاصٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَصْرًا، وَالَّذِي يُعَدُّ مِنْ أَصْعَبِ الظُّرُوفِ الَّتِي مَرَّ بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.
حيث كان يصحبه زيد بن حارثة رضي الله عنه، وهو من أهل العراق، ومن قبيلة كلب العراقية، وأما عداس ومؤازرته ومواساته للنبي صلى الله عليه وسلم فمعروفة، وهو من أهل الموصل في العراق أيضاً، وفي أثناء المحنة والكآبة يتذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أخيه النبي يونس عليه السلام، حيث يشعر بالمواساة والراحة النفسية بذكره في حواره الإيماني مع عداس، والنبي يونس عليه السلام هو من أهل العراق أيضاً، وبعث نبياً إلى أهل نينوى، وفي مساء ذلك اليوم القاسي في الطائف، أقبل للإيمان بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وفد من جن العراق، من أهل نصيبين، المدينة التابعة لمدينة الموصل، فكان في إسلامهم مواساة عظيمة ومؤازرة للنبي صلى الله عليه وسلم.
والعراق بلد الأنبياء والصالحين، وبلد الصحابة والتابعين، وبلد الفقهاء والمحدثين، وبلد الحضارات، وبلد العلماء والأولياء، له تاريخ عريق في الماضي، ذكره المؤرخون في مصنفاتهم، والمعروف أن العراق لم يفتح إلاّ في عهد الخليفتين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ولكن كان لأهل العراق حضور فعلي في عصر الرسالة، فقد كانوا يمدون صاحب الرسالة في أخطر الظروف بالمؤازرة والمساندة والمواساة.
وهذا ما سأبينه في المباحث الآتية:
1. زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْكَلْبِيُّ الْعِرَاقِيُّ
كَانَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْكَلْبِيُّ الْعِرَاقِيُّ رضي الله عنه يَصْحَبُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، وَهُوَ مِنْ عشيرة الكلبي الْعِرَاقِية.
وَقَدْ رَوَى أَنَّ أُمَّ زَيْدِ سُعْدَى بِنْتُ ثَعْلَبَةَ مِنْ طَيِّئٍ. كَانَتْ قَدْ خَرَجَتْ يَوْمًا مِنَ الْعِرَاقِ وَمَعَهَا زَيْدٌ لِتَزُورَ قَوْمَهَا فِي بِلَادِ الشَّامِ. وَبَيْنَمَا كَانَا يَغْذُوَانِ الْمَسِيرَ، إِذْ دَهَمَتْهُمْ فَجْأَةً، فَأَغَارَتْ خَيْلٌ لِبَنِي “الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ”. فَاحْتَمَلُوا زَيْدًا مَعَهُمْ مِنْ ضِمْنِ السَّبْيِ. وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ صَغِيرٌ فِي الثَّامِنَةِ مِنَ الْعُمُرِ.
وروي أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ بِرَقِيقٍ، فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ رضي الله عنه. فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدَ، فَقَالَ لَهَا: اخْتَارِي أَيَّ هَؤُلَاءِ الْغِلْمَانِ شِئْتِ، فَهُوَ لَكِ. فَاخْتَارَتْ زَيْدًا فَأَخَذَتْهُ بــ(700) دِرْهَمٍ. فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَعْجَبَهُ فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهَا، فَوَهَبَتْهُ لَهُ. فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَبَنَّاهُ، فَكَانَ يُدْعَى (زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ). وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ.
وَكَانَ أَبُوهُ حَارِثَةُ قَدْ جَزِعَ عَلَيْهِ جَزَعًا شَدِيدًا ــ وَكَانَ فِي الْعِرَاقِ ـــ، وَبَكَى عَلَيْهِ حِينَ فَقَدَهُ… وَاهْتَمَّ هَمًّا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ… ثُمَّ خَرَجَ هُوَ وَأَخُوهُ كَعْبٌ يبحثون عن زيد.. حَتَّى سَمِعُوا أَنَّهُ فِي مَكَّةَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَهَرْوَلَا إِلَيْهِ مَلْهُوفَيْنِ لِيَفْدِيَاهُ، فَدَخَلَ حَارِثَةُ وَأَخُوهُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
فَقَالَ: “يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ! يَا ابْنَ سَيِّدِ قَوْمِهِ! أَنْتُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ، وَجِيرَانُهُ وَعِنْدَ بَيْتِهِ، تَفُكُّونَ الْعَانِيَ، وَتُطْعِمُونَ الْأَسِيرَ، جِئْنَاكَ من العراق فِي ابْنِنَا عِنْدَكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا، وَأَحْسِنْ إِلَيْنَا فِي فِدَائِهِ، فَإِنَّا سَنَرْفَعُ لَكَ فِي الْفِدَاءِ”.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ هُوَ”؟ قَالَا: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ. فَدَعَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَيْدًا. فَقَالَ لَهُ: “إِنْ شِئْتَ فَأَقِمْ عِنْدِي، وَإِنْ شِئْتَ فَانْطَلِقْ مَعَ أَبِيكَ”. فَقَالَ زَيْدٌ: “بَلْ أُقِيمُ عِنْدَكَ، وَمَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَيْكَ أَحَدًا، أَنْتَ مِنِّي بِمَكَانِ الْأَبِ وَالْأُمِّ”.
فَقَالَا: “وَيْحَكَ يَا زَيْدُ أَتَخْتَارُ الْعُبُودِيَّةَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَعَلَى أَبِيكَ وَعَمِّكَ وَأَهْلِ بَيْتِكَ؟”. وَأَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَيْرَ لِزَيْدٍ الْخَيْرَ.
وَكَانَ لَهُ دَوْرٌ كَبِيرٌ فِي مُصَاحَبَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم للطائف بِكُلِّ إِخْلَاصٍ وَتَفَانٍ، وَكَانَ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَحَبَّهُمْ إِلَى قَلْبِهِ.
وَكَانَ زَيْدٌ يُرَافِقُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي رِحْلَةِ الطَّائِفِ، وَكَانَ يَقِيهِ بِنَفْسِهِ، بَلْ رُوحِهِ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى شُجَّ فِي رَأْسِهِ شِجَاجٌ، وَنَالَ كَثِيرًا مِنَ الْأَذَى.
2. عَدَّاسُ بْنُ مَتَّى الْمَوْصِلِيُّ
وَأَمَّا مُؤَازَرَةُ وَمُوَاسَاةُ عَدَّاسٍ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَمَعْرُوفَةٌ، فَعِنْدَمَا وَصَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الطَّائِفِ وعَرَضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نَفْسَهُ عَلَى ثَقِيفٍ فِي الطَّائِفِ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ يَسُبُّونَهُ وَيَصِيحُونَ بِهِ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَأَلْجَأُوهُ إِلَى بُسْتَانِ ابْنَيْ رَبِيعَةَ. فَجَلَسَ فِيهِ هُوَ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَأَتَى ظِلَّ شَجَرَةٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَنَاجَى رَبَّهُ.
وَعَادَ الْهُدُوءُ إِلَى نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الدُّعَاءِ الَّذِي اسْتَسْلَمَ فِيهِ إِلَى قَضَاءِ اللَّهِ، وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ.
فَلَمَّا رَآهُ ابْنَا رَبِيعَةَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَمَا لَقِيَ تَحَرَّكَتْ لَهُ رَحِمُهُمَا.. فَدَعَوْا غُلَامًا لَهُمَا نَصْرَانِيًّا.. يُقَالُ لَهُ عَدَّاسٌ.. فَقَالَا لَهُ: خُذْ قِطْفًا مِنْ هَذَا الْعِنَبِ.. فَضَعْهُ فِي هَذَا الطَّبَقِ.. ثُمَّ اذْهَبْ بِهِ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَأَتَاهُ عَدَّاسٌ المَوْصِلِيٌّ بِقِطْفٍ مِنَ الْعِنَبِ، وَقَالَ لَهُ: كُلْ. فَلَمَّا وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيهِ يَدَهُ قَالَ: (بِسْمِ اللَّهِ) ثُمَّ أَكَلَ.
فَنَظَرَ عَدَّاسٌ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: “وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ هَذِهِ الْبِلَادِ”.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (وَمِنْ أَيِّ الْبِلَادِ أَنْتَ يَا عَدَّاسُ؟ وَمَا دِينُكَ؟).
قَالَ: “أَنَا نَصْرَانِيٌّ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى”.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مِنْ قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى؟).
فَقَالَ لَهُ عَدَّاسٌ: “وَمَا يُدْرِيكَ مَا يُونُسُ بْنُ مَتَّى؟”.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (ذَاكَ أَخِي، كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ).
فَأَكَبَّ عَدَّاسٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ.
فَأَنْكَرَا ذَلِكَ ابْنَا رَبِيعَةَ مِنْ عَدَّاسٍ.
فَقَالَ عَدَّاسٌ: (يَا سَيِّدِي مَا فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِأَمْرٍ مَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ، وَاللَّهِ لَقَدْ خَرَجْتُ مِنْ نِينَوَى وَمَا فِيهَا عَشَرَةٌ يَعْرِفُونَ مَا يونس بن مَتَّى).
وَفِي قَوْلِ عَدَّاسٍ: (وَاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا)، مُوَاسَاةٌ عَظِيمَةٌ. فَلَئِنْ آذَاهُ قَوْمُهُ، فَهَذَا وَافِدٌ مِنْ شَمَالِ الْعِرَاقِ، مِنْ نِينَوَى، مِنْ بَلَدِ نَبِيِّ اللَّهِ يُونُسَ عليه السلام يُكِبُّ عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَيُقَبِّلُهُمَا، وَيَشْهَدُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ. وَإِنَّ هَذَا لَقَدَرٌ رَبَّانِيٌّ، وَأَيُّ مُوَاسَاةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْمُوَاسَاةِ..
فَآمَنَ بِهِ “عَدَّاسٌ” ليعد أَوَّلَ رَجُلٍ أَسْلَمَ مِنْ خَارِجِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْعِرَاقِ وَمِنْ نِينَوَى تَحْدِيدًا. بَلَدِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ.
3. الِاسْتِئْنَاسُ بِذِكْرِ نَبِيِّ اللَّهِ يُونُسَ عليه السلام الْمَبْعُوثِ إِلَى مَدِينَةِ نِينَوَى الْعِرَاقِيَّةِ
وَفِي أَثْنَاءِ الْمِحْنَةِ وَالْكَآبَةِ يَتَذَكَّرُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم أَخَاهُ النَّبِيَّ يُونُسَ عليه السلام. حَيْثُ يَشْعُرُ بِالْمُوَاسَاةِ وَالرَّاحَةِ النَّفْسِيَّةِ بِذِكْرِهِ فِي حِوَارِهِ الْإِيمَانِيِّ مَعَ عَدَّاسٍ. وَالنَّبِيُّ يُونُسُ عليه السلام هُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَيْضًا، وَبُعِثَ نَبِيًّا إِلَى أَهْلِ نِينَوَى.
وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ نِينَوَى إِنَّهَا: (بَلَدُ النَّبِيِّ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يُونُسَ عليه السلام كَانَ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى أَسَاسًا، وُلِدَ وَعَاشَ فِيهَا، وَبَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَى أَهْلِهَا.
وكان يونس بن متى عليه السلام نبياً كريماً أرسله الله إلى قومه فراح يعظهم وينصحهم ويرشدهم إلى الخير.. ويذكرهم بيوم القيامة.. ويخوفهم من النار.. ويحببهم إلى الجنة.. ويأمرهم بالمعروف.. ويدعوهم إلى عبادة الله وحده.. وظل ذو النون يونس عليه السلام ينصح قومه فلم يؤمن منهم أحد.. فشعر باليأس من قومه.. وامتلأ قلبه بالغضب عليهم لأنهم لا يؤمنون.. وخرج غاضبا وقرر هجرهم ووعدهم بحلول العذاب بهم.. بعد أن شاهَدَ أهلُ نينوى علاماتٍ مُخيفة.. السماءُ تَمتلئ بغيومٍ سوداءَ كالِحَة.. وهناك ما يُشبِهُ الدُّخانَ في أعالي السماء.. فأدرَكَوا أنّ العذابَ الإلهيّ على وَشْكِ أن يَنزِلَ فيُدمّرَ مدينةَ نينوى بأسْرِها.. وستَتَحوّلُ المدينةُ إلى أنقاضٍ وخَرائب.
وقذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم وصرخوا وتضرعوا إلى الله عز وجل.. وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات.. وكانوا مائة ألف يزيدون ولا ينقصون.. وقد آمنوا أجمعين.. فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب الذي استحقوه بتكذيبهم، وآمنوا بنبيهم وعاشوا مطمئنين آمنين سعداء.
وقد أخبرنا الله تعالى عن إيمان قوم يونس، وانتفاعهم بهذا الإيمان، ورفع العذاب عنهم، قال الله تعالى: (فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إلى حِينٍ) (يونس: 98).
وَتَدُلُّ هَذِهِ الْحَادِثَةُ عَلَى عُمْقِ الرَّابِطَةِ الْمُوَثَّقَةِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ، (ذَاكَ أَخِي يونس، هُوَ نَبِيٌّ، وَأَنَا نَبِيٌّ..).
وَمَا أَجْمَلَ الْإِشَارَةَ وَالرَّبْطَ بَيْنَ قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالَّتِي تُقَرِّرُ أَنَّ بَابَ الْهِدَايَةِ مَفْتُوحٌ وَكُلُّ الِاحْتِمَالَاتِ قَائِمَةٌ.
وَبَيْنَ قِصَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَعَ أَهْلِ الطَّائِفِ الَّذِينَ آذَوْهُ وَضَرَبُوهُ وَرَفَضُوا دَعْوَتَهُ! الَّتِي لَقِيَ فِيهَا “عَدَّاسًا” وَالَّذِي هُوَ مِنْ أَحْفَادِ قَوْمِ يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وفي ذلك استئناس للنبي صلى الله عليه وسلم ومواساة وفتح باب الأمل.
4. إِسْلَامُ وَفْدِ الْجِنِّ مِنَ الْمَوْصِلِ الْعِرَاقِيَّةِ
وَفِي مَسَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْقَاسِي فِي الطَّائِفِ، أَقْبَلَ لِلْإِيمَانِ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفْدٌ مِنْ جِنِّ الْعِرَاقِ، مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ، الْمَدِينَةِ التَّابِعَةِ لِمَدِينَةِ الْمَوْصِلِ. فَكَانَ فِي إِسْلَامِهِمْ مُوَاسَاةٌ وَمُؤَازَرَةٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
وَلَقَدْ شَكَا أَنَّ قَوْمَهُ لَا يَتَّبِعُونَ، وَأَنَّ غَيْرَهُمْ كَمِثْلِهِمْ. فَبَيَّنَ اللَّهُ تعالى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنْ قَوْمِهِ عَدَدًا قَلِيلًا، فَإِنَّ لَهُ أَتْبَاعًا مِنَ الْجِنِّ. فَبَيَّنَ اللَّهُ تعالى أَنَّ بَعْضَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَمَعُوا، وَاسْتَجَابُوا وَلَمْ يَكْفُرُوا. فَقَالَ تعالى مُخْبِرًا عَنْ سَمَاعِهِمْ فِيمَا يَرْوِي الرُّوَاةُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الطَّائِفِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ).
ولا شك أن في هذا قدرا كبيرا من التنفيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتطييب لخاطره، بعد تلك التجربة القاسية التي مرّت به في الطائف.. وإنها لزاد يتزوّد به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويجد منه القوة على مواصلة السّير في طريقه إلى قومه، وفى مواجهة تحدّيهم له، وعنادهم وتأبّيهم عليه!.. وعلى هذا العزم، ومع تلك القوة، مضى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة!
لَقَدْ كَانَ لِمُوَاسَاةِ وَمُؤَازَرَةِ أَشْخَاصٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رِحْلَتِهِ لِلطَّائِفِ، دَوْرًا مَعْنَوِيًّا لِلْوُقُوفِ إِلَى جَانِبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ أَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّائِفِ. حَتَّى صَمَّمَ عَلَى الْعَوْدَةِ إِلَى مَكَّةَ وَالْقِيَامِ بِاسْتِئْنَافِ خُطَّتِهِ الْأُولَى فِي عَرْضِ الْإِسْلَامِ وَإِبْلَاغِ رِسَالَةِ اللَّهِ الْخَالِدَةِ بِنَشَاطٍ جَدِيدٍ وَجِدٍّ وَحَمَاسٍ. وَقَدْ تَمَثَّلَ ذَلِكَ بِـ:
ــ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْكَلْبِيِّ الْعِرَاقِيِّ رضي الله عنه.
ــ وَعَدَّاسِ بْنِ مَتَّى الْمَوْصِلِيِّ رضي الله عنه.
ــ وَتَذَكُّرِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم أَخَاهُ النَّبِيَّ يُونُسَ الْعِرَاقِيَّ عليه السلام، الْمَبْعُوثَ نَبِيًّا إِلَى أَهْلِ نِينَوَى،
ــ وَإِقْبَالِ لِلِاسْتِجَابَةِ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفْدٍ مِنْ جِنِّ الْعِرَاقِ، فَكَانَ فِي إِسْلَامِهِمْ مُوَاسَاةٌ وَمُؤَازَرَةٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
وَهَكَذَا شَاءَتِ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْأَشْخَاصُ الَّذِينَ وَقَفُوا بِجَانِبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَخَفَّفُوا عَنْهُ مَا جَرَى لَهُ، وَمُوَاسَاتُهُ وَمُسَانَدَتُهُ وَمُؤَازَرَتُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وصلى الله وسلم وبارك على صاحب الرسالة سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المصادر والمراجع:
الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني.
الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البر القرطبي.
السيرة النبوية، عبد الملك بن هشام
فقه السيرة النبوية، الأستاذ منير محمد الغضبان
فقه السيرة النبوية، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
السيرة النبوية، الدكتور علي محمد الصلابي.
