آخر الأخبار

حياتنا الاجتماعية.. بين العدل والإحسان

شارك المقال على:

العدل قيمة جليلة متوافقة مع فطرة البشر، فالإنسان يرفض أن يتعرض للظلم بطبعه، ومن أجل رفع الظلم تنفق الأموال وتبذل المهج، ولكنه مع ذلك قد يرضى أن يظلم غيره، وقد يبرر ظلمه للناس ويزينه كما قال زهير بن أبي سُلمى: ومن لا يظلم الناس يُظلم.

ولا تتحقق العدالة إلا بالتزام أحكام الشريعة الإسلامية، ظاهراً وباطناً، فهي عدل كلها، لأن مصدرها هو الله الحَكَم العَدل، أما القوانين البشرية فمصدرها الإنسان، والإنسان بطبعه يميل لتحقيق مصلحته الخاصة، أو مصلحة قومه، أو مصلحة الحاكم تزلفاً إليه، وتتأثر القوانين الوضعية بالموروث البشري والعادات السائدة بغض النظر عن مدى عدالتها، فواضع القانون لا يمكن أن ينسلخ عن بشريته.

أما الخالق سبحانه فهو أعلم بما يصلح للخلق وبما يصلحهم، ونفى الله عن نفسه الظلم مطلقاً، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) (النساء: 40)، (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (الكهف: 49)، وفي الحديث القدسي: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً بينكم فلا تظالموا» (رواه مسلم)، وأثبت العدل المطلق لنفسه، قال تعالى: (وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) (يونس: 54)، (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: 47).

والناظر للقوانين الوضعية بتجرد يجد فيها العديد من الثغرات التي تخدش مفهوم العدالة أو تضادها، فكم من جريمة عظيمة عقوبتها تافهة! وكم من جريمة صغيرة عقوبتها قاسية! وكم من فعل يدخل في باب الحرية الشخصية المشروعة يعد جريمة يعاقب عليها القانون! وكم من فعل ضار بالمجتمع لا يعد من الجرائم، بل يعتبر حرية شخصية!

أما القوانين الإلهية فهي مصطبغة بالعدل اصطباغاً تاماً، فالأحكام الشرعية هي العدل، والعدل هو الأحكام الشرعية، فلا تميل القواعد القانونية الشرعية إلى جانب الحاكم ضد مصالح المحكوم، ولا تعطي الرجال حقوقاً بحيث تظلم النساء، ولا يمكن أن تخطئ المقدار المناسب للجريمة، لأن واضعها يتصف بالعلم المطلق الشامل(1).

والعدل هو المعيار الذي توزن به أحكام المعاملات المالية، والعلاقات الدولية، وغيرها، قال تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) (النساء: 58)، أما في العلاقات الاجتماعية بين الناس، فإن الإسلام حث على معيار أعلى من معيار العدل وأحسن، إنه الإحسان، فكما أُمرنا بالعدل فقد أُمرنا بالإحسان أيضاً، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: 90).

قال الراغب: الإحسان فوق العدل، وذلك أن العدل هو أن يعطي ما عليه، ويأخذ ما له، والإحسان أن يعطي أكثر مما هو عليه، ويأخذ أقلّ مما له، فالإحسان زائد على العدل، فتحري العدل واجب، وتحري الإحسان ندب وتطوع؛ قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ) (النساء: 125)، وعظّم ثواب المحسنين؛ (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: 69)، (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: 195)، (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ) (النحل: 30)، (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) (يونس: 26).

وفي الحديث: «ألا أدلك على أكرم أخلاق الدنيا والآخرة أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك»، قال الحرالي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمل خاصة أصحابه على ترك الانتصاف بالحق والأخذ بالإحسان ليكونوا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه(2).

وفيما يأتي بعض الأحكام التي لا يحسن فيها إلا الإحسان:

1- التعامل مع مال اليتيم:

لما كان المال عديل الروح؛ إذ لا قوام لها إلا به، حذّر من أكل الأموال بغير حق، ونظراً لضعف اليتيم وقلة ناصريه جعل ماله محصناً عن أي جور، فنهى عن قربه فضلاً عن أكله، قال الله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) (الأنعام: 152)، فلا يجوز للوصي أن يتصرف في مال اليتيم إلا بالحسنى، ينميه ويستثمره له دون مخاطرة، حتى يبلغ سن الرشد، فإن بلغه فلا يدفع أموالهم إليهم إلا بعد الاطمئنان إلى حسن تصرفهم فيه، قال تعالى: (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) (النساء: 6)، وللبقاعي(3) كلام نفيس في تفسير الآية، قال: ولما كان الإنسان مجبولاً على نقائص منها الطمع وعدم الشبع، لا سيما إذا خالط اليتيم وحصل له إذن ما، أدبه سبحانه بقوله: (وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا) (النساء: 6).

ولما كان يخشى من امتناع الولي من الأكل من مال اليتيم التفريط فيه بالاشتغال بما يهمه في نفسه، قال: (وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: 6)، وأمرهم بالإشهاد على تسليمهم أموالهم احتياطاً؛ لأن الأحوال تتبدل، والرشد يتفاوت، فالإشهاد أقطع للشر، وأنفع في كل أمر، والأمر بالإشهاد أزجر للولي عن الخيانة، لأن من عرف أنه لا يقبل عند الخصام إلا ببينة عفّ غاية العفة، واحترز غاية الاحتراز، قال تعالى: (فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: 6).

وفي الحديث: «من أحسن إلى يتيم أو يتيمة كنت أنا وهو في الجنة كهاتين»، قال الحرالي: في ضمنه تهديد في ترك الإحسان له، فمن أضاع يتيماً ناله من عند الله عقوبات في ذات نفسه وزوجه وذريته من بعده، ويجري مأخذ ما تقتضيه العزة على وجه الحكمة جزاءً وفاقاً وحكماً قصاصاً(4).

2- التعامل مع الوالدين:

ما أكثر الآيات والأحاديث التي تأمرنا بالإحسان إلى الوالدين، فمنها ما جاء مقترناً بالأمر بالتوحيد وعدم الشرك، قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (النساء: 36)، ومنها ما جاء مقترناً بشكر الله، قال تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان: 14)، ومنها ما كان مقترناً برضا الله وسخطه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ» (رواه الترمذي).

والمطلوب من الأولاد غاية الإحسان لهما، تأمل قول الله تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً {23} وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) (الإسراء)، قال الإمام الرازي: أجمع أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين والإحسان إليهما إحساناً غير مقيد بكونهما مؤمنين لقوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) (الإسراء: 23) وقد ثبت في الأصول أن الحكم المترتب على الوصف مشعر بعلية الوصف، فدلت الآية على أن الأمر بتعظيم الوالدين بمحض كونهما والدين، وذلك يقتضي العموم.

3- العلاقات الزوجية:

جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإنفاق على الأهل من أفضل النفقات، فقال: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك»، وجعل الحسنى السبيل الوحيد لحل المشكلات الزوجية، قال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) (النساء: 19)، ولو كان الحل هو الطلاق فلا يكون إلا بإحسان، قال تعالى: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: 229)، وفي قوله تعالى: (وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 227).

قال الحرالي: وفيه تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام، فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر، ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال كما أن العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء(5).

وإن حدث الطلاق فبالحسنى، قال تعالى: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة: 237)، وفي الحديث: «إنَّ اللهَ كتَبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتَلتُم فأَحْسِنوا القِتْلةَ، وإذا ذبَحتُم فأَحْسِنوا الذَّبْحَ، ولْيُحِدَّ أحَدُكم شَفْرتَه، ولْيُرِحْ ذَبيحتَه»، فكيف بالإحسان لمن نعيش معهم تحت سقف واحد؟!

د. إبراهيم أحمد مهنا
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

قطر تدشّن أول مسجد ذكي يعزز الاستدامة ويواكب التقنيات الحديثة

دشّنت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أول مسجد ذكي في دولة

الخلاف والتخلف وفق فقه ميزان الوحي والعقل.. طريق للنهوض ومعالجة الفرقة

تُظهر النظرة الفاحصة إلى أحوال العالم اليوم صورة شديدة الوضوح؛

موسى عليه السلام ومكانته بين الأنبياء والمرسلين

د. علي محمد الصلابي عرضَ القرآن الكريم موكبَ الإيمان الجليل

آخر المقالات

100%