د. علي محمد الصلابي
عرضَ القرآن الكريم موكبَ الإيمان الجليل يقوده ذلك الرهط من الرسل، من نوح إلى إبراهيم إلى خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويعرض السياق هذا الموكب ممتداً موصولاً، ولا يُراعي التسلسل التاريخي في العرض، لأن المقصود هنا هو الموكب بجملته، لا تسلسله التاريخي، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ(٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾]الأنعام: ٨٣-٩٠[ وكانت التعقيبات على هذا الموكب المبارك في الذكر الحكيم في قوله تعالى:
- ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
- ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
- ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
كلها تعقيبات تقرر إحسان هذا الموكب الكريم واصطفاء الله له، وهدايته إلى الطريق المستقيم، وذكر هذا الرهط على هذا النحو، واستعراض صورة هذا الموكب العظيم، كلها تمهيدات للتقريرات التي تليه: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهذا تقرير لينابيع الهدى في الأرض، فهدي الله للبشر يتمثّل فيما جابت به الرسل، ولا واهب سواه، لأن الله تعالى هو الذي قرّره، وهدى إليه عبادَه، ولو أن هؤلاء العباد المهديّين حادوا عن توحيد الله، وانحرفوا عن المصدر الذي يستمدّون منه الهدى، وأشركوا في الاعتقاد أو العبادة أو التلقّي، فإن مصيرهم أن يَحبط عملُهم: أي أن يذهب ضياعاً، ويهلك كما تهلك الدابّة التي ترعى نبتاً مسموماً، فتنتفخ ثم تموت، وهذا هو الأصل اللغوي للحبوط(موسى عليه السلام، علي الصلابي، ص111).
وفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾، وهذا التقرير الثاني، فقرّر في الأول مصدر الهداية وقصره على هدى الله الذي جاءت به الرسل، وقرّر في الثاني أن الرّسل الذين ذكرهم والذين أشار إليهم هم الذين آتاهم الله الكتاب والحكمة والسلطان والنبوة.
إن لفظ ﴿وَالْحُكْمَ﴾ يجيء بمعنى الحكمة، كما يجيء بمعنى السلطان كذلك، وكلا المعنيين محتمَل في الآية، فهؤلاء الرسل أنزل الله على بعضهم الكتاب، كالتوراة مع موسى عليه السَّلام، والزبور مع داود عليه السَّلام، والإنجيل مع عيسى عليه السلام، وبعضهم آتاه الله الحكمة كداود وسليمان عليهما السَّلام، وكلُّهم أوتي السلطان على معنى أن ما معهم من الدين هو حكم الله، وأن الدين الذي جاؤوا به يحمل سلطان الله على النفوس وعلى الأمور، فما أرسل الله الرسل إلا ليُطاعوا بإذنه، وما أنزل الكتاب إلا ليحكم بين الناس بالقسط، كما جاء في الآيات الأخرى، وكلهم أوتي الحكمة وأوتي النبوّة، وحمل دين الله إلى الناس، وقام عليه، وآمَن به، وتمسّك به، وحافظ عليه، فإذا كفر بالكتاب والحكمة والنبوّة مشركو العرب ﴿هَؤُلَاءِ﴾ فإن دين الله غنيّ عنهم، وهؤلاء الرهط الكرام، والمؤمنون بهم، هم حسب هذا الدين.
إنها حقيقة قديمة امتدّت جذورها وتفرّعت أغصانها، وموكب موصول تماسكت حلقاته، ودعوة واحدة حملها رسول بعد رسول وآمن بها، وهو تقرير يسكب الطمأنينة في قلب المؤمن، وفي قلوب العصبة المسلمة أيّاً كان عددها، إن هذه العصبة ليست وحدها، ليست مقطوعة من شجرة، إنها فرع منشقّ من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وحلقة في موكب جليل موصولة أسبابه بالله وهداه.
يبقى الإنسان المؤمن في أيّ أرض وفي أي جيل قوياً وكبيراً، وكأنه الشجرة المتينة السّامقة الضاربة الجذور في أعماق الفطرة البشرية، وفي أعماق التاريخ الإنساني، فهو عضوٌ في الموكب الكريم الموصول بالله وهداه منذ أقدم العصور﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾، وهو التقرير الثالث، فهؤلاء الرهط الكرام الذين يقودون موكب الإيمان هم الذين هداهم الله، وهُداهم جاءهم من عند الله، فيه القدوة لرسول الله ومن آمن معه، فهذا الهدي وحده هو الذي يسير عليه، وهذا الهدي وحده هو الذي يحتكم إليه، وهذا الهدي هو الذي يدعو إليه ويبشر به، قائلاً لمن يدعوهم ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾، لا يختصّ به قوم ولا جنس ولا قريب ولا بعيد، إنه هدى الله لتذكير البشر كافّة، ومن ثم فلا أجر عليه يتقاضاه، وإنما أجره على الله.
(في ظلال القرآن، سيد قطب، م2، ص1144).
المراجع:
- في ظلال القرآن، سيد إبراهيم قطب، القاهرة، دار الشروق، ط32، 1423ه/ 2003م.
- موسى كليم الله، د. علي محمد محمد الصلابي، دار ابن كثير، 2022م.
