البحث

التفاصيل

الباحثون عن الشُّهرَة

الباحثون عن الشُّهرَة

بقلم: وائل محيي الدين الزرد

 

دأبَ كثيرٌ من العاملين في المجتمعي، سواء الدعوي أو غيره، أن يبحثوا عن شهرة على أي حساب، فتراهم يسلكون أي طريق من أجل أن تّذكر أسماؤهم وأن تشتهر حكاياهم، وفي سبيل تحقيق مرادهم -هذا- تجدهم يركبون الصعب والذلول، بل إنهم يُقحمون أنفسهم فيما لا ينبغي، وأحيانًا يحط من قدرهم، وينتقص من كيانهم، ومع ذلك فلا حرج عندهم ما دام أن الأمر سيكسبهم مزيدًا من المُتابعين والمعجبين.

وهذا مرضٌ قديم حديث، غير أنه في الآونة الأخيرة، ومع ظهور قنوات التواصل الاجتماعي، ازداد الأمر سوءًا، بل إنه قد ابتُلي به -للأسف- بعض الدعاة وطلبة العلم، حتى صار مقياس ما يكتبون أو ينشرون من فوائد علمية وطرف دعوية، يُقاس بعدد الإعجابات أو كثرة التعليقات على هذا المنشور أو ذاك.

وغدا كثيرٌ من الناس يقيمون هذا العالم أو ذاك الداعية، من خلال عدد المتابعين على صفحته في الفيسبوك أو غيره، وعلى الأثر سارت بعض الشركات والمؤسسات -ومنها الرسمية- فتجدها تسارع في التواصل مع صاحب الارقام العالية من المتابعين، أو الحسابات التي أضحت مشهورة، دون نظر إلى المحتوى أو إحاطة بالمادة المنشورة!

وهذا الصنف من الباحثين عن الشهرة، تجده يضيق صدرُه إن لم يُرحب به، ويعبس وجهُه إن لم يذكر على الملأ باسمه، بل إن بعضهم ترك مكان كلمته لأنهم لم يُحسنوا تقديمه بالشكل اللائق به كما يزعم، فقد نادَوه باسمه المجرد، دون إهالة الألقاب الزائلة، فلم يسبقوا اسمه بقولهم: فضيلة الدكتور، أو الإعلامي المبدع، أو الداعية المشهور، أو اليوتيوبر المؤثر، أو صاحب المحتوى الهادف ... إلى آخره.

ولئن يُصاب كل الناس بمثل هذا المرض "الشُّهْرَة"، أهون ألف مرة من أن يُصاب الدعاة والعلماء بمثل هذا المرض القتَّال، وقد ذُكر لنا في حديث صحيح أنَّ ثلاثة نفر من المسلمين، كان الأصل ألا يطلبوا بأعمالهم الصالحة إلا وجهَ الله -عزَّ وجلَّ- غير أنهم طلبوا بما مَنَ الله عليهم من: علم، ومال، وقوة، طلبوا ممدحةَ الناس، وذكرَ البشر، والحضور بين بني آدم، فكان مآلهم النار والعياذ بالله، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا كانَ يومُ القيامةِ ينزلُ إلى العبادِ ليقضيَ بينَهم وَكلُّ أمَّةٍ جاثيةٌ فأوَّلُ من يدعو بِه رجلٌ جمعَ القرآنَ ورجلٌ يقتَتِلُ في سبيلِ اللهِ ورجلٌ كثيرُ المالِ ... ثمَّ ضربَ رسولُ الله صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ علَى رُكبتي فقالَ يا أبا هريرةَ أولئِك الثَّلاثةُ أوَّلُ خلقِ الله تُسعَّرُ بِهمُ النَّارُ يومَ القيامةِ" رواه الترمذي رقم: 2382 وهو حديث صحيح.

إن الذي أهلك الثلاثة في الحديث السابق، هو بحثهم عن الشهرة لا عن مرضاة الله تعالى، فحافظُ القرآن قرأه ليُمدح ويُشهر بأنه: "قَارِئٌ"، وجامع المال أنفقه ليُمدح ويُشهر أنه "مُنْفِقٌ"، والمُجاهد قاتل ليُذكر ويُشهر بأنه: "شُجاعٌ مُقاتِل"... وقد تمَّ لهم مرادُهم ونالوا الشهرة التي صرفتهم عن نيل مرضاة الله تعالى.

والمقصود هنا: الأعمال التي لا يجب أن يبتغى فيها رضا سوى رضا الله سبحانه وتعالى.

ومن نافلة القول أن يقال: ليس عيبًا أن يكون الإنسان مشهورًا، فالناس في هذه المسالة أصناف، فصنفٌ يقدمه الله تعالى بلا حول منه ولا قوة، هكذا هو يجد نفسه مقدمًا بين الخلق، لا لأمر فعله هو ولا لشيء تميز به عن غيره، ولكن لأمر أراده الله وعلمه، وصنفٌ يسعى هو لتقديم نفسه على الآخرين، فيجتهد أكثر من غيره فيجد نفسه قد اشتُهر، وأصبح حديث الناس، وليس هناك من عيب في الصنف الأول ولا الثاني، غير أن العيب الذي يصاحب الشهرة هو: البحث عنها في كل طريق ولو كان فيه منقصة، والتفتيش عنها في كل سبيل ولو كان فيها عيب ورذيلة، والعمل على تحصيلها ولو كان في سبيل ذلك إهدار للكرامة، وانتقاص من المكانة، وحط من المنزلة، ولو كلف الحصول عليها: تردٍّ أخلاقيًّا، وسفاهة عقليةً، وطيشًا وخفةً.

وختامًا: نسأل الله السلامة من كل ما يصيب ظاهرَنا وباطننَا.





التالي
التضحية بالطيور بين الفتوى والمسؤولية
السابق
من وحي الحج

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع