البحث

التفاصيل

غزو بدر الكبرى بين بناء المؤسسات والتأييد الإلهي (2/4)

الرابط المختصر :

غزو بدر الكبرى بين بناء المؤسسات والتأييد الإلهي (2/4)

كتبه: التهامي مجوري

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


**

اقرأ: غزو بدر الكبرى: بين البناء المؤسسي والتأييد الإلهي(1/4)

**


الخوارق والأقدار في مسيرة الأمة

فكل ما نراه من مقدمات وأسباب ونتائج نلمسها في حركة التاريخ، وفي حياتنا الخاصة أو العامة، أو نشعر به أو نتذوق طعمه أو يخبرنا به الله من غير أن ندركه، كله من صنع الله وبإرادته النافذة، عادات كانت أو خوارق عادات؛ بل هي كذلك دائما في كل زمان ومكان وعلى كل حال وفي كل مكان، كانت ولا تزال وفق مراد الله سبحانه وسننه الجارية، وإن لم نلمسها أو ندركها أو نحس بها كما أسلفت.

وما كان في غزوة بدر من خوراق وخيارات، لم يخرج عن هذه القاعدة العامة المندرجة تحت قوانين الجهد البشري في ظل التأييد الإلهي، ونزول الملائكة  في المعركة تأييدا للمؤمنين، لم يكن خاصا بغزوة بدر وحدها، وإنما كان في غيرها من المعارك أيضا، فمثلما قال الله تعالى في غزوة بدر (إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ) [الأنفال 9]، قال أيضا في غيرها من المعارك (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها، وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ) [التوبة 25 - 26]، وكذلك فيما نوفق فيه من الأمور بطرق لم تكن في الحسبان (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ) [الطلاق 2 - 3]، وإلا ما الفرق بين الإمداد بالملائكة في بدر، والتأييد بجنود لم يروها في حنين أو في غيرها، ورِزْق مَنْ يتقي الله من حيث لا يحتسب؟!! بل إن القرار الإلهي هو الانتصار للمؤمنين بالمطلق (إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) [الحج 38]، متى كانوا على الطريق الصحيح والمنهج السليم...، وما يقال في خوارق العادات التي تتم بقرار إلهي، يقال أيضا في مسألة القلة والكثرة التي تخضع قوانينها لإرادة فاعلية البشر، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال 65 - 66]، كل ذلك ضمن الفاعلية البشرية في ظل القدر الإلهي والإرادة الإلهية العليا.

وهذا الانتصار الذي خص الله به المؤمنين عموما في بدر وأحد وحنين... ويخص به جميع من حذا حذوهم في جميع مراحل التاريخ.

وكل الانتصارات التي شهدتها الأمة في تاريخ جهادها الطويل من سنن التأييد الإلهي، وسنن التأييد هذه لها مفرداتها الخاصة بها كما سيأتي الكلام عنها وتفاصيلها في مكانها من هذا الموضوع لاحقا.

ممهدات ما قبل الغزوة

وعندما نضع تلك الانتصارات التي تحققت في غزوة بدر الكبرى، التي صنفناها –بشعور أو من غير شعور منا- في خانة الانتصارات الاستثنائية بسبب ما ظهر فيها من خوارق، في سياقها الذي فرض المعركة في ذلك الصراع المرير، الذي كان بين المؤمنين والمشركين في المدينة وفي مكة، فإن ما وقع من أحداث، طبيعي جدا في إطار ميلاد المجتمع الجديد الذي نشأ في المدينة، في ظل عملية تجديدية في جميع المجالات، تحولا عقديا مصحوبا بتغيير جذري في العادات والتقاليد والتشريعات الدينية والاجتماعية...، وما يشهد من تطورات سريعة تتطلب عملية تحديث تقتضيها المرحلة، في ذلك الجو الملبد بغيوم الأحقاد التي يحملها الملأ تجاه الكوكبة المؤمنة، وفي تلك المرحلة المبكرة من حياة العصبة المؤمنة المُحَارَبة من كل جهة، وما تقتضيه من تفاعلات، وجب على الأمة أن ترتقي إلى مستوى الحدث بأقصى ما يمكن من بذل الطاقة... ولذلك لاحظنا أن وتيرة الانفعالات والانتقامات واللجوء إلى الأساليب اللاأخلاقية من قبل قريش متسارعة وحريصة على إنهاء الموضوع لصالحها، وكذلك تفاعل الكوكبة المؤمنة، فقد كان في مستوى الحدث كما ونوعا.

لقد بلغ بقريش المستوى من الدناءة غير المعهودة في العرف العربي في التآمر، أن خططت لقتل محمد صلى الله عليه وسلم، بطريقة لا يتحمل مسؤوليتها أحد أو جهة دون جهة أو قبيلة دون غيرها في مكة، فكانت تلك الفكرة الشيطانية، التي أوحى بها كبراء قريش، بأن يجمع فريق من شباب مكة مكون من جميع القبائل، بحيث تكون النتيجة التخلص من محمد ولا يتحمل تبعاته جهة بعينها وإنما يوزع دمه بين القبائل.

ولكن الله خيب القوم فكانت الهجرة في الليلة التي كان مقررا أن ينفذ فيه ذلك الفعل الشنيع... وذلك بالهجرة إلى المدبنة، فسلم النبي وسلمت الرسالة؛ بل ووقع التحول المناسب للرسالة في تلك المرحلة المبكرة، لتتحول الفكرة من مجرد مجموعة صغيرة تخاف أن يتخطفها الناس، إلى مجتمع يتكون من المهاجرين والأنصار الذين آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم، بحيث شكل الجميع تكتلا جديدا يمثل مجتمعا، سيتحول بعد مدة قصيرة لا تتجاوز الثماني سنوات إلى أمة بأبعادها الإنسانية الحضارية العالمية، ومن تلك الكوكبة التي جاءت إلى المدينة فارّةً بدينها وعقيدتها من طغيان كبراء الشرك بمكة، مضحية بكل شيء في سبيل ذلك، إلى قوم لا يقلون أهمية في حرصهم لحماية هذا الدين، فكانت تلك التركيبة السحرية ممن عرفوا بالمهاجرين والأنصار فيما بعد (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر 9].

ورغم أن المهاجرين قد وجدوا في إخوانهم من الترحيب والحماية وتقاسم الممتلكات والهموم الكثير، ولكنهم لا يزالون في معاناة عميقة بسبب الظلم الذي تعرضوا له من قومهم في مكة، وآثار المعاناة لا تزال بادية عليهم، جراء تجريدهم من ممتلكاتهم وتغريبهم عن أهاليهم وأقاربهم، وابتعادهم عن بيت الله الحرام الذي شيده جدهم وجد الأنبياء إبراهيم عليه السلام...إلخ.

في ظل هذه المعاناة كانت فرصة الكوكبة المؤمنة قد حانت، في القافلة العائدة من الشام بقيادة أبي سفيان، بعد أقل من سنتين من الهجرة، التي علم بها النبي صلى الله عليه وسلم فأشار على المسلمين بالتعرض لها لتعويض ما فقدوا من مال ومتاع بسبب ما فرض عليهم من جور ألجأهم إلى الهجرة إلى المدينة، وقال لهم "هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها"[1]، ولكن العملية لم تنجح، حيث فلتت القافلة من المؤمنين ولم تصب القافلة بأذى... لأن أبا سفيان علم بخبر ما كان يريد المسلمون بالقافلة.

ولما علمت قريش بما فعل المسلمون، استنفرت القبائل وعبأت كل استطاعت تعبئته عددا وعدة، وجمعت أعيانها وخرجوا لمحاربة محمد وأصحابه، وكانت في تقديرهم الفرصة المواتية للقضاء على محمد وصحبه.

والنبي صلى الله عليه وسلم هو الآخر لما فلتت القافلة منه، عرض على أصحابه فكرة الخروج إلى الحرب... إلى قتال قريش!! وأخبرهم بأنه موعود بإحدى الطائفتين تكون له... فتردد البعض ولم ير ذلك مناسبا؛ لأنهم أرادوا الخروج إلى القافلة وليس للحرب (كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ * يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ  *  وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ * لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ) [الأنفال 5 - 8].

لقد كان تجاوب المهاجرين دون غيرهم في البداية، ولم يسمع من الأنصار شيئا... فبقي يكرر صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي؟ أشيروا علي؟ أشيروا علي؟ ففَهِم الأنصار أنه يقصدهم؛ لأنهم بايعوه على أن ينصروه ما دام في المدينة ويحمونه ممن يعتدي عليه عندهم، وليس على الخروج لمحاربة الناس بالمبادءة داخل أو خارج المدينة، فقال سعد بن معاذ: "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال "أجل" قال لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقر به عينك"[2].

 وقبل الكلام عن المعركة، لا بد من الإشارة إلى أن المؤمنين قد أذن لهم في قتال أعدائهم، بسبب الضغوط التي يتعرضون لها من قبل صناديد قريش، معتبرين إياهم فئات خارجة عن القانون وعن العادات والعرف العربي، ليس لهم من الشرعية ما يفتكون به الاحترام والتقدير، نتيجة الطغيان القرشي وما عرف به من عجرفة وتسلط وتكبر وتجبر؛ بل كانوا يعتبرون أن خروج محمد صلى الله عليه وسلم وتمرده على عوائدهم وعاداتهم وأعرافهم، معرَّة للمجتمع المكي، تلاحقهم في كل مكان، ولذلك لم يستطيعوا تجاهل محمد رغم أنه غادرهم وذلك للأسباب التالية:

أولا: أن هذا الرجل والكثيرين معه من أهل الفضل بينهم. فماذا تقول عنهم القبائل المجاوزرة، وهم يهينون أهل الفضل فيهم؟ هل تقول عنهم إنهم صعاليك وبالتالي لا يتحملون وزرهم؟ أم يقولون عنهم إنهم أصحاب فكرة ومشروع... ونحن لا نعترف بهم؟!! ثم إن العرف العربي لا يقر القوم على أن ينتعش من كان دونهم خارج مكة ليعود لها بعد حين مغالبا...

ثانيا: شعورهم بأن السيادة والريادة التي يتمتعون بها مهددة بالزوال إذا تفوّق محمد، وهذا لا يسمح لهم بالسكوت والتجاهل؛ بل إن بقاء محمد يعني زوالهم بالضرورة، وهذا يجعلهم يصرون على فعل كل شيء من أجل القضاء على محمد وصحبه...، ورغم أن عقلاءهم أشاروا عليهم بعدم خوض تلك الحرب، ومنهم أبو سفيان الذي أشار عليهم بالرجوع، بعدما نجت القافلة، التي أمَّنَ لها سبل الوصول إلا مكن ولكنهم ركبوا رؤوسهم.

 

..يتبع..



[1]- سيرة ابن هشام 2/182 الشاملة

[2]- السهيلي، الروض الأنف، 5/72


: الأوسمة


المرفقات

التالي
ندوة علمية في قطر تناقش آليات تدبر القرآن الكريم وتعزيز دور الأئمة والخطباء
السابق
رمضان مدرسة لتخريج الرجال (2)

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع