(الطهارة من أهم شروط الصلاة)
اقتباسات من كتاب " فقه الصلاة" للدكتور يوسف عبد الله القرضاوي (رحمه الله)
الحلقة: الخامسة عشر
أول شروط الصلاة الطهارة، فـ"مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، ومفتاحها التسليم". وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غُلُول". والله سبحانه وتعالى يحبُّ عباده المتطهِّرين كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة:222].
واشتراط الطهارة للصلاة موافق للحكمة والفطرة، فالناس لا يقابلون رؤساءهم وكبراءهم، إلَّا على أحسن حال تُمكِنهم، فكيف بلقاء ربِّ الناس، ملك الناس، إله الناس؟
والطهارة في اللغة النظافة، والمقصود بالطهارة هنا أمران:
الأمر الأول: «الطهارة الحُكمية» وهي الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، وفيها قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة:6].
الأمر الثاني: طهارة بدن المصلي وثوبه، ومكان صلاته من الخبث والنجاسة المستقذرة، كالدم والمَيتة والبول والغائط الخارج من الإنسان ومن كلِّ ما لا يؤكل لحمه، قال الله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4]. ومن ذلك: نظافة مخرج البول والبراز بالاستنجاء والغسل بالماء، إن تيسر، وإلا فبالمسح ولو بالأحجار ونحوها في الصحراء (الاستجمار).
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "تنزَّهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه". وقال صلى الله عليه وسلم للمستحاضة المصابة بنزيف مستمرٍّ: "اغسلي عنك الدم وصلِّي". وهناك أحاديث أخرى كثيرة في ذلك.
أنواع الحدث:
والحدث نوعان: حدث أصغر، بسبب الاستغراق في النوم، والبول وإتيان الغائط، وخروج الريح من الدبر، ونزول المذي أو الودي، والطهارة منه تكون بـ«الوضوء»، وما ينوب عنه وهو التيمم.
وحدث أكبر، والطهارة منه تكون بـ«الغُسل». وسبب هذا الحدث الأكبر: الجنابة من الرجل أو المرأة، والحيض والنفاس للمرأة.
وقد فصلنا أحكام الطهارة في كتابنا "فقه الطهارة"، فكنتفي هنا بهذا القدر، وليرجع من شاء إلى كتابنا المذكور.
فاقد الطهورين:
هو من لم يجد ماءً يتوضأ به، ولا صعيدًا يتيمم به، كمن حُبس في مكان ليس فيه واحد منهما، أو في موضع نجس ليس فيه ما يتيمم به، ومن كان محتاجًا للماء الذي معه لعطش، وكراكب سفينة لا يصل إلى الماء، وكمن لا يستطيع الوضوء ولا التيمم لمرض ونحوه، وكمقطوع اليديْن لا يستطيع أن يتوضأ ولا يتيمم، ولا يجد من يعينه، ففي هذه الحالة يصلى على حالته التي هو عليه. وهذا قول الشافعي والحنابلة.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يصلي حتى يقدر، ثم يقضي؛ لأنها عبادة لا تسقط القضاء، فلم تكن واجبة، كصيام الحائض.
ورُوِيَ عن مالك: لا يصلي ولا يقضي؛ لأنه عجز عن الطهارة، فلم تجب عليه الصلاة، كالحائض.
قال ابن عبد البر: هذه رواية منكرة عن مالك. وذكر عن أصحابه قولين: أحدهما كقول أبي حنيفة، والثاني يصلي على حسب حاله، ويعيد.
وقال ابن قدامة مبينًا أدلة الشافعية والحنابلة: «لنا ما روى مسلم في صحيحه: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أناسا لطلب قلادة أضلتها عائشة، فحضرت الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له، فنزلت آية التيمم. ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولا أمرهم، بإعادة.
فدل على أنها غير واجبة؛ ولأن الطهارة شرط، فلم تؤخَّر الصلاة عند عدمها، كالسترة واستقبال القبلة. وإذا ثبت هذا، فإذا صلى على حسب حاله، ثم وجد الماء أو التراب، لم يلزمه إعادة الصلاة في إحدى الروايتين، والأخرى عليه الإعادة. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه فقد شرط الصلاة، أشبه ما لو صلى بالنجاسة. والصحيح الأول».
هذه الحلقة مقتبسة من كتاب فقه الصلاة للدكتور يوسف عبد الله القرضاوي (رحمه الله) صص 43-4
-150x150.jpg)