آخر الأخبار

الإرهاب الدّولي – دراسة فقهية تحليلية

شارك المقال على :

الإرهاب الدّولي

دراسة فقهية تحليلية

بقلم

أ . د . علي محيى الدين القره داغي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

ونائب رئيس المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين …..وبعد

فقد أولى الإسلام عناية منقطعة النظير بالرحمة والعدالة والمعاني الإنسانية حتى لا نرى مثلها في أي نظام ، أو دين آخر ، ويكفي أن نرى القرآن الكريم يكرر لفظة ( رحم ) ومشتقاتها أكثر من ( 340 ) مرة تحدث فيها عن عظمة الرحمة ، وكونها صفة لربّ العالمين ، بل إنها الكلمة الوحيدة التي اشتقت منها صفتان لله تعالى يذكرهما المسلم في صلاته ، وعند بدئه بأي عمل فيقول : بسم اله الرحمن الرحيم ، بل جعل الله تعالى الغاية من إنـزال هذه الرسالة المحمدية هو نشر الرحمة للعالم أجمع وليست للمسلمين وحدهم فقال تعالى : ( وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ) ، وجعل الله تعالى ( رؤوف رحيم ) من أسماء الرسول حيث قال : ( بالمؤمنين رؤوف رحيم) ، ويقول : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) ، وجاءت السنة النبوية لتوضيح هذه المعاني السامية من خلال السنة القولية ، والسنة العملية ، فقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه بأنه ( نبي الرحمة ) كما وضع صلى الله عليه وسلم قاعدة في غاية من الأهمية تقضي بأنه ( من لا يَرْحَم لا يُرْحَم ) وأن الله لا يرحم من لا يرحم المخلوقات إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا يمكن حصرها هنا ، إضافة إلى أن سيرته صلى الله عليه وسلم كانت تطبيقاً لهذه الرحمة حيث كان يؤذى من قبل قومه بشتى أنواع الأذى والإهانة ،ومع ذلك يمتنع عن أن يدعو عليهم ، أو يطلب من الله تعالى أن يهلكهم بصاعقة في الدنيا ، بل كان يدعو لهم ، ويرجو أن يخرج من أصلابهم مَنْ يعبد الله ، وينتصر في فتح مكة ويرى كل أعدائه الذين آذوه فيقول لهم ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) .

ومع كل ذلك لم ينج الإسلام من هجمات الأعداء بأنه دين القسوة والشدة ، ومن فهم الأدعياء المتطرفين ، وإسناد تصرفاتهم القاسية أو الإجرامية إلى الإسلام ، لتكون جدة وتبريراً لأعداء الدين ، ولذلك سيكون بحثي حول ” الإرهاب الدولي ” حسبما طلبت مني الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي موضحاً حقيقته ومفهومه ، وأسبابه ، وكيفية علاجه ، وأنه مختلف تماماً عن الجهاد في الإسلام ومقاومة المحتلين.

وإنني إذ أستجيب لهذا الطلب الغالي في ظل هذه الرؤية المذكورة أدعو الله أن يكتب لي التوفيق فيما نصبو إليه ، ومستغيثاً به تعالى أن يحقق لنا من الأهداف والغايات المرجوة من هذا البحث والمؤتمر ، ومتضرعاً إليه أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، إنه مولاي فنعم المولى ونعم النصير .

كتبه الفقير إلى الله

علي بن محيى الدين القره داغي

الدوحة 21 ربيع الآخر 1436هـ

التعريف بالارهاب :

الارهاب لغة : مصدر ( أرهب ) من الرهب بمعنى الخوف والرعب ، وأرهبه أي خوّفه وفزّعه ، واسترهبه أي خوّفه ، وفي القرآن الكريم : ( وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) ومنه الراهب المنقطع للعبادة في صومعته بسبب خوفه من الله تعالى .

ولفظ الرهب – أي الخوف – ومشتقاته يستعمل في اللغة والقرآن الكريم في معنين :

1- الخوف المحمود الايجابي مثل الخوف من الله تعالى ، ومن المخاطر الطبيعية ، ومنه قوله تعالى : (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) .

2- الخوف المذموم ، أو السلبي ، وهو الخوف الناتج عن المرض النفسي ، وغير المبرر .

وكذلك الارهاب أو التخويف نوعان :

1- تخويف أو إرهاب ايجابي محمود في الشريعة ولدى العقول السليمة ، والأمم ، وهو تخويف الأعداء بإعداد القوة حتى لا يهاجمون ولا يقدمون على الحرب ، مثل ما يسمى اليوم بنظرية الردع الاستراتيجي ، التي منعت الحرب العالمية الثالثة بسبب السلاح النووي حيث وقعت حربان خلال النصف الأول من القرن العشرين بسبب الأطماع التوسعية ، وكذلك توقفت الحرب الشاملة بين الهند وباكستان بعدما حصلت كلتاهما على السلاح النووي .

وقد قال المفسرون : إن المراد بقوله تعالى : ( تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ) هو الإعداد الكافي للقوة الضاربة بمنع الأعداء من التفكير بغزو البلاد ، وبالتالي فهذا التخويف إيجابي جداً لأنه يمنع وقوع الحروب ، ونقض العهود والاتفاقيات .

ويدخل في هذا الإطار أيضاً قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : ( نصرت بالرعب مسيرة شهر) حيث فسر ذلك بالرعب في قلوب الأعداء ، بل ورد بهذا القيد في رواية أخرى بلفظ : ( نصرت على العدو بالرعب ..) ، أو المراد هو الخوف والقلق والاضطراب في قلوب المشركين بسبب عدم وجود الإيمان فقال تعالى : (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ ) .

2- تخويف أو إرهاب سلبي ومذموم ، وهو تخويف الآمنين ، وإحداث الرعب بين الناس بدون حق ، وهذا الارهاب أو التخويف حرام في جميع الشرائع السماوية ، ولكن الإسلام فصل فيه حتى وصل التحريم لتوريع الحيوانات الآمنة – كما سيأتي – .

وبناء على ما سبق فإن لفظ الارهاب ، أو التخويف يكون ممدوحاً ، أو مذموماً حسب نوعية الأثر الذي يحدثه ، ونوعيه الموجه إليه ، ولكن أصبح لفظ ( الإرهاب ) شائعاً في الإرهاب المذموم ، ثم ألصق بهذا الدين العظيم الذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين .

الإرهاب في الاصطلاح :

أصبح هذا المصطلح متداولاً من أكثر من عقدين دون تحديد دولي له ، ولذلك تطلقه الدول الكبرى ، والدول المستبدة على كل من يخالف رأيها أو يقف في وجه طغيانها ، أو مصالحها ، مخالفة بذلك الشرائع السماوية والقوانين الدولية ، فمثلاً أن مقاومة المحتلين مشروعة في جميع الشرائع ، والنظم والقوانين الدولية ، ومع ذلك أطلق عليها الإرهاب ، ولم يطلق على المحتل الغادر ، حيث أطلق على المقاومين الفلسطينين ، ولم يطلق على الصهاينة المحتلين المعتدين .

ولذلك يجب على منظمة التعاون الإسلامي ، والجامعة العربية السعي الجاد لوضع تعريف جامع مانع للإرهاب ، معتمد من الأمم المتحدة ، حتى لا يبقى عائماً يخضع لأهواء الدول والأفراد والجماعات .

ونحن هنا نذكر التعريفات التي وردت في الاتفاقيات الدولية والاقليمية ، وقرارات المجامع الفقهية والمؤتمرات الفقهية .

1- فقد عرفت الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب التي دخلت في حيز التنفيذ بتأريخ 5/5/1999 : الارهاب ، بأنه : كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو أعراضهم أو حريتهم أو أمنهم أو حقوقهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر

وعرفت الاتفاقية الجريمة الإرهابية بأنها : أي جريمة أو شروع أو اشتراك فيها، ترتكب تنفيذاً لغرض إرهابي في أي من الدول الأطراف أو ضد رعاياها أو ممتلكاتها أو مصالحها أو المرافق والرعايا الأجانب المتواجدين على إقليمها مما يعاقب عليها قانونها الداخلي.

ولم تعتبر الاتفاقية الجرائم الإرهابية جرائم سياسية حتى لو كانت بدافع سياسي ، وألزمت كل دولة موقعة عليها ملزمة بتسليم المتهمين أو المحكوم عليهم في جرائم ارهابية .

2- تعريف معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي للإرهاب :

وقد اختارت معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الآرهاب الدولي لسنة 1999 تعريف الارهاب الذي ذكرته الاتفاقية العربية السابقة مؤكداً على : ما جاء في قرار المنظمة بشأن متابعة قواعد السلوك لمكافحة 

الإرهاب الدولي التذكير بقرار الأمم المتحدة رقم 60/49 المتصل بإعلان مباديء بشأن مكافحة الإرهاب الدولي، وتأكيد الالتزام بمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره والقضاء على أهدافه ومسبباته التي تستهدف حياة الناس الأبرياء وممتلكاتهم وسيادة الدول وسلامة أراضيها، واستقرارها، وأمنها…. يشجب القرار إرهاب إرهاب الدولة الموجهة ضد كافة الدول والشعوب.

وقد أكد القرار أن الإسلام بريء من كل أشكال الإرهاب التي تؤدي إلى اغتيال الأبرياء وهو أمر يحرّمه الله…. ويدين بشدة مرتكبي تلك الجرائم البشعة بزعم العمل باسم الإسلام أو أي مبرر آخر. وقد أكدت المعاهدة في ديباجتها أن إبرامها قد اقتضاه العمل بتعاليم الشريعة الإسلامية السمحاء التي تنبذ كل أشكال العنف والإرهاب خاصة ما كان منه قائماً على التطرف ، والتمسك بميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي ، والالتزام بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ، كذلك القرارات الصادرة عنها ذات الصلة بالتدابير الرامية للقضاء على الإرهاب .

وقد نصت الاتفاقية على أنه : لا تعدّ جريمة إرهابية حالات كفاح الشعوب بما فيها الكفاح المسلح ضد الاحتلال والعدوان الأجنبيين والاستعمار والسيطرة الأجنبية من أجل التحرير أو تقرير المصير وفقاً لمبادئ القانون الدولي.

كما نصت بأنه : لا تعدّ أي من الجرائم الارهابية من الجرائم السياسية ، بينما تعد من الجرائم الارهابية جميع أشكال الجرئام المنظمة عبر الحدود والتي تتم بغرض تمويل الأهداف الارهابية بما فيها الاتجار غير المشروع في المخدرات والبشر وغسل الأموال .

وقد أخذ القانون السوداني لمكافحة الارهاب لسنة 2000 تعريف الارهاب والجريمة الارهابية في الاتفاقيتين واعتبر هذا القانون الجريمة الارهابية من صنوف حد الحرابة ، من حيث تكييفها القانوني وعقوبتها .

3- تعريف الإرهاب عند المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ، فقد عرف الإرهاب بما يأتي :

( الارهاب : هو العدوان الذي يمارسه أفراد أوجماعات أو دول بغيا على الانسان «دينه ودمه وعقله وماله وعرضه» ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق وما يتصل بصور الحرابة واخافة السبيل وقطع الطريق وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد يقع تنفيذا لمشروع اجرامي فردي أو جماعي ويهدف الى القاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بايذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم أو أحوالهم للخطر ومن صنوفه الحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق والاملاك العامة أو الخاصة أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو الطبيعية للخطر فكل هذا من صور الفساد في الارض التي نهى الله سبحانه وتعالى المسلمين عنها في قوله (ولا تبغ الفساد في الارض ان الله لا يحب المفسدين) ، وقد شرع الله الجزاء الرادع للارهاب والعدوان والفساد واعتبره محاربة لله ورسوله في قوله الكريم ( إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ولا توجد في أي قانون بشري عقوبة بهذه الشدة نظرا لخطورة هذا الاعتداء الذي يعتبر في الشريعة الاسلامية حربا ضد حدود الله وضد خلقه.

ويؤكد المجمع أن من أنواع الارهاب ارهاب الدولة ومن أوضح صوره وأشدها شناعة الارهاب الذي يمارسه اليهود في فلسطين وما مارسه الصرب في كل من البوسنة والهرسك وكوسوفا واعتبر المجمع أن هذا النوع من الارهاب من أشد أنواعه خطرا على الامن والسلام في العالم واعتبر مواجهته من قبيل الدفاع عن النفس والجهاد في سبيل الله.

وقد أوضح البيان العلاج الإسلامي للتطرف والعنف والإرهاب فقال : ( لقد سبق الاسلام جميع القوانين في مكافحة الارهاب وحماية المجتمعات من شروره وفي مقدمة ذلك حفظ الانسان وحماية حياته وعرضه وماله ودينه وعقله من خلال حدود واضحة منع الاسلام من تجاوزها قال سبحانه (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) وهذا توجيه لعموم البشر وتحقيقا لهذا التكريم منع الاسلام بغي الانسان على أخيه الانسان وحرم كل عمل يلحق الظلم به فقد قال تعالى (قل انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق) ، وشنع على الذين يؤذون الناس في أرجاء الارض ولم يحدد ذلك في ديار المسلمين كما في قوله تعالى (َإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ واذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد) . وأمر بالابتعاد عن كل ما يثير الفتن بين الناس وحذر من مخاطر ذلك قال سبحانه (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب) وفي دين الاسلام توجيه للفرد والجماعة للاعتدال واجتثاث نوازع الجنوح والتطرف وما يؤدي اليهما من غلو في الدين لان في ذلك مهلكة أكيدة «اياكم والغلو في الدين فانما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» رواه أحمد والنسائي.

وعالج الاسلام نوازع الشر المؤدية الى التخويف والارهاب والترويع والقتل بغير حق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما» رواه أبو داود. وقال عليه الصلاة والسلام «من أشار الى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهى وان كان أخاه لأبيه وأمه» رواه مسلم.

وقد أوصى الله بمعاملة أهل الذمة بالقسط والعدل فجعل لهم حقوقا ووضع عليهم واجبات ومنحهم الامان في ديار المسلمين وأوجب الدية والكفارة على قتل أحدهم خطأ فقال في كتابه (وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة الى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) وحرم قتل الذمي الذي يعيش في ديار المسلمين (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة) رواه البخاري وأحمد وابن ماجة. ولم ينه الله المسلمين عن الاحسان لغيرهم وبرهم اذا لم يقاتلوهم ويخرجوهم من ديارهم وذلك كما قال (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين) .

وأوجب سبحانه وتعالى العدل في التعامل مع أهل الذمة والمستأمنين وغيرهم من غير المسلمين فقال (ولا يجرمنكم شنان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون) .

لذا يعلن المجمع للعالم أن جريمة قتل النفس الواحدة بغير حق تعادل في الاسلام في بشاعتها قتل جميع الناس سواء كان القتل للمسلم أو لغيره بغير الحق وأن تنفيذ الحدود والقصاص من خصائص ولي أمر الأمة وليس للافراد أو المجموعات .

كما أوضح البيان أن الجهاد ليس إرهاباً فقال : ( إن الجهاد في الاسلام شرع نصرة للحق ودفعا للظلم واقراراً للعدل والسلام والامن وتمكينا للرحمة التي أرسل محمد صلى الله عليه وسلم بها للعالمين ليخرجهم من الظلمات الى النور مما يقضي على الارهاب بكل صوره. فالجهاد شرع لذلك وللدفاع عن الوطن ضد احتلال الارض ونهب الثروات وضد الاستعمار الاستيطاني الذي يخرج الناس من ديارهم وضد الذين يظاهرون ويساعدون على الاخراج من الديار وضد الذين ينقضون عهودهم ولدفع فتنة المسلمين في دينهم أو سلب حريتهم في الدعوة السلمية الى الاسلام قال تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على اخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) ، وان للاسلام آدابا وأحكاما واضحة في الجهاد المشروع تحرم قتل غير المقاتلين كما تحرم قتل الابرياء من الشيوخ والنساء والاطفال وتحرم تتبع الفارين أو قتل المستسلمين أو ايذاء الاسرى أو التمثيل بجثث القتلى أو تدمير المنشآت والمواقع والمباني التي لا علاقة لها بالقتال. ولا تمكن التسوية بين ارهاب الطغاة وعنفهم الذين يغتصبون الاوطان ويهدرون الكرامات ويدنسون المقدسات وينهبون الثروات وبين ممارسة حق الدفاع المشروع الذي يجاهد به المستضعفون لاستخلاص حقوقهم المشروعة في تقرير المصير . لذلك كله فإن المجمع يدعو الأمم والشعوب والمنظمات الدولية الى ضرورة التمييز بين الجهاد المشروع لرد العدوان ورفع الظلم واقامة الحق والعدل وبين العنف العدواني الذي يحتل أرض الآخرين أو ينتقص من سيادة الحكومات الوطنية على أرضها أو يروع المدنيين المسالمين ويحولهم الى لاجئين.

والمجمع اذ يدعو العالم ومؤسساته الى معالجة العنف العدواني ومنع ارهاب الدولة الذي يمارسه الاستعمار الاستيطاني في فلسطين فإنه يدين جميع ممارسات اسرائيل العدوانية ضد فلسطين وشعبها والمقدسات الاسلامية فيها ويدعو جميع الدول المحبة للسلام الى مساعدة شعب فلسطين وتأييده في اعلان دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها مدينة القدس. وينبه المجمع الى أن تجاهل العدالة في حل المشكلات الانسانية وانتهاج أسلوب القوة والاستعلاء في العلاقات الدولية هو من أسباب كثير من الويلات والحروب وأن عدم حل قضية الشعب الفلسطيني على أسس عادلة أوجد بؤرة للصراع والعنف ولابد من العمل على رد الحقوق ودفع المظالم وغيره من الشعوب والاقليات الاسلامية في العالم. وحيث ان دين الاسلام يحرم الارهاب ويمنع العدوان ويؤكد على معاني العدالة والتسامح وسمو الحوار والتواصل بين الناس فإن المجمع يدعو الشعوب الانسانية والمنظمات الدولية الى التعرف على الاسلام من مصادره الاساسية لمعرفة ما فيه من حلول للمشكلات البشرية وأنه دين السلام للناس جميعا وأنه يمنع العدوان قال تعالى (ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين) .

التعريف بالإرهاب الدّولي :

إن أكبر مشكلة تواجه الباحث هي أن تعريف الإرهاب بصورة عامة ، والإرهاب الدولي بصورة خاصة عائم ومختلف فيه حسب السياسات والأفكار والتوجهات المتنوعة ، حيث بدأت المحاولات القانونية لتحديد مفهوم الإرهاب ، والإرهاب الدولي في وارسو منذ 1927 ، ثم في الندوات والمؤتمرات التي عقدت بين 1930-1935م ، ثم أضافت منظمة الأمم المتحدة لفظ الدولي إلى ( الإرهاب ) ودعت الدول الأعضاء فيها إلى تشكيل لجنة متخصصة لبيان أسباب الإرهاب الدولي ، ودوافعه .

وقد عرفته الموسوعة السياسية بأنه : ( استخدام العنف غير القانوني ، أو التهديد به بغية تحقيق هدف سياسي معين) .

وعرفه مشروع إعداد الاتفاقية الدولية لمكافحة الجرائم ضد الإنسانية بأنه : ( الأعمال الإجرامية الموجهة ضد دولة ما ، أو سكانها التي من شأنها إثارة الرعب لدى شخصيات أو مجموعات من الأشخاص ، أو لدى الجمهور تهدف إلى تدمير أموال عامة ، وإلحاق الضرر بها .

إن هذا المصطلح في مقابل الإرهاب الداخلي ، لذلك نحتاج إلى تمييز واضح بينهما ، ولا سيما أن مصطلح الإرهاب نفسه قد شابه كثير من الغموض ، وصاحبه كثير من الإشكاليات بسبب كثرة التعاريف الممتزجة بالمصالح السياسية ، ونزعة الأقوياء ، والمرتبطة بكيفية الدولة من كونها دولة قوية أو ضعيفة.

ومن جانب آخر فإن مصطلح الإرهاب في اللغة العربية ومرادفها في اللغات الأخرى مصطلح واسع يشمل كل تخويف ورعب بحق ، أو بدون حق ، وبالتالي فيشمل كل استعمال غير مشروع للقوة ، وكل اعتداء على الأرواح والممتلكات العامة والخاصة ، ولذلك اختلف فيه علماء القانون الخاص والعام .

إنه بلا شك توجد جرائم كثيرة حتى في القانون نطاق الدولي يحدث الرّعب والخوف مثل جرائم الحرب ، وجرائم ضد الإنساية ، وجرائم ضد السلم وأمن البشرية ، وجرائم اعتداء دولة على دولة ، وجرائم اعتداء الدولة على مواطنيها ، فهل يدخل كل ذلك في الإرهاب الدولي ؟ مع أنها داخلة في الجرائم الدولية.

للإجابة عن ذلك نقول : إن علماء القانون الدولي قد اختلفوا بين موسع ومضيق ، ومتوسط ، ونحن هنا في هذا البحث لا تسمح طبيعة البحث بالخوض في تفاصيل هذه النقاشات ، وإنما نذكر بعض التعاريف للوصول إلى التعريف الذي نختاره .

فقد عرف ويلكنسون Wilkinson الإرهاب بأنه : ارتكاب العنف المتطرف لأجل الوصول إلى أهداف سياسية معينة يضحي من أجلها بجميع المعتقدات الإنسانية والأخلاقية .

وبناء على ذلك فإنه يشمل : الإرهاب الحربي من خلال استخدام الأسلحة ، والتدابير القمعية ، والإرهاب الثوري للاستيلاء على السلطة بالقوة ، ونحوها .

ويرى فريق آخر أنه : لا بد من تمييز الإرهاب الدولي عن العنف والكفاح المسلح ضد الاحتلال والغزاة ، والأحزاب الفاشية التي سيطرت على الحكم بالقوة والانقلاب .

ويلخص جونز بورج Gunzburg عناصر الإرهاب الدولي في الاعتداء على رئيس دولة ، أو أحد أعضاء الحكومة في الخارج ، وعلى خدمة عامة متعلقة بتشغيل حركة المواصلات الدولية مثل خطف الطائرات .

وقد حصر الدكتور صلاح الدين مفهوم الإرهاب الدولي في استخدام العنف المنظم لتحقيق هدف سياسي .

ويصل الدكتور رفعت ، والدكتور الطيار بعد مناقشات مستفيضة إلى تعريف الإرهاب الدولي بأنه : استخدام طرق عنيفة كوسيلة ، الهدف منها الرعب للإجبار على اتخاذ موقف معين ، أو الامتناع عن موقف معين .

ثم بيّنا ملامح ذلك من خلال أن الإرهاب الدولي وسيلة وليس غاية ، وأن وسائله متنوعة ، وأنه يحدث عن وجود مشكلة سياسية ، أو نحوها ، فيكون أمامها فريقان مختلفان ، وغالباً ما تكون هنا أسباب سياسية لهذه الجرائم مثل عدم مراعاة حقوق الأقليات ، وعدم الإقرار بحق الشعوب في تقرير مصيرها ، وعدم احترام حقوق الإنسان .

وبناء على ذلك فإن عناصر الإرهاب هي :

(1) عنف موجه إلى شخص ، أو أشخاص ، أو رهائن .

(2) أن يكون منفذ العمل قاصداً إثارة حالة من الرعب والفزع لمجموعة من الأفراد بعيدين عن مسرح العمل الإرهابي .

(3) أن يكون منفذ العمل متوقعاً أن هؤلاء الأفراد سيحققون له مطالبه ، أي أن يكون له هدف يريد تحقيقه من خلال الإرهاب .

(4) أن تتسم الجريمة بالطابع الدولي ، أي أن تكون قد وقعت في أكثر من دولة ، أو أن يكون ضحايا العمل ينتمون إلى دول مختلفة .

وفي ضوء هذا التعريف فإن الإرهاب الدولي تنحصر في دائرة الإرهاب السياسي الذي يكون له هدف معين يراد تحقيقه من خلال استخدام طرق عنيفة ، وبذلك فإنه لا يشمل عدوان دولة على دولة ، ولا يشمل كذلك جرائم الحرب ، أو الجرائم ضد الإنسانية ، لأن لكل واحدة من هذه الجرائم خصوصيتها وعقوبتها في القانون الدولي .

مرجعية جرائم الإرهاب في ضوء مبادئ الشريعة :

والذي نرى رجحانه في هذا الشأن هو أن : جريمة الإرهاب الدولي ترجع إلى جريمتين في الشريعة الإسلامية ، وهما : جريمة الفساد والحرابة – بمعناها الواسع – ، وجريمة قتال الدولة الشرعية والإضرار بها وبمؤسساتها من خلال العنف المسلم الموجه إليها ، وهي التي تسمى في الفقه الإسلامي بجريمة البغاة.

وفي ضوء ذلك نستطيع أن نعرف الإرهاب الدولي بأنه : العنف المسلح غير المشروع الموجه نحو المجتمع ومؤسساته الأهلية ، أو الدولة بأي وسيلة تحقق الإضرار ، ثم إذا كان له طابع دولي – بأن يكون قد وقع في أكثر من دولة ، أو أن ضحاياه ينتمون إلى أكثر من دولة – فيسمى إرهاباً دولياً.

والعنف هنا : جنس عام يشمل : العنف الفعلي ، أو الحكمي الذي يتحقق بالتهديد الجاد لمن له قدرة على التنفيذ .

والعنف لغة : مصدر عَنُف – بضم النون – ، فيقال : عنُف به ، وعليه ، وأعنفه ، وعنّفه – بشد النون – أي أخذه بقسوة وشدة ، واعتنف الأمر أي أخذه بعنف ، فهو عنيف ، وجمعه عُنُف – بضم العين والنون – ، ويقال : عُنفوان الشباب ، لأنه مظنة القوة والعنف .

ومن هنا فالعنف هو عمل غير مشروع في اللغة ، وفي الشرع ، وبالتالي فلا يحتاج إلى زيادة وصف له بغير المشروع ولو وصف به لكان تأكيداً لإخراج المقاومة المسلحة ضد الاحتلال ، حيث وردت أحاديث في العنف منها قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما كان الرفق في شئ إلا زانه ، ولا نزع من شيء إلاّ شانه ) ومن المعلوم لغة وشرعاً أن العنف هو ضد الرفق ، فإذا نزع الرفق حلّ محله العنف ، بالاضافة إلى الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة ، على حرمة الايذاء والإضرار بالآخر بأي وسيلة قولية أو فعلية أو حتى بالإشارة .

ثم إن العنف هنا مقيد بأن يكون مسلحاً أي باستعمال القوة ، أو التهديد الجديّ بها .

وتقييده بـ ( الموجه نحو المجتمع ومؤسساته الأهلية ، أو الدولة ) للاحتراز به عن العنف الفردي الموجه إلى الأفراد لغايات خاصة مثل النهب والسرقة والثأر ، فهذه غير داخلة في الإرهاب الدولي .

وقولنا : ( بأي وسيلة تحقق الإضرار ) لتشمل جميع الوسائل والطرق والتصرفات القولية والفعلية ، وحتى الإشارة التي يترتب عليها إيذاء وإضرار .

ثم إن التعريف لم يحدد مصدر العنف ، ولذلك ليبقى على إطلاقه ليشمل الدولة والفرد والجماعة ، وبالتالي فالدولة حينما تتعامل بالعنف غير المشروع نحو مواطنيها ، أو مؤسسات المجتمع الأهلي ( مثل الأحزاب السياسية ، والجمعيات الخيرية ، والحقوقية ) فهي داخلة في الإرهاب أو الإرهاب الدولي ، وكذلك الأفراد والجماعات حينما تتعامل مع الدولة أو المجتمع ، أو مؤسساته بعنف فهي داخلة في الإرهاب ، وكذلك حينما يوجه العنف غير المشروع إلى المؤسسات الدولية ، أو الخدمات العامة مثل خطف الطائرات ، وتدمير السفارات ، واحتجاز الرهائن ، أو اختطافهم ، والتفجيرات في الأماكن العامة … ، كل ذلك داخل في الإرهاب الدولي ، أو حسب مصطلحنا الفقهي الخاص بمفهوم الحرابة والفساد في الأرض.

وكذلك إذا قام شخص ( طبيعي ، أو اعتباري ) ضد دولته الشرعية باستعمال السلاح وإحداث الأضرار للمواطنين ، وغيرهم دون الركون إلى الحوار المتاح فهو داخل في الإرهاب الدولي.

وكلّ هذه التصرفات داخلة في مفهوم الشريعة لجريمة الحرابة والفساد في الأرض ، وجريمة البغي في الأرض .

عقوبة الحرابة والفساد في الأرض :

لقد شرع الله تعالى لقطع دابر الفساد في الأرض ، ولمنع الاعتداء على أمن المجتمع عقوبة تعد على الاطلاق أشد العقوبات إذ يقول تعالى : ( إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) .

ودون الخوض في التفاصيل الفقهية فإن الفقهاء مجمعون على حرمة الحرابة والفساد في الأرض بل من الكبائر الموبقات ، موجهة نحو المجتمع ، وليست جريمة ذات طابع فردي ، ولذلك ليس لأولياء المقتول الحق في عفو المحارب المفسد ، وإنما الحق للدولة من قبل القدرة عليهم ، ثم اختلفوا هل هذه العقوبات موزعة حسب نوعية الجريمة ، فإن قتل فقط يقتل ، وإن قتل وأخذ المال عنوة قتل وصلب ، وإن أخذ المال قطع فقط ، وإن قام بالتخويف والرعب سجن ، أم أن الدولة مخيرة حسب المصالح في اختيار أي عقوبة ما دامت الحرابة قد تحققت .

فالحرابة مبناها على الرعب ، والإرهاب ، وأنها خروج مسلح ، أو استعمال للقوة لإحداث الفوضى ، وسفك الدماء ، والإخلال بالأمن والأمان والقانون ، والنظام العام ، وأنها عادة تتحقق بخروج مسلحين يقطعون الطريق ويحدثون الفوضى ، ويسفكون الدماء ، ويهلكون الحرب والنسل ويعتدون على إحدى الكليات المقصودة في الإسلام من الدين ، والنفس ، والعقل ، والمال ، والنسل والعرض ، فقال تعالى في وصفهم : ( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) .

ويدخل في مفهوم الحرابة عصابات القتل ، والخطف ، والسطو على البيوت ، أو البنوط ، وخطف النساء للفجور بهنّ ، واغتيال المسؤولين ابتغاء الفتنة واضطراب الأمن وإتلاف الزرع وقتل المواشي والدواب ، ومن يقوم بالتفجيرات بين المدنيين ونحوها من الجرائم التي تحدث الفزع داخل المجتمع .

عقوبة الاعتداء على الدولة وأمنها :

هذه العقوبة تسمى في الشريعة بحد البغاة ، وهم الذين يخرجون عن الإمام ( الدولة الشرعية ) خروجاً مسلحاً بتأويل ، جاء في بدائع الصنائع : ( فالبغاة هم الخوارج ، وهم قوم من رأيهم أن كل ذنب كفر ، يخرجون على إمام أهل العدل ، ويستحلون القتال والدماء والأموال بهذا التأويل ، ولهم مَنعة وقوة ) .

ولكن الراجح هو ان الغاة أعم من الوارج الذين يتسحلون دماء المسلمين واموالهم وسب نسائهم ، ويكفرون علياً وأصحابه وعثمان وطلحة والزبير ، أما البغاة فهم الخارجون خروجاً مسلحاً ضد الدولة بتأويل ، مطلقاً ، ولذلك قال ابن عابدين : ( الظاهر … أن البغاة أعم) وعلى عموهم جمهور الفقهاء قال ابن قدامة : ( وجملة الأمر أن من اتفق عليه المسلمون على إمامته ، وبيعته ثبتت إمامته ووجبت معونته وأن من خرج عليه يعتبر باغياً وجب قتاله ) .

والخلاصة أن هؤلاء البغاة الذين خرجوا على الدولة الشرعية بتأويل يجب بذل كل الجهود لتحقيق المصالحة العادلة ، والسعي لاستجابة مطالبهم المشروعة فإن أبو ذلك ، أو قاموا بأعمال إرهابية وجب قتالهم بالاجماع قال تعالى : (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) .

الخوارج مرجع كل تطرف ديني في الإسلام :

وإذا رجعنا إلى السنة المشرفة نرى خطورة الغلو في الدين لدى الخوارج ، وأن من صفاتهم الجرأة على الدين وعلى الصحب ، حتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما بسندهم عن أبي سعيد الخدري قال : (ينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة – وهو رجل من بني تميم – فقال: اعدل ، فقال: ( ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل )، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه، فأضرب عنقه، فقال: ( دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ……… آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس ) قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس في القتلى ، فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته ) .

وفي رواية لمسلم عن جابر قال : (أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها يعطي الناس فقال يا محمد اعدل قال ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق فقال معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية) ، وفي رواية أخرى لمسلم عن أبي سعيد في قصة توزيع ذهب على أربعة نفر : (فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس فقال : اتق الله يا محمد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمن يطع الله إن عصيته ؟ أيأمنُنى الله على أهل الارض و لا تأمنوني ؟ قال ثم أدبر الرجل فستأذن رجل من القوم في قتله( يرون أنه خالد بن الوليد) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من ضئضئ هذا قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ،يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) .

وروى البخاري ومسلم وغيرهما بسندهم إلى علي بين أبي طالب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة ) .

وفي رواية أخرى قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لاتكلوا عن العمل ) .

ويظهر من هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها مما ذكرتها كتب الصحاح والسنن والمسانيد أن هؤلاء القوم تبنوا الفكر المتطرف ، والغلو في الدين ، والتشدد في الحكم مع تزكية أنفسهم بأنهم أفضل الخلق وأن القرآن لهم فقط ، وأن تأويله لصالحهم ، وأنهم مكثرون للصلاة ، والصيام والقراءة ومبالغون فيها ، وفي الاعتناء بمظاهرها ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم وصفهم بأن هذه العبادات الظاهرية لن تتجاوز أماكنها ، بل اتهم شر الخلق والخليقة ، فقد روى مسلم وغيره عن أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن بعدي من أمتي ، أو سيكون بعدي من أمتي قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم ، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه ، ثم شر الخلق والخليقة ) حيث يذل هذا الحديث على أن الخيرية لا تتحقق بكثرة الصلاة والصيام والقراءة وحدها ، وإنما بالفكر المعتدل والالتزام بالأخلاق والقيم والمصاحبة لها ، وبالتربية والتزكية.

وأشارة هذه الأحاديث الصحيحة إلى أن الخوض في قراءة القرآن دون الفقه والفهم العميق يترتب عليه الإفراط والتفريط ، والتشدد والتكفير.

وقد نقل كثير من العلماء الاجماع على وجوب قتالهم إذا حملوا السلاح ، فقال ابن تيمية : ( والأئمة متفقون على قتال الخوارج المارقين ) ثم قال : ( وقد أجمع المسلمون على وجوب قتال الخوارج ، والروافض ، إذا فارقوا جماعة المسلمين ، كما قاتلهم علي رضي الله عنه ) وهذا القتال مشروط بما يأتي:

1- أن تدعوهم الدولة إلى الحوار والمصالحة وأن تستجيب لمطالبهم المشروعة ، وان ترفع عنهم الظلم البيّن إنْ وجد .

2- أن يرفعوا السلاح في وجه الدولة ، إما بالمنع من أداء واجبها ، أو بالإقدام على القتل والنهب ، والإرهاب والتخويف.

3- أن يمتنعوا عن الحوار ، أو المصالحة والسمع والطاعة ، بأن يريدوا فرض رأيهم بالقوة. وحينئذ يجب قتالهم حماية للأمن والأمان ووحدة الدولة والمصالح العامة .

وبناء على ما سبق فإن جرائم الإرهاب الدولي مغطاة في الشريعة الإسلامية من خلال العقوبات المفروضة نصاً واجتهاداً في باب : الحرابة والفساد ، وباب البغاة ، ولكنها تحتاج إلى الاجتهادات المؤصلة للجرائم الواقعة تحت لافتة الإرهاب الداخلي ، والإرهاب الخارجي .

انتشار ظاهرة الارهاب الدولي :

بدأت هذه الظاهرة في العصر الحديث بالصهاينة حيث اقتحمت مجموعة منهم مقر الوفد السوري في الأمم المتحدة عام 1969م ، وعاثوا فيه فساداً ، كما ألقت مجموعة أخرى عام 1971 زجاجة حارقة على مكتب البعثة العراقية في الأمم المتحدة ، وأطلق أحد أعضاء منظمة الدفاع اليهودية الرصاص على مقر الوفد السوفيتي في نيويورك في 20/10/1971 ، ثم بدأ الاختطاف للدبلوماسيين وغيرهم ، والتفجيرات ، والاعتداءات والجرائم الدولية من مختلف الأمم والشعوب ومنتسبي الأديان .

المواثيق الدولية لمكافحة الإرهاب الدولية :

الإرهاب قديم وليس جديداً ، وهو لا دين له ، وعانت منه البشرية في معظم العصور ولا سيما في ظل الأفكار العنصرية ، وبخاصة في ظل الحرب العالمية الأولى ، ولذلك أدرج الإرهاب السياسي ضمن الجرائم الخطيرة في المؤتمر الأول لتوحيد قانون العقوبات الذي انعقد في وارسو عام 1927م ، ثي في المؤتمر الثالث الذي انعقد في بروكسل عام 1930 حيث تم التأكيد على : أن الإرهاب السياسي يتمثل في الجرائم التي تعارض التنظيم السياسي والاجتماعي لكل دول العالم ، ثم في المؤتمر الرابع المنعقد بباريس عام 1930 حيث عدّ جرائم تفجير القنابل ونحوها التي تسبب خسائر جسيمة ضمن الإرهاب الدولي ، ثم المؤتمر الخامس بمدريد عام 1933 حيث تم تصنيف النهَب ، والتخريب ، واستخدام العنف من ضمن جرائم الإرهاب السياسي .

ثم أبرمت الاتفاقيات الدولية لمنع ، ومعاقبة الإرهاب الدولي ، منها :

1- اتفاقية جنيف الموقعة في 16/11/1937 المكونة من ديباجة و 29 مادة ، حيث تعهدت الدول الموقعة عليها بالامتناع عن كل فعل من شأنه تشجيع الأنشطة الارهابية الموجهة إلى أي دولة ، والعمل على منعها ، وبالتالي فإن نطاقها يشمل الأعمال الإجرامية الموجهة إلى الروؤساء ، والقائمين على أعمالهم ، أو ورثتهم ، أو زوجاتهم ، والتخريب المتعمد ، وإتلاف الممتكلات العامة ، أو المخصصة لأغراض عامة ، وأي عمل عمدي يعرض حياة العامة للخطر.

 

 

وكذلك نصت المادة 3 على شموليتها للتآمر أو التحريض ، أو الاشتراك ، أـو تقديم المساعدة عن علم لتنفيذ الجرائم الإرهابية السابقة.

ويلاحظ عليها أنها لم تستهدف الإ الاعتداءات الموجهة ضد أصحاب السلطة ، كما أنها لم تدخل حيز التنفيذ لعدم التصديق عليها .

2- الاتفاقية الأوروبية لقمع الإرهاب الموقعة في 27/11/1977 في ستراسيورج ، وتتكون من ديباجة و 16 مادة ، حيث شملت قمع الاستيلاء غير المشروع على الطائرات الموقعة في لاهاي عام 1970م ، وفي مونتريال عام 1971 ، والجرائم على الديبلوماسيين ، وجرائم استخدام القذائف ، والقنابل اليدوية ، والصواريخ ، والأسلحة النارية ، والخطابات أو الطرود الخداعية المستهدفة تهديد حياة الناس ، والشروع في ارتكاب أي من الجرائم السابقة او الاشتراك فيها ، وأي عمل موجه ضد حياة الناس ، وحرياتهم ، أو ممتلكاتهم ، ونحو ذلك .

3- وهناك ثلاث اتفاقيات دولية أخرى لنفس الغرض ، وهي : الاتفاقية الموقعة في واشنظن في 2/2/1971 ، والاتفاقية الموقعة في نيويورك في 14/12/1973 ، والاتفاقية الدولية لمناهضة أخذ الرهائن ، الموقعة في نيويورك في 17/12/1979 .

4- وثلاث اتفاقيات دولية خاصة بالطائرات ، إحداهما تخص قمع الاستيلاء غير المشروع على الطائرات ، الموقعة في مونتريـال 16/12/1970 ، والثانية تخص قمع جرائم الاعتداء على سلامة الطيران المدني ، الموقعة في مونتريال 23/9/1971 ، والثالثة اتفاقية الجرائم التي ترتكب على متن الطائرات ، الموقعة في طوكيو في 14/9/1963 ، ثم أضيف البرتوكول الخاص بالجرائم في المطارات الخاصة بالطيران المدني الذي تم التوقيع عليه في مونتريـال في 24/4/1984.

5- اتفاقية قمع الجرائم الموجهة ضد سلامة الملاحة البحرية الموقعة في روما في 10/3/1988 ، وبروتوكوله الخاص بقمع الجرائم الموجهة ضد سلامة المنشآت الثابتة المقامة على الرصيف القاري ، الموقع علهي بروما في 10/3/1988.

هذه الاتفاقيات كلها دخلت حيز التنفيذ .

مشروعية استعمال القوة ضد الاحتلال ولتقرير المصير حسب ميثاق الأمم المتحدة :

فقد نص ميثاق الأمم المتحدة على مبدأ تقرير المصير في الفقرة الثانية من المادة الأولى الخاصة بأهداف الأمم المتحدة وهي : ( إنماء العلاقات الدولية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب ، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها …. ) وفي المادة (55) جاء فيها : ( رغبة في تهئية دواعي الاستقرار والرفاهية الضرورين لقيام علاقات سلمية وودية بين الأمم مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب ، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها) .

وأكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الحق ، وأن الكفاح المسلح لا يدخل في العدوان والإرهاب حيث أصدرت عام 1974 قرارات تضمنت تعريف العدوان ، فضمن في المادة السابقة بأن الكفاح المسلم للشعوب التي تخضع لنظم الحكم الاستعمارية ، أو العنصرية ، أو أية أشكال أخرى من السيطرة الأجنبية ، في الكفاح من أجل تقرير المصير ، والحرية ، والاستقلال .. ليس من العدوان) .

وبهذا يتبيّن بأن المقاومة المسلحة في فلسطين ضد الاحتلال الصهيوني حق مشروع حسب قرارات الأمم المتحدة .

لماذا يُتّهم الإسلام بالإرهاب ؟

ولم نسمع مع كل ما فعله الصربيون في البوسنة ، أو الصهاينة في فلسطين ، أو المينامارييون بالأقلية الروهنجية ، أو العصابات المسيحية في أفريقيا الوسطى بالمسلمين أو ما يجري الآن في الدول الغربية من قتل للمسلمين بسبب الكراهية وحرق المساجد… أن أحداً اتهم الدين المسيحي ، أو اليهودي ، أو الوثني بالإرهاب ، في حين يُتهم الإسلام فوراً بمجرد أن أحد أفراده قد ارتكب جريمة إرهاب فتسارع معظم وسائل الإعلام والتصريحات الرسمية باتهام الإسلام نفسه ، والتضييق على الأقلية الإسلامية ، وكأن المبدأ القرآني الفطري الإنساني الدولي : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) قد أغفل عنه تماماً وبالتالي فجميع المسلمين متهمون إلى أن يثبتوا براءتهم مع أن نسبة الجرائم الارهابية التي يرتكبها غير المسلمين أكبر بكثير مما يرتكبه المسلمون ، وأذكر هنا إحصائية قام بها مجلس المواطن للأمن والعدالة الجنائية بمكسيكو سيتي لخمسين مدينة خلال العام 2013 فبلغت الجرائم الإرهابية آلافاً ، وأدت إلى مقتل 40.206 شخص في هذه المدن الخمسين ، وانه لم يقتل بأيدي المسلمين إلاّ عدد محدود أقل من أصابع اليدين .

ونشرت صحيفة ” ديللي بيست ” أن 98% من جرائم الإرهاب في أمريكا ، و94% من غيرها منفذوها ليسوا مسلمين .

فقد أثبت المحامي والفنان الكوميدي ، والكاتب السياسي الأمريكي ” دين عبيدالله ” تلك الاحصائية ، قائلاً 🙁 كم مرة سمعت فيها جملة ” ليس كل المسلمين إرهابيين ” ولكن كل الإرهابيين مسلمون ؟ ) سمعنا – بكل تأكيد – بريان كلمياد ، وهو يقولها على فوكس نيوز …… ورغم ذلك فإن الغالبية الساحقة من أولئك الذين ارتكبوا الهجمات الارهابية في الولايات المتحدة وأوروبا ليسوا مسلمين ) ثم وصف ذلك بالفشل الإعلامي السائد الذي يصف المسلمين بالإرهاب كما قالت سارة بالين ، ثم ذكر بأن 2% من العدد الكلي للهجمات الارهابية في أوروبا من المسلمين .

ولقد لاحظت هيئة ” يوروبول ” وهي وكالة إنقاذ القانون في الاتحاد الأوروبي في تقريرها الذي صدر العام الماضي : أن الغالبية العظمى من الهجمات الارهابية في أوروبا ارتكبت من قبل الجماعات الانفصالية ، وعلى سبيل المثال كان هناك 152 هجوماً إرهابياً في أوروبا عام 2013 كانت من بينها هجمتان فقط وراءهما دوافع دينية ، والبقية وراءها الدوافع العنصرية ، والعرقية ، والانفصالية ، فعلى سبيل المثال شن ارهابيون من FLNC الفرنسية التي تدعو إلى إنفصال جزيرة كورسيكا : هجمات صاروخية ضد مراكز الشرطة في مدينتين قتل فيهما عدد ، ولكن الإعلام لم يركز عليها ، ثم ذكر ما قام به أندرس بريفيك الذي قتل 77 شخصاً في النرويج في عام 2011 بدافع العنصرية ، ومع ذلك لم يضخمه الإعلام بعشر معشار أي حادث لو كان الفاعل مسلماً .

وفي أمريكا ذكرت دراسة لمكتب التحقيقات الفدرالي FBI أن 94 % من الجرائم الإرهابية التي ارتكبت في أمريكا من عام 1980 إلى عام 2005 كانت على أيدي غير المسلمين ، وفي دراسة لجامعة ولاية كاولينا الشمالية في عام 2014 أنه من بعد هجمات 11 سبتمبر2001 إلى الآن لم يؤد الإرهاب المرتبط بالمسلمين إلاّ لمقتل 37 من الأمريكيين من بين الآلاف الذي قتلوا بأيدي الآخرين .

ونحن لا نستهين بالقتل ولو لنفس واحدة بريئة ، لأن الله تعالى قال : ( أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) ولكن نبين ازدواجية المعايير في العرض والطرح والتحليل بين ما إذا كان المرتكب للجريمة مسلماً أو غيره .

ومن جانب آخر فإن العمليات الإرهابية في القرن الماضي لم تكن لها علاقة بالإسلام ، بل كانت تقوم بها المنظمات اليسارية ، والعنصرية ، وعصابات المافيا ، وما دخلت الجرائم الإرهابية باسم الاسلام بشكل واضح إلاّ من خلال تنظيم القاعدة منذ عام 2001 ، ثم دخل الساحة منذ السنتين تنظيم داعش (المسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ) ! .

أسباب الإرهاب :

فقد اختلفت وجهات نظر الباحثين والسياسيين في أسباب التطرف الديني ، والعنف باسم الدين ، فمنهم من يرجعها إلى أسباب اقتصادية من الفقر والبطالة ، ولكنها تضعف وجاهة هذا السبب أن التطرف ليس بين الفقراء والعاطلين فقط ولا في الدول الفقيرة فحسب ، وإنما يشمل الأغنياء والدول الغنية أيضاً ، فكان أول تطرف ظهر في العقود الأخيرة كان في جماعة جهيمان الذين احتلوا الكعبة المشرفة وأراقوا فيها الدماء ، ولم يكن دافعهم القضية الاقتصادية .

ومنهم من أرجع ذلك إلى أسباب نفسية أو اجتماعية أو فكرية ، أو نحو ذلك .

ولكن التحقيق هو النظرة الشمولية إلى الأسباب ، بأن كل هذه الأسباب وغيرها كان لها دور في إيجاد التطرف وتوسيع دائرته ويمكننا أن نقسم هذه الأسباب إلى قسمين : أسباب داخلية داخل الجماعات المتطرفة أنفسها ، وأسباب خارجية .

فأما الأسباب الداخلية فهي :

(1) القهر السياسي وتعذيب الدعاة ، والاستبداد والدكتاتورية التي منعت حرية الآراء والأفكار ، وقمعت المعارضين بالقوة والسلاح ، وانواع التعذيب وألوان الأذى ، والسجون التي خرجت عن دائرة كرامة الإنسان وحقوقه ولذلك نرى ان أول فكر متطرف ظهر في سجون عبدالناصر عندما قيض على الشباب المسلم بالآلاف وعذبوا بصنوف العذاب ، وأوذوا بانواع الأذى ، واستمعوا إلى كلمات السب والشتيمة ، والقذف والكفر من زبانية السجون ، حيث ظهرت جماعة التكفيرة والهجرة بقيادة مصطفى شكري التي قامت على تكفير المجتمع إلا من يؤمن بالمبادئ التي حددتها ، وبوجوب الهجرة من دار الكفر ( أي التي لا تحكم الدولة فيها بالشريعة) إلى دار الإسلام ، فالاستبداد دائماً يولد العنف لدى الآخرين ، ويجعلهم لا يفكرون في وضح النهار ، وإنما في جنح الليل وفي الظلام الدامس وفي الأماكن السرية فتنمو الأفكار المتطرفة في هذه الأجواء الكابتة.

 

 

فقد منعت الدعوة الإسلامية أن تقوم بعملها جهراً ، فاضطرت للعمل السري ، بل رأى الشباب المسلم حينما سجن كيف يعذب الدعاة بألوان من الإيذاء والعذاب ما تقشعر من ذكره الأبدان ،وما يشيب من هوله الولدان ، فقد شويت الأجسام الغضة بالكرابح شياً ، وكويت بالنيران وأعقاب السيكاير كياً ، وعلق الرجال من أرجلهم كما تعلق الذبائح يتناوبهم الجلادون واحداً بعد الآخر ، كلما تعب أحدهم أخذ منه الجلاد الآخر ، حتى يصير الجيم كومة من الدم والقيح والصديد ، وكم من أناس سقطوا شهداء تحت العذاب لم يرق لهم ولم يعبأ لهم القساة الجبارون الذين لم يخشوا خالقاً ولم يرحموا مخلوقاً ، ولم يفكروا في محاسبتهم .

 

 

لقد استخدم في حق الشباب والدعاة المسجونين كل ما عرفته النازية والفاشية والشيوعية وزادوا على ذلك بأساليب ابتدعوها في إيذاء الأبدان ، وتعذيب النفوس وسل الأمخاخ ، وإهدار الآدمية .

في داخل هذا الأتون لتعذيب البشر ولد التطرف عملاقاً ، وظهر التكفير جهاراً ونهاراً ، حيث ظهرت جماعة التكفير والهجرة داخل السجون ، ورد عليهم الأستاذ الهضيـبي في كتابه ( دعاة لا قضاة ) حيث بدأ هؤلاء المعذبون بسؤال بسيط لأنفسهم : لماذا هؤلاء يعذبوننا هذا العذاب الأليم ؟ لِمَ كل هذا التعذيب ؟ وأي جريمة اقترفناها غير أننا قلنا ربنا الله ومنهجنا الإسلام ودستورنا القرآن فوصلوا إلى أن هؤلاء الوحوش الكاسرة التي نهشت لحومهم كافرة وأن هؤلاء الحكام من ورائهم الذين لا يحكمون بما أنزل الله بل يعذبون من يطالب بذلك …. كفار فسقة فجرة …….. هكذا تأصل التكفير والتطرف .

وقد سجل الشيخ يوسف القرضاوي الذي سجن في هذه السجون هول هذه السجون في قصيدته النونية إذ يقول :

ثارَ القريضُ بخاطري فدعوني *** أفضي لكمْ بفجائعي وشجوني

فالشعرُ دمعي حينَ يعصرني الأسى *** والشعرُ عودي يومَ عزفِ لحوني

كم قال صحبي: أين غرُّ قصائدٍ *** تشجي القلوبَ بلحنها المحزونِ؟

وتخلّد الذكرى الأليمةَ للورَى *** تُتلى على الأجيالِ بعدَ قرونِ

صَوَّرتُ فيها ما استطعتُ بريشتي *** وتركتُ للأيامِ ما يعييني

ما هِمْتُ فيها بالخيالِ فإنَّ لي *** بغرائبِ الأحداثِ ما يُغنيني

أحداثِ عهدِ عصابةٍ حكموا بني *** مصرٍ بلا خُلق ولا قانونِ

أنستْ مظالِمُهُمْ مظالمَ مَن خلَوْا *** حتّى ترحمَنا على نيرونِ

يا سائلي عن قصتي اسمعْ إنها *** قَصصٌ مِن الأهوالِ ذاتُ شجونِ

أَمْسِكْ بِقَلْبِكَ أنْ يطيرَ مُفَزَّعًا *** وتولَّ عن دُنياكَ حتى حينِ

فالهولُ عاتٍ والحقائقُ مُرةٌ *** تسمو على التصويرِ والتبيينِ

والخطبُ ليس بخطبِ مصرٍ وحدَها *** بلْ خَطْبُ هذا المشرقِ المسكينِ

في كلِّ شبرٍ للعذابِ مناظرٌ *** يَندى لها -واللهِ- كلُّ جَبينِ

فترى العساكرَ والكلابَ مُعَدَّةً *** للنهشِ طوعَ القائدِ المفتونِ

هذي تَعَضُّ بِنابِها وزميلُها *** يَعْدُو عليكَ بِسَوْطِه المسنونِ

ومضتْ عليَّ دقائقٌ وكأنَّها *** مما لقيتُ بِهِنَّ بِضْعُ سِنينِ

بالرِّجل بالكرباج باليد بالعصا *** وبكل أسلوب خسيس دُونِ

لا يرحمون الشيخ وهو محطم *** والظهر منه تراه كالعرجونِ

لا يشفقون على المريض وطالما *** زادوا أذاه بقسوة وجنونِ

كم عالم ذي هيبة وعمامةٍ *** وطئوا عمامته بكل مجونِ

قل للعواذل: إن رميتم مصرنا **** بتخلف التصنيع والتعدين

مصر الحديثة قد علت وتقدمت **** في صنعة التعذيب والتقرينِ!

(2) الجهل المركب وعدم الفقه في الدين :

أي أن الشخص في حقيقته جاهل ، ولكنه يجهل أيضاً أنه جاهل ، أو بعبارة أخرى أنه يظن أنه قد بلغ مرتبة الاجتهاد ، فيجتهد ، ولكنه في الحقيقة هو لم يبلغ تلك الدرجة ، وقد نبه على ذلك الإمام الشافعي حيث جعل أول أسباب الابتداع والاختلاف المذموم المؤدي إلى تفرق الأمة شيعاً وجعل بأسها بينها شديداً : أن يعتقد الإنسان في نفسه ـ أو يعتقد فيه ـ أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين ، وهو لم يبلغ …. فتراه آخذاً ببعض جزئيات الشريعة في هدم كلياتها ، حتى يعبر منها ما ظهر له بادي رأيه من غير إحاطة بمعانيها ، ولا رسوخ في فهم مقاصدها ، وهذا هو المبتدع ، وعليه نبه الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقبض الله العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) .

(3) الأخذ بشكل النص دون مقاصده وعلله ومآلاته ومناطه وبالتالي عدم التفقه في النصوص الشرعية .

(4) ضعف المعرفة بالتأريخ وعدم الفقه بسنن النصر والهزيمة ، وسنن الكون والحياة والأمة ، وسنة التدرج وسنة الأجل المسمى ( أي الوقت المناسب ) .

(5) اتباع المتشابهات وترك المحكمات والتباس المفاهيم ، والاشتغال بالمعارك الجانبية عن القضايا الكبرى .

(6) المبالغة في التوسع في دائرة البراء ، والتضييق في دائرة الولاء .

(7) تبني فكرة التكفير للمخالفين من الفرق الإسلامية الذي لهم تأويل سائغ – حتى ولو لم يكن الراجح في نظر الآخرين – مثل الأشاعرة ، والماتردية الذين يمثلون جماهير الأمة خلال عشرة قرون .

(8) الاسراف في التحريم ، وفي تجريح الآخرين ، وتفسيقهم بل وتكفيرهم .

فقد حدثني أحد الأساتذة في جامعة الكويت فقال : لقد ناقشني أحد الطلبة في الجامعة فقال : إن الشيخ ( أحد الدعاة الكبار المعروفين ) يكفر بسبعة عشر خطأ ، ويفسق بستين خطأ ، فقلت له : هل يمكن سردها ؟ ، قال : فبدأ بسردها واحداً تلو الآخر ، فقلت: هل كان منهج السلف هكذا؟! لو حفظت بدل هذا آيات ، أو أحاديث ، أوما كان أحسن لك ؟! .

وأما الأسباب الخارجية ( أي خارج جماعة المتطرفين ) فتعود إلى ما يأتي :

1 ـ غربة الإسلام في ديار الإسلام ، حيث يرى المسلم في دار الإسلام أن الفساد يستشرى والباطل يتبجح ، والعلمانيين يبوحون بكل ما يريدون ، والخمر تشرب ، والفواحش ترتكب جهاراً ، والأفلام الداعرة تنشر ، 

والمسرحيات والتمثيلات تتال من الإسلام ناهيك عن استعراضها للفساد والمتبرجات …..

ويرى المسلم أن معظم الدول بنص دستورها علىالإسلام ، في حين لا يطبق شرع الله في معظم مجالات الحياة ن بل تقنن قوانين تبيح ما حرمه الله من الخمور والزنا ونحوها ، ومن جانب آخر يرى أن معظم الحكام لا يولون عنايتهم الخالصة بقضايا الأمة ن بل خائضون في ملذاتهم ولهوهم في حين أن الشعوب المسلمة في محن ومصائب ومشاكل وفي فقر ….؛ كما يرى الظلم الاجتماعي على أشده ، وأن استغلال المناصب للإثراء بدون سبب مشروع ، فاللصوص الكبار يتمتعون بالحرية والتكريم واللصوص الصغار قد يتعرضون للعقاب .

فالشاب المسلم الملتزم حينما يرى هذا التناقض الغريب إذا لم يكن لديه الفقه المكين يتجه نحو التشدد وتكفير المجتمع .

2 ـ الهجوم العلني على الإسلام ، وإعلان الحرب ضده دون عناية من معظم الحكام بهذه الهجمات الخطيرة .

3 ـ مصادرة حرية الدعوة وعدم افساح المجال للدعوة والدعاة حيث إن الحديد لا يفله إلاّ الحديد ، فلو كان هناك مجال للدعوات الإسلامية المعتدلة كان بوسعها إقناع الشباب بالمنهج الوسطي المعتدل .

4 ـ الكيان الصهيوني واحتلال قبلة المسلمين الأولى :

ومن أهم أسباب التطرف والعنف والإرهاب وجود العدو الصهيوني على الأراضي الفلسطينية العربية المسلمة ، وما تعبث فيها من تقتيل وتشريد دون رعاية لهذه الأمة ، ولا احترام لأي قرار للأمم المتحدة ، ومع ذلك يقف معهم العالم الغربي وبالأخص أمريكا .

يعود الصراع الحاد داخل العالم الإسلامي إلى الاتيان باليهود وزرعهم في فلسطين ، ثم احتلالهم لها باسم الدين ، حيث تعتقد اليهود أن فلسطين كلها أرض الميعاد هي أرضهم المقدسة وأن هجرتهم إليها تعبير عن إرادة الله ، معتمدين على التلمود الذي يعتبر فلسطين نقطة الارتكاز للسيطرة على العالم ، لأنها هي قطب العالم الذي يجب أن تقوم فيه الدولة العبرية ، واستطاعت الصهيونية العالمية من خلال مؤتمراتها وبالأخص مؤتمر بازل في عام 1897م أن تستغل العاطفة الدينية الكامنة لدى اليهود وتسخيرها لخدمة مطامعها السياسية الاستعمارية حتى أصبحت أرض الميعاد من أهم أسس الصهيونية ومقوماتها ، وتمسكت بالوعود التوراتية لأرض الميعاد وحدودها والتوسع فيها ، حيث يقول بن غوربون في الكتاب السنوي لعام 1951 : ( الآن فقط وبعد سبعين سنة من كفاح الرواد استطعنا أن نصل إلى أول استقلالنا في جزء من وطننا العزيز ) لم يكتف بذلك بل دعا إلى التوسع معتمداً على نصّ من التوراة يخبرهم بأن (كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم) ، وقال ليفي أشكول رئيس وزراء إسرائيل الأسبق ( لا يزال هناك عشرون ألف كيلو متر من فلسطين القديمة لم نضع أيدينا عليها حتى الآن) ، وقد فسر إيريك رولو المحرر السياسي لصحيفة اللوموند الفرنسية في عدد صادر قبيل عدوان حزيران 1967 ( قول أشكول بأنه يقصد أن جزءاً من العراق وسوريا ، وكافة الضفة الغربية وشرق الأردن هي أجزاء فلسطين القديمة التي يحلم أشكول أن يضع يده عليها ) .

والمقصود بذلك أن احتلال الأراضي الفلسطينية من قبل الصهاينة أدى إلى انفجار الوضع في فلسطين التي كانت آهلة بسكانها الفلسطينيين فنشب الصراع الدموي بين الطرفين ، واستعملت اليهود كل الوسائل القاسية والإرهابية لطرد الفلسطينيين وبناء المستعمرات ، وإحلال اليهود مكانهم ، ونشأت من ذلك عصابات صهيوينة عاثت في الأرض فساداً ونشرت العرب بين الامنين .

والصهيونية السياسية طورها ثيودورهرتزل ( 1860 ـ 1904م ) حيث بدأ بصياغة مذهبها في فينا منذ عام 1882م ثم انتهى بإرساء نظامها عام 1894 في كتابه الدولة اليهودية ، ثم بدأ بوضعها موضع التنفيذ في أول مؤتمر صهيوني عقد في مدينة بال بسويسرا عام 1897 .

والصهيونية انطلقت من النصوص التوراتية ( أعني حرفت ) فبررت كل ما قام به الصهاينة بنصوص توراتية ، ينـزلها حاخاماتهم على الوقائع الجارية وإن كان بتكلف ، فالعودة وحدود أرض إسرائيل والاحتلال كل ذلك مبرر بتبريرات دينية يقول الاستاذ جارودي : ( وفي المرحلة الحالية للتوسع الصهيوني يسهم الخبال المجنون لحاخاماتهم الأحزاب الدينية من غلاة الداعين إلى الغزو في تبرير أغني المقامرات العسكرية الإسرائيلية وفي تأييد مطالب أكثر المتعصبين طغياناً وليس من قبيل المصادفة ما واكب الغزوة الدموية للبنان من تصريحات لبيجن معلناً فيها أن طائراتنا لن تحلق في يوم السبت احتراماً لذلك اليوم المقدس .. . ؛ لذلك لا يقتصر الحاخامات على القول بأن لبنان المحتلة هي أرض قبيلة ( عاشو ) بل ذهبوا إلى حد اعتبار المذابح مشروعة دينياً من أجل متطلبات القضية ، فتدمير مدينيتي صور وصيدا ودك بيروت بالقنابل ، ومجازر صبرا وشاتيلا لم تكن فقط امتداد لمذابح دير ياسين التي ارتكبتها عصابات السيد بيجن عام 1948 المعروفة باسم ( إرجون ) ومذابح قبية وكفر قاسم …) .

لذلك نرى الحاخام ( العازر والدمان ) يكتب في جريدة ( نكودة ) في مقال عنوانه ( قوة الانجاز) فيأتي بالسند الديني لسياسة شارون وبيجن ، ومفسراً ذلك باستشهادات من التوراة ، وموضحاً أن إسرائيل باحتلالها لبنان قد قامت ببدء الخلاص للعالم .

فالصهيونية في حقيقتها ليست مجرد دين ، ولكن دين وقومية ومذهب وسياسة ، وأن اليهود شعب الله المختار فهذه النزعة العنصرية جعلت اليهود ينظرون إلى بقية الشعوب باعتبارهم أقل شأناً ، بل يعتبرونهم كأنهم عبيد لهم ، وقد نقل الدكتور إريك يسكوف المتخصص في دراسة تعاليم اليهود نصاً معناه : ( إن من حكمة الدين وتوصياته قتل الأجانب الذين لا فرق بينهم وبين الحيوانات …. والذين لا يؤمنون بتعاليم الدين اليهودي وشريعة اليهود يجب تقديمهم قرابين إلى إلهنا العظيم) .

5. التآمر على ثورات الشعوب التي انتفضت وثارت ضد الدكتاتورية والاستبداد وحكم العسكر في تونس ، ومصر ، وليبيا ، واليمن ، وسوريا حيث رأينا أن جماعة القاعدة قد ضعفت ولم يسمع لها صوت يقبل بين جماهير الأمة والشباب ، إذ رأوا في البداية أن الثورات السلمية تستطيع تغيير الحكام المستبدين ، وبالتالي فلا حاجة ولا مبرر لاستعمال القوة ، لذلك لم نسمع للقاعدة أي دور في سوريا وغيرها .

ولكن عندما أفشلت ثورات الربيع العربي بالصورة التي رأيناها من القتل والحرق للآلاف ، والسجن لعشرات الآلاف مع التعذيب ، والاعتداء على الأعراض أصاب الشباب إحباط كبير من السلمية فبدؤا -مع الأسف الشديد- يقتنعون بمقولات القاعدة وداعش بأن السلاح والقتل هو الحل ، فقويت القاعة في سوريا ، وظهرت داعش فيها وفي مصر والعراق والتفت حول رايتهم عشرات الآلاف .

موقف الإسلام من الإرهاب والإرهاب الدولي :

أولاً – موقفه من الإرهاب بصورة عامة وشاملة :

(1) لم يرد في القرآن الكريم لفظ الإرهاب ، وإنما تكررت مادته اثنتي عشرة مرة استعملت أربع مرات للخوف من الله تعالى وهي قوله تعالى : (وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) أي يخافون ربهم ، وقوله تعالى : ( وإياي فارهبون ) أي خافوا الله تعالى وحده ، وقوله تعالى : (إنما هو إله واحد فإياي فارهبون) ، وقوله تعالى في وصف المؤمنين : (ويدعوننا رغباً ورهباً) أي رغبة في رضاء الله تعالى وجنته ، وخوفاً من غضبه وعذابه ، وبمعنى الخوف من الإنسان مرة واحدة وهي قوله تعالى : (لأنتم أشدّ رهبة في صدورهم من الله) ، وبمعنى التخويف مرتين وهما قوله تعالى : (واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم) أي خوفوهم ، وقوله تعالى : (ترهبون به عدوّ الله وعدوكم) أي تخيفوهم باعداد القوة ، وبمعنى الكمِّ في قوله تعالى : (واضمم جناحك من الرهب) ، وبمعنى الاعتزال عن الحياة وملاذها في النصرانية أربع مرات في الآيات 43 التوبة 

، 82 المائدة ، 31 التوبة ، 27 الحديد .

ولا يختلف معناه واسـتعمالاته في السـنة المطهرة عما ذكر .

ونقف هنا مع الآية الكريمة التي تتحدث عن إرهاب العدّو وهي قوله تعالى : ( وأعدَّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدَّو الله وعدّوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم … ) .

فقد جاءت هذه الآية في خضم الحديث عن المعارك التي دارت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين هؤلاء الكفار الذين حاربوه وحاولوا القضاء على دينه في غزوة بدر الكبرى والغزوات اللاحقة .

حيث تتحدث الآيات ( 56 وما بعدها ) عن هؤلاء الكفرة المشركين الذين نقضوا عهودهم ، وعن خوف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيانة هؤلاء وتحديهم لله تعالى ، فأمر الله تعالى بإعداد القوة بجميع أنواعها لتخويف هؤلاء الأعداء ومن وراءهم حتى لا يطمعوا بسبب ضعف المسلمين في قتالهم والحرب ضدهم ..

فالآية الكريمة يفهم منها أن الإسلام لا يريد الحرب لذاتها بل يريدها للدفاع عن الدعوة الحقة ، بل الآية يفهم منها أن الغرض من الإعداد هو عدم وقوع الحرب بسبب خوف الأعداء من قوة الإسلام فيخافون منها فلا يقدمون على الحرب ، ولذلك جاءت الآيات الثلاث بعدها مباشرة تتحدث عن السلم ، فتقول : (وإنْ جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم ، وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم جميعاً لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم … ) .

فلم يقل ربّ العالم : وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة لقتل العدّو مطلقاً ، وإنما لإرهابه وتخويفه ، فالآية تمثل بعداً استراتيجياً انتبهت إليه الدول الكبرى في عصرنا الحاضر من الأسلحة النووية التي سلمت بها الدولتان العظميان أمريكا ،والاتحاد السوفيتي السابق من الحرب بينهما طوال النصف الأخير من القرن العشرين ، في حين أن النصف الأول منه قد شهد حربين عالميتين راح ضحيتهما مئات الملايين من الناس وآلاف المليارات من الدولارات ـ كما لا يخفى ـ .

فهذه الآيات الثلاث توضح الاستراتيجية الإسلامية في الحرب التي تقوم على الدعائم التالية :

1ـ الإعداد الممتاز للقوة الروحية والمعنوية والعلمية ، والمادية والبشرية ، والاقتصادية والعسكرية والصناعية …. وأن يكون هذا الإعداد على أقصى طاقات الأمة أفراداً وجماعات وحكومة .

2ـ ان هذا الإعداد ليس للتعدي أبداً ، ولا لحب القتال أيضاً ، وإنما لتخويف أعداء الله تعالى وأعداء الأمة الذين يتربصون بالمسلمين ويريدون لهم دوائر السوء ، فهذه القوة لحماية دار الإسلام ، ولتحرير الإنسان كله في الأرض كلها .

3ـ ان هذا الإعداد للقوة على هذا المستوى يحقق الردع الاستراتيجي لمنع الاعتداء والحرب من كلّ مَنْ تُسَوِّل له نفسه للاستفادة من ضعف الآخر ، فحماية الأمة إنما تتحقق من خلال قوتها الرادعة وإلاّ (تتداعى عليها الأمم كما تتداعى على قصعتها ) .

4ـ باب السلام مفتوح دائماً على مصراعيه ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) حيث أمر الله تعالى بالسلام ، والسلم لكل من يجنح إليه ، حتى ولو كانت نيته خبيثة ( وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله … ) .

5ـ فهذه الآيات تدل على أن الأصل في الإسلام في العلاقات بين الشعوب والأمم والدول هو السلم والسلام العادل حيث أمر الله تعالى به حتى ولو أراد المقابل الخداع ، فلو لم يكن أصلاً عظيماً لما كان الله تعالى أولى له هذا الاعتناء وأمر بالجنوح إليه حتى ولو أراد المقابل الخداع والمكر. وأما السلام الذي فيه إهانة للإسلام والمسلمين وحقوقهم فهذا هو الذي لا يجوز تنفيذه لقوله تعالى : ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) .

6ـ تقوية الجبهة الداخلية وتوحيدها وإقامتها على العقيدة والاخوة الإيمانية والتآلف بين القلوب ، وإزالة كل مظاهر الصراع والنـزاع بين الأمة وأنفسهم ، وبينهم وبين حكامهم .

7ـ الحفاظ على العهود والمواثيق بين المسلمين وغيرهم ماداموا يحافظون على عهودهم.

8ـ الاعتماد على الله تعالى والتوكل عليه من قبل ومن بعد ، والسير على هديه وطريقه المستقيم ، وحينئذٍ تكون مع الأمة وإعدادها القوة الإلهية والقدرة الربانية ، وهذا التوكل حماية للأمة وحصانة لها ، وبذلك تتحقق 

للأمة الإسلامية كل عناصر القوة المادية والمعنوية .

9ـ الإسلام دين واقعي للحياة يواجه مناهج أخرى وتقوم على القوة والسلطان ، وتقف وراءها قوى مادية فلا مفرّ للإسلام لحماية منهجه الرباني وإقراره من قوة عظيمة يحمي بها نفسه وأنصاره ، ويتيح بها المجال لحرية الآخرين فيحطم بها قوى الشر والطواغيت الذين يقفون دون تحقيق هذه الحرية .

10ـ ربط قوله تعالى : ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) بواو العطف على الآية السابقة : ( واعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ….) يدل على أن هذا الإعداد للقوة بهذا المستوى يؤدي إلى أن أعداء الإسلام يجنحون إلى السلم حتى ولو كان في الظاهر وحينئذٍ لا يقع القتال ، ولا الهجوم منهم على المسلمين ، وقد أشار الإمام الرازي إلى هذا الربط حيث يقول : ( واعلم أنه لما بيّن ما يرهب به العدّو من القوة والاستظهار بيّن بعده أنه عند الإرهاب إذا جنحوا أي مالوا إلى الصلح فالحكم هو قبول الصلح ) .

وهذه الآيات لا تعارض بينها وبين الآيات الآمرة بالقتال أبداً ، لأن الآيات الأخيرة خاصة بقتال هؤلاء المعتدين والناقضين للعهود ، والذين يتربصون بالمسلمين بحيث لم تنفع معهم وسيلة إلاّ وسيلة الحرب.

وجاء في ظلال القرآن : ( هذه الآيات … تمثل إحدى قواعد العلاقات الخارجية بين المعسكر المسلم وما حوله من المعسكرات الأخرى … وظلت إحدى القواعد الأساسية في المعاملات الإسلامية الدولية ، إنها تقرر إمكان إقامة عهود تعايش بين المعسكرات المختلفة ما أمكن أن تصان هذه العهود من النكث بها مع إعطاء هذه العهود الاحترام الكامل والجدية الحقيقية …) .

وقال الإمام الرازي : ( وذلك أن الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ، ومستعدين له مستكملين لجمع الأسلحة والآلات خافوهم ، وذلك الخوف يفيد أموراً كثيرة :

أولها : أنهم لا يقصدون دخول دار الإسلام ( أي لحربهم ) .

ثانيها : أنه إذا اشتد خوفهم فربما التزموا من عند أنفسهم بالجزية ( أي الاعتراف بالدولة الإسلامية والمساهمة في الدفاع عنها بالمال الذي يدفع نظير حقوق المواطنة ) .

ثالثها : أنه ربما صار ذلك داعياً لهم إلى الإيمان .

رابعها : أنهم لا يعينون سائر الكفار ( الأعداء ) .

ثمّ قال تعالى : ( وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) والمراد أن تكثير آلات الجهاد وأدواته بما يرهب الأعداء الذين نعلم كونهم أعداء كذلك يرهب الأعداء الذين لا نعلم أنهم أعداء .. مثل المنافقين . فإن قيل : المنافقون : لا يخافون القتال فكيف يوجب ما ذكرتموه الإرهاب؟

قلنا : هذا الإرهاب من وجهتين :

الأول : أنهم إذا شاهدوا قوة المسلمين وكثرة آلاتهم وأدواتهم انقطع عنهم طمعهم من أن يصيروا مغلوبين،وذلك يحملهم على أن يتركوا الكفر في قلوبهم وبواطنهم ويصيروا مخلصين في الإيمان.

الثاني : أن المنافق من عادته أن يتربص ظهور الآفات ويحتال في إبقاء الفساد والتفريق فيما بين المسلمين ، فإذا شاهد كون المسلمين في غاية القوة خافهم وترك هذه الأفعال المذمومة ) .

تحرير محل النزاع :

لا ينبغي الحكم على شيء إلاّ بعد تصوره ومعناه المراد ، لذلك فلا يمكن أن يذكر حكم الإرهاب في الإسلام إلاّ بعد تحديد مراده .

لذلك نقول : عن كان المقصود بالإرهاب : تخويف الأعداء من خلال إعداد القوة لمواجهتهم واسترداد الحقوق والدفاع عن الحق والتحرير فهذا عمل مشروع في كل الشرائع والقوانين الدولية ، وهو داخل في الجهاد الإسلامي الذي هو ماض إلى يوم القيامة ، وهو من الكفاح المشروع لاسترداد الحقوق السليبه كما هو الحال في فلسطين ونحوها .

وأما إذا كان المراد به هو تخويف الآمنين الأبرياء أو قتلهم فهذا غير جائز شرعاً ، وذلك للأدلة التالية:

1ـ الإسلام دين الرحمة للناس كافة ، بل للعالم أجمعين ، فإذا كان الإرهاب بمعنى تخويف الآخرين قد ورد في القرآن الكريم مرة واحدة ، فإن لفظ ( الرحمة ) ومشتقاتها قد تكررت في القرآن الكريم مئات المرات حيث أولى الإسلام عناية منقطعة النظير بالرحمة والعدالة والمعاني الإنسانية حتى لا نرى مثلها في أي نظام ، أو دين آخر ، ويكفي أن نرى القرآن الكريم يكرر لفظة ( رحم) ومشتقاتها أكثر من (340) مرة إضافة إلى تكرار (الرحمن الرحيم) في بسم الله الرحمن الرحيم في بداية السور مائة وثلاث عشرة مرة ، تحدث فيها عن عظمة الرحمة ، وكونها صفة لربّ العالمين ، بل إنها الكلمة الوحيدة التي اشتقت منها صفتان لله تعالى يذكرهما المسلم في صلاته ، وعند بدئه بأي عمل فيقول : بسم اله الرحمن الرحيم ، بل جعل الله تعالى الغاية من إنـزال هذه الرسالة المحمدية هو نشر الرحمة للعالم أجمع وليست للمسلمين وحدهم فقال تعالى : ( وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ) ، وجعل الله تعالى ( رؤوف رحيم ) من أسماء الرسول حيث قال : ( بالمؤمنين رؤوف رحيم) ، ويقول : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) ، وجاءت السنة النبوية لتوضيح هذه المعاني السامية من خلال السنة القولية ، والسنة العملية ، فقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه بأنه ( نبي الرحمة ) كما وضع صلى الله عليه وسلم قاعدة في غاية من الأهمية تقضي بأنه ( من لا يَرْحَم لا يُرْحَم ) وأن الله لا يرحم من لا يرحم المخلوقات إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا يمكن حصرها هنا ، إضافة إلى أن سيرته صلى الله عليه وسلم كانت تطبيقاً لهذه الرحمة حيث كان يؤذى من قبل قومه بشتى أنواع الأذى والإهانة ،ومع ذلك يمتنع عن أن يدعو عليهم ، أو يطلب من الله تعالى أن يهلكهم بصاعقة في الدنيا ، بل كان يدعو لهم ، ويرجو أن يخرج من أصلابهم مَنْ يعبد الله ، وينتصر في فتح مكة ويرى كل أعدائه الذين آذوه فيقول لهم ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) .

ومع كل ذلك لم ينج الإسلام من هجمات الأعداء ، فوصفوه بالقسوة في تشريعاته ولا سيما في الحدود ، وبالعنف في استعماله القوة ، وأنه انتشر بالسيف ، فدين تحتل الرحمة فيه هذه المكانة لا يمكن أن يجيز لأتباعه بإرهاب الآمنين الأبرياء .

2ـ الإسلام دين الأمن للإنسان ، والسلام لهذا الكون كله وأحد أسماء الله تعالى السلام ، وليلة نـزول القرآن هي ليلة السلام بنص القرآن الكريم ( سلام هي حتى مطلع الفجر ) ، بل الإسلام مشتق من لفظ (السلم) وأن تحية المسلمين في الدنيا هي ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) ، وتحيتهم في الجنة أيضاً السلام فقال تعالى : ( وتحيتهم يوم يلقونه سلام ) .

وقد أمر الإسلام بالجنوح إلى السلم حتى مع الأعداء المحاربين ما داموا قد جنحوا إليها حتى ولو أرادوا الخداع ، ـ كما سبق ـ .

ودلت أحاديث كثيرة على حرمة ترويع المسلم وكذلك من يعيش على أرض الإسلام بأمان حتى ولو على سبيل المزاح والهذار فقد عقد المنذري في كتابه الترغيب والترهيب باباً مستقلاً للترهيب من ترويع المسلم ، ومن الإشارة إليه بسلاح ونحوه جادّاً أو مازحاً ، ذكر فيه أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي وإن كان أخاه لأبيه وأمه ) ، ومنها ما رواه أحمد والترمذي وأبو داود بسندهم عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال : ( حدثنا أصحاب محمد أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه ، فأخذه ففزع ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لمسلم أن يرّوع مسلماً ) ، وفي حديث آخر رواه الطبراني بسند رواته ثقات عن النعمان بن البشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال 🙁 لا يحل لرجل أن يرّوع مسلماً) ، وفي حديث آخر رواه البزار والطبراني عن عامر بن ربيعة أن رجلاً أخذ نعل رجل فغيّبها وهو يمزح ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تروّعوا المسلم ، فإن روعة المسلم ظلم عظيم ) ، ولم يترك الرسول صلى الله عليه وسلم أي مجال للتخويف حتى ولو بالنظر فقد روى الطبراني بسنده عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال 🙁 من نظر إلى مسلم نظرة يخيفه فيها بغير حق أخافه الله يوم القيامة) .

وقد طبقت هذه التوجيهات في عصر الخلافة الراشدة حيث أرسل الخليفة عمر إلى امرأة مغيبة كان يدخل عليها ، فأنكر ذلك ، فقيل لها : إن عمر يدعوك قالت ويلها ، وما لها ولعمر ، فبينما في الطريق ضربها الطلق فدخلت داراً فألقت ولدها ، فصاح صيحتين ،ومات ، فاستشار عمر الصحابة فأشار إليه بعضهم وفي رواية هو عبدالرحمن بن عوف : أن ليس عليك شيء ، إنما أنت وال مؤدِّب ، فقال عمر : ما تقول يا علي ؟ فقال : (… أرى أن ديته عليك ، لأنك أفزعتها فألقت ولدها من سببك ، فأمر علياً أن يقيم عقله على قريش ) فهذا الأثر التطبيقي يدل بوضوح على أن الترويع حتى بالوسائل المعنوية يترتب عليه العقوبة في الدنيا أيضاً .

وقد شدد الرسول صلى الله عليه وسلم في الحفاظ على جمال الإنسان وعدم تشويه صورته حتى في القتال ، لأن الله تعالى خلق آدم على صورته ، ولأنه أكرمه وخلقه في أحسن تقويم ، فقد عقد مسلم في صحيحه باباً للنهي عن ضرب الوجه ، حيث روى بسنده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا قاتل أحدكم أخاه فلجتنب الوجه ) وفي رواية أخرى عنه بلفظ ( إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يلطمنّ الوجه ) وفي رواية أخرى عنه بلفظ ( إذا قاتل أحدكم أخاه فلجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته ) .

ومن المعلوم بين أهل العلم أن هذه الأحكام تعم كل إنسان آمن برئ غير محارب للإسلام والمسلمين ، حيث دلت آيات كثيرة وأحاديث صحيحة على حرمة الاعتداء على أي ذات روح ، بل على الجمادات والبيئة ، فالمسلم يجب أن يكون صالحاً مصلحاً نافعاً مفيداً غير مفسد .

فقد حرم الإسلام ترويع الحيوانات وايذاءها فقد روى البخاري ومسلم بسندهما عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار ، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ) .

ورويا أيضاً عن ابن عمر أنه مرَّ بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً يرمونه ، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم فلما رأوا ابن عمر تفرقوا ، فقال ابن عمر : من فعل هذا ؟ لعن الله من فعل هذا ؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً ) . ورويا أيضاً عن أنس قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم ) .

وعقد مسلم باباً خاصاً للنهي عن ضرب الحيوان في وجهه ، ووسمه فيه حيث روى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ عليه حمار قد وسم في وجهه ، فقال : ( لعن الله الذي وسمه ) ، وبهذا حافظ الإسلام حتى على جمال الحيوانات وعدم إيذائها ولذلك ورد في رواية لمسلم أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الضرب في الوجه ، وعن الوسم في الوجه ، ولم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفجع بطير حيث روى أبو داود والحاكم ، وغيرهما عن ابن مسعود قال : كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته ، فرأينا حمَّرة معها فرخان ، فأخذنا فرخيها ، فجاءت الحّمَّرة فجعلت تعرش ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( من فجع هذه بولدها ؟ ردّوا ولدها إليها … ) .

فقد سدّ الإسلام باب التخويف والإرهاب والإيذاء سداً محكماً فحرّم كل أنواعه وأشكاله سواء كان بطريق الجدّ ، أو الهزل ، ولم يكتف بالتحريم ، واللعنة ، والبعد عن رحمة الله تعالى ، والعذاب بالنار لهؤلاء المعتدين والمؤذين والمخوفين المروعين ، وإنما شرع عقوبات كالقصاص والحدود لأجل حماية دين الإنسان ، ونفسه ، وعقله ، وعرضه ، ونسله ، وماله ، وأمنه النفسي والاجتماعي ، كما شرع عقوبات تعزيرية تكميلية تخضع لاجتهاد القاضي لحماية هذه المقدسات ولتحقيق الأمن والسلام للجميع حتى للحيوانات بكل الوسائل المتاحة .

الترويع أو الإرهاب لم يكن من سمت المسلمين بل من صفات الغلاة :

حينما ندرس التأريخ الإسلامي بدءاً من الخلافة الراشدة نجد بوضوح أن الترويع للآمنين الأبرياء لم يكن من صفات المؤمنين الصادقين ، بل كان سمتهم الرحمة ،وإذا كان هناك من يستحق عقوبة فإن ذلك يتم عن طريق الإجراءات القضائية بضوابطها .

كما أن ميزان الحرب له خصوصيته ومع ذلك فقد فرض مجموعة من الضوابط الأخلاقية والإنسانية في حالة الحرب ( كما سيأتي ) .

وإذا وجد نوع من الترويع في التأريخ الإسلامي فإنه يعود إلى بعض الجماعات المنحرفة الغالي

الشيخ علي محيي الدين القره داغي
+ posts

أخبار ذات صلة

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ (مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ

لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد تنظم ندوة دولية بعنوان «هجرة النبي ﷺ: بناء وتجديد»

تنظم لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ندوة

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

100%