الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد
بعدما تحدثنا في المقالة السابقة عن مفهوم البطالة ، وما يتعلق بها من أنواع، وأسباب، وآثار ، سنتحدث بإذن الله تعالى في هذه المقالة المتواضعة عن أهم آليات الاقتصاد الإسلامي لعلاج مشكلة البطالة، و التي تتمثل بشكل عام فيما يلي :
أولا : دعوة الإسلام إلى العمل
يعد العمل في الإسلام نوعا من أفضل أنواع العبادات، و من أعظم الواجبات التي يجب على الفرد المسلم القيام بها على أكمل وجه ، قال الله تعالى :﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [ التوبة: 105] ، كما اعتبر الإسلام كل جهد يبذله العامل في سبيل أن يعف نفسه،أو يعول من وجبت عليه إعانته من جهد في سبيل الله تعالى،فعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال:” مر على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلٌ فرأى أصحابُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من جلَدِه ونشاطِه فقالوا: يا رسولَ اللهِ لو كان هذا في سبيلِ اللهِ؟! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ:” إنْ كان خرج يسعى على ولدِه صغارًا فهو في سبيلِ اللهِ, وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيلِ اللهِ ,وإنْ كان يسعى على نفسِه يعفُّها فهو في سبيلِ اللهِ ،وإنْ كان خرج يسعى رياءً ,ومفاخرةً فهو في سبيلِ الشيطانِ. “[1]
وقرر الإسلام كل ذلك، لأن العمل هو الوسيلة الفضلى للحصول على القوت، والعيش،وأن أي تقصير، أو تقاعس فيه من فئة، أو فرد في المجتمع يؤثر تأثيرات سيئة، ومريرة في معيشة الناس جميعا.[2]
وبالتالي فالإسلام دين النشاط، والعمل المنتج ، ولا يجيز للمسلم أبدا أن يكون بطالا، أو أن يعيش عالة على غيره ، كما قال فاروق الأمة رضي الله عنه : ” إنِّي لأرى الرَّجل فيُعجبني، فأسأل: ألَه مهنة؟ فإن قيل: لا، سقط مِن عيني.”[3]
ثانيا : دعوة الإسلام إلى التكافل الاجتماعي
إن التكافل الاجتماعي لازم من لوازم هذا الدين، بل هو من أبرز لوازمه، لأن الجميع في ظله يشعر بمسؤوليته تجاه الأفراد، وأن كل واحد منهم حامل لتبعات أخيه،و محمول على أخيه، يسأل عن نفسه، ويسأل عن غيره.
ولعل من أهم النصوص التي تعبر عن التكافل الاجتماعي قوله صلى الله عليه وسلم: ” مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى “.[4]
ولا شك أن هذا الجسد الواحد يشمل جميع نواحي الحياة، فيستفيد منه كل محتاج عاجز،أو بطال، أو غيرهما، و في هذا ضمان لسعادة المجتمع، وبقائه في إطار من المودة، والأمن، والوحدة، والسلام.
ثالثا : الزكاة ودورها في القضاء على مشكلة البطالة
تعد فريضة الزكاة من أهم أركان هذا الدين ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ” بُنيَ الإسلامُ على خَمسٍ: شَهادةِ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والحَجِّ، وصَومِ رَمَضان.“[5]
كما أن نظام الزكاة -خاصة في إطاره المؤسساتي- يلعب دورا كبيرا في تنشيط، وتنمية المجتمع الإسلامي في كافة المجالات الاقتصادية، والاجتماعية.
ومن أهم الصور البارزة في هذا الباب دور الزكاة الفعال في تشغيل العاطلين، وتوفير فرص عمل تتناسب مع مؤهلاتهم ،وتخصصاتهم المتعددة ، وذلك عن طريق تمويل مشروع معين لواحد من البطالين، يدر عليه دخلا يكفيه، وعندما يقومون بهذا العمل فإنهم يدخلون ميدان النشاط الاقتصادي بقوة جديدة تسهم في نموه، وهو الأمر الذي يعود بشكل مباشر في خلق كثير من فرص عمل جديدة.
وفي هذا يقول الإمام النووي رحمة الله تعالى عليه : ” والفقير هو الذي لا يجد موقعا من كفايته فيدفع إليه ما تزول به حاجته من أداة يعمل بها ، إن كان فيه قوة ، أو بضاعة يتجر فيها حتى لو احتاج إلى مال كثير للبضاعة التي تصلح له ، ويحسن التجارة فيه، وجب أن يدفع إليه “.[6]
وهنا تتجلى وظيفة الزكاة الاقتصادية في القضاء على مشكلة البطالة، بتوفير العمل المناسب لكل الأفراد، يقول الدكتور يوسف القرضاوي رحمة الله تعالى عليه : “فليس وظيفتها إعطاء دراهم معدودة من النقود، أو أقداح محدودة من الحبوب، تكفي الإنسان أياما، أو أسابيع، ثم تعود حاجته كما كانت، وتظل يده ممدودة يطلب المعونة، إنما وظيفتها الصحيحة تمكين الفقير من إعفاء نفسه بنفسه، بحيث يكون له مصدر دخل ثابت يغنيه عن طلب المساعدة من غيره، ولو كان هذا الغير هو الدولة نفسها، فمن كان من أهل الاحتراف، أو الاتجار أعطي من صندوق الزكاة ما يمكنه من مزاولة مهنته،أو تجارته،بحيث يعود عليه من وراء ذلك دخل يكفيه، بل يتم كفايته، وكفاية أسرته بانتظام، وعلى وجه الدوام.”[7]
وأما بالنسبة إلى العاجزين ، الذين لا يقدرون على مزاولة مهنة ، أو عمل ما ، فيجوز تعليمهم مهنة، أو حرفة معينة من أموال الزكاة، تعينهم على كسب قوتهم، دون الحاجة إلى غيرهم.
رابعا : الوقف ودوره في القضاء على مشكلة البطالة
إن الوقف يعتبر من أنفس الأعمال الخيرية، التي حث عليها الإسلام ، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ” إذا ماتَ الإنسانُ انقَطَعَ عنه عَمَلُه إلَّا مِن ثَلاثةٍ: إلَّا مِن صَدَقةٍ جاريةٍ، أو عِلمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولَدٍ صالِحٍ يَدعو له.“[8]
ففي الحديث ذكر الصدقة الجارية، وهي تعني الوقف بعينه، لأنه منفعة دائمة.
والوقف من أهم الأدوات الاقتصادية التي يتبناها الاقتصاد الإسلامي في القضاء على مشكلة البطالة بأنواعها المختلفة، وذلك من خلال:
- الاستخدام المباشر للوقف
والذي يعني توليد دخل نقدي مرتفع بقدر الإمكان، يسمح للأوقاف بتقديم خدماتها للمجتمع في أفضل صورة ممكنة ، قصد تحقيق الغرض من عملية الوقف.[9]
ولعل من أهم أغراض الوقف تقديم إعانات مباشرة للعاطلين عن العمل،كعملية سابقة لإدماجهم في سوق العمل.
والوقف يقوم بهذا الدور من خلال عائد متجدد ناتج عن استثمار أموال الوقف، ومن ثم فهناك فائدة اقتصادية عظيمة جدا ألا وهي وجود مصدر حقيقي لتمويل إعانات البطالة يضمن دوام هذه الإعانات لكل عاطل.
كما يمكن في هذا الإطار تدريب العاطلين عن العمل على حرفة، أو مهنة معينة كما ذكرنا سابقا مع الزكاة، لأن الإنفاق خلال فترة التدريب من أهم أغراض الوقف الاجتماعية، والاقتصادية.
- الاستخدام غير المباشر للوقف
ويقصد به إيجاد فرص عمل من خلال توظيف العاطلين عن العمل في مختلف المؤسسات التي ينشئها الوقف، كالمدرسة، المسجد، المستشفيات، ومؤسسات رعاية الأيتام وغيرها، لأن هذه المؤسسات وبلا شك تحتاج إلى العنصر البشري الذي يقوم بتسييرها، وإدارتها.[10]
- ملاحظة : الموضوع يتبع بإذن الله تعالى بالجزء الثالث، والأخير لتتمة بقية آليات الاقتصاد الإسلامي لعلاج مشكلة البطالة.
الهوامش
[1]خرجه الطبراني برقم 282.
[2] السعيد صادق مهدي، الإسلام وتنظيم النشاط الاقتصادي وضمان العمل والعيش للناس، ص : 28.
[3] ابن الجوزي، تاريخ عمر بن الخطاب، ص : 202.
[4] رواه البخاري برقم 6011.
[5] رواه مسلم برقم 16.
[6] النووي ، المجموع، ج6، ص : 109.
[7] يوسف القرضاوي، فقه الزكاة ، ص: 139.
[8] رواه مسلم برقم 1631.
[9] إبراهيم محمود عبد الراضي ، حلول إسلامية فعالة لمشكلة البطالة ، ص : 185.
[10] للمزيد انظر : زايدي حنيفة ، الدور الاقتصادي لمؤسستي الزكاة والوقف، رسالة ماجستير ، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة، الجزائر، 2003/ 2004، ص : 274.
