آخر الأخبار

الملحمة النونية للقرضاوي (ثلاثمائة وأربعة عشر بيتًا)

شارك المقال على:

أُلِّفتْ داخلَ السِّجنِ الحربيّ في القاهرة عام 1955م
الملحمة النونية للقرضاوي (ثلاثمائة وأربعة عشر بيتًا)

ثارَ القريـــــــــــضُ بخاطري فَدَعُونــــــــي * * * أفضِـــــي لكــــــــــمْ بفجائعي وشجونِي
فالشعرُ دمعي حينَ يَعْصِرُني الأسَى * * * والشعرُ عُودي يومَ عزفِ لُحُونِي
كمْ قــــــالَ صَحْبِي: أينَ غُــــــــــــرُّ قصائدٍ * * تُشجِي القلـــــــــــوبَ بلحنِها المَحْزونِ؟
وتخلّدُ الذكـرى الأليمـــــــــــةَ لِـلــــــــــــــــــــورَى * * * تُتلى على الأجيـــــــــــالِ بعدَ قرونِ

= = = = = = =

ما حيلتِي والشعرُ فيضُ خواطــــرِي * * * ما دمـــــتُ أبغيــــــــــــــــهِ ولا يبغيني
واليـــــــــــــــــــومَ عاوَدَنِي الملاكُ فهزَني * * * طربًــــــــــــا إلى الإنشــــادِ والتلحينِ
أُلهِمتُها عَصْمــــــــــــاءَ تنبُع مِن دَمِــــي * * * ويُمِــــــدُّها قلبي ومـــــــــاءُ عُيوني
نونيــــــــــــــــــــــــــــةً والنــــونُ تحلو في فَمِي * * * أبدًا فكدتُ يُقال لي ذو النونِ
صَوَّرتُ فيها ما استطعتُ بريشتي * * * وتركــــتُ للأيـــــــــــــــــامِ ما يُعْيِيني
ما هِمْتُ فيها بالخيــــــــــــالِ فإنَّ لي * * * بغرائبِ الأحــــــــــــداثِ ما يُغنيني
أحداثِ عهــــدِ عصابةٍ حكموا بني * * * مصرٍ .. بلا خُلق ولا قانـــونِ
أنسَــــــتْ مظالِمُهُمْ مظالمَ مَن خلَوْا * * * حتّى ترحمَنا على “نِيــــــــرونِ”
حَسِبوا الزمــــانَ أصمَّ أعمَى عنهُمُ * * * قد نوَّمــــوهُ بخُطبةٍ وطنيـــــــــــنِ
ويراعــــــــــــــةُ التاريخِ تَسْخَرُ مِنهمو * * * وتقــــــــــومُ بالتسجيلِ والتدويــــــــنِ
وكفى بربّــــــــــــِكَ للخليقةِ مُحْصِيًا * * * في لوحِـــــــــــهِ وكتابِـــــــــهِ المكنـــــونِ

= = = = = = =

يا سائلي عن قِصَّتي اِسمعْ فَها * * قَصَصٌ مِن الأهــــــــوالِ ذاتُ شجونِ
أَمْسِـــــــــــــكْ بِقَلْبِكَ أنْ يطيرَ مُفَزَّعًا * * * وتَــــوَلَّ عن دُنيــــــــــــــاكَ حتّى حينِ
فالهَــــــولُ عــــاتٍ والحقائقُ مُـــــــــــــــــــرّةٌ * * * تسمو على التصويـــرِ والتبييـــــــــــــــــنِ
والخطبُ ليسَ بخَطبِ مصرٍ وحدَها * * * بلْ خَطْبُ هذا المَشْرِقِ المِسكينِ

= = = = = = =

في ليلــــــــــةٍ ليــــــلاءَ مِن نوفمبـــــــــــــرٍ * * * فُزِّعْــــــتُ مِن نَومِي لصـــــــوتِ رنيـــــنِ
فإذا كلابُ الصَّيـــــدِ تَهجُــــــــمُ بغتـــــةً * * * وتحوطُني عن يَســـــــــــــــــرةٍ ويميـــــــــــنِ
فَتَخَطَّفوني عن ذَوِيَّ وأقبلــــــــــــــــــــــوا * * * فرحًــــــــــــا بصيـــــــدٍ للطُّغــــــــــــــاةِ سَميــــــنِ
وعُزِلـــــتُ عن بصرِ الحياةِ وسمعِها * * * وقُذفتُ في قفصِ العذابِ الهُـــونِ
في ساحة “الحربــيِّ” حَسْبُكَ باسمِهِ * * * مِن باعثٍ للرعـــــــبِ قدْ طرحوني
ما كدتُ أدخلُ بابَــــــــــــــــهُ حتى رأتْ * * * عينــــــــــــــايَ ما لم تحتسبْه ظنوني
في كلِّ شبــــــــــــــــــــــرٍ للعذابِ مناظــــرٌ * * * يَنــــــــــــــــدَى لها -واللهِ- كلُّ جَبيـنِ
فترى العساكرَ والكلابَ مُعَـــــــــــــــدَّةً * * * للنهـــــــشِ طوعَ القائــــــــــــــــــــدِ المفتـونِ
هذي تَعَضُّ بِنابِــــــــــــــــــــها وزميلُــــها * * * يَعْدُو عليكَ بِسَوْطِـــــــــــــــــــهِ المسنونِ
ومضتْ عليَّ دقـــــــــــــــــــــــــــائقٌ وكأنَّها * * * مما لقيتُ بِهِــــــــــــــــــنَّ بِضْعُ سِنينِ
يا ليتَ شِعرِي ما دَهَانِ؟! وما جرى؟ * * * لا زلتُ حيًّا أم لقيتُ منونِي؟
عجبًا! أسِجــــــــنُ ذاكَ أم هو غابــــــــــــةٌ * * * برزتْ كواسِرُها جيـاعَ بُطونِ؟
أأرى بنــــــــــــــاءً أم أرَى شِقَّـــــــــــــــــيْ رَحًى * * * جبَّــــــــــــارةٍ للمؤمنينَ طَحُــــــــونِ؟
واهًا! أفِـــــــــــــــي حُلْــــــــــــــمٍ أنا أم يقْظةٍ * * * أمْ تلكَ دارُ خَيالــــــــــــــــــــــةِ وفُتونِ؟!
لا.. لا أشكُّ .. هيَ الحقيقــــــــةُ حيّةٌ * * * أأشُكُّ في ذاتِــــــي وعينِ يقيني؟!
هذِي مقدمةُ الكتابِ فكيفَ ما * * * تحْوِي الفصولُ السّودُ مِن مّضمونِ؟!

= = = = = = =

هذا هو الحربـــــــــــــــــــــــيُّ معقلُ ثورةٍ * * * تدعو إلى التحريـــــــــــــــــــرِ والتكوينِ
فيه زبانيـــــــــــــــــــــةٌ أُعِــــــــــــــدُّوا لِلْأَذَى * * * وتَخصصوا في فنِّــــــــــــــــهِ الملعونِ
متبلّــــــــــــــدونَ .. عقولُهــــــــــــمْ بِأَكُفِّهِمْ * * * وَأَكُفُّهُــــــــــــمْ للشرِّ ذاتُ حنيـــــــــــــــــنِ
لا فــــــــــــــرقَ بينهُمُو وبينَ سِياطِهمْ * * * كلٌّ أداةٌ في يَدَيْ مأفـــــــــــــــــــــــــــــونِ
يتلقفونَ القادميــــــــــــــــــــــــــــــــنَ كأنهمْ * * * عَثروا على كَنـــــــــــــــــــزٍ لديكَ ثمينِ
بالرِّجلِ .. بالكرباجِ .. باليدِ .. بالعصَا * * * وبكلِّ أسلــوبٍ خسيسٍ دُونِ
لا يَقْدُرُونَ مفكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرًا ولو انَّهُ * * * في عقلِ سُقــــــــــــــــــراطٍ وأفلاطونِ
لا يعبــــــــــــــــــــــــأونَ بصالــــــــــــحٍ ولو انَّهُ * * * في زهـدِ عيسَى أو تُقَى هارونِ 
لا يرحمــونَ الشيــــــــــخَ وهو محطَّمٌ * * * والظهــــــــــــــــــــرُ منهُ تراهُ كالعُرْجُونِ
لا يشفقــــــــــــونَ على المريضِ وطالما * * * زادوا أذاهُ بقســـــــــــــــوةٍ وجُنـــــــــونِ 
كم عالــــــــــــــــــــــــــــــمٍ ذي هيبةٍ وعِمامةٍ * * * وطِئوا عِمامتـــــــــــــــهُ بكلِّ مُجونِ
لو لم تكنْ بيضـــــــــــــاءَ ما عبثوا بها * * * لكنها هانـــــــــــــــتْ هوانَ الديــــــــــنِ
وكبيـــــــــــــــــــــــــــــــــــرُ قومٍ زيَّنتْه لحيـــــــــــــــــةٌ * * * أغرتهمو بالسّـــــــــــــــــبِّ والتلعينِ
قالوا له انتفْها بكلِّ وقاحــــــــــــــــــــــــــــــةٍ * * * لم يعبأوا بسنينـــــــــــــــــــــــــــــهِ السِّتينِ
فإذا تقاعسَ أو أبَى يا ويلَـــــــــــــــــــــــــــهُ * * * مما يلاقي من أذًى وفُتـــــــــــــــونِ

= = = = = = =

أتُرى أولئـــــــــــــــــــــــــــــكَ ينتمونَ لآدمٍ * * * أم همْ ملاعيــــــــــــــــــنٌ بنو مَلعونِ؟
تاللهِ أينَ الآدميــــــــــــــــــــــــــــــــــــةُ منهمُو * * * مِن مثلِ محمـــــــودٍ ومن ياسينِ
من جــــــــودةٍ أو من ديابِ ومصطفَى * * * وحمــــــــــــــــــــــادةٍ وعطيةٍ وأمينِ
لا تَحْسَبُوهمْ مسلمينَ من اسمِهِـــــــــمْ * * * لا دينَ فيهمْ غيرُ سبِّ الدينِ
لا دينَ يردعُ لا ضميرَ محاسِــبٌ * * * لا خوفَ شَعبٍ لا حِمَى قانونِ
من ظنَّ قانونًـــــــــــــــــــــــــا هناكَ فإنما * * * قانونُنا هو حمـــــــــــــــــزةُ البسيوني
جلادُ ثورتِهــــــــــــــــــــم وسَوْطُ عذابهم * * * سَمَّوْهُ زورًا قائـــــــــــــــــــــــدًا لسُجونِ
وجهٌ عبوسٌ قَمطريـــــــــــــــــــــــــــــرٌ حاقدٌ * * * مُستكبرُ القسماتِ والعِرْنيــــــنِ
في خدِّه شـــــــــــــــــــــــجٌّ ترى مِن خلفِه * * * نفسًا مُعقَّـــــــــــــــــــــدةً وقلبَ لعينِ
متعطشٍ للسُّـــــــــــــــوءِ، في الدمِ والغٍ * * * في الشرِّ منقـــــــــوعٍ به معجونِ
هذا هو الحربيُّ معقلُ ثــــــــــــــــــــــــورةٍ * * * تدعو إلى التطويــر والتحسينِ!
هو صورةٌ صُغرَى استُعيرتْ مِن لَظًى * * فى ضِيقِها وعَذابِها الملعونِ
هو مصنعٌ للهَــــــــــــــولِ كم أهدَى لنا * * * صُوَرًا تذكّرنا بيـــــــــــــومِ الدين! 
هو فتنةٌ في الديـــــــــــــــــــــــنِ لولا نفحةٌ * * * من فيضِ إيمــــانِ وبردِ يقينِ

= = = = = = =

قل للعواذلِ: إن رميتــــمْ مصـــــــــــرَنا * * * بتخلفِ التصنيعِ والتعديـــــــــنِ 
مصرُ الحديثةُ قد عَلتْ وتقدمتْ * * * في صَنعةِ التعذيبِ والتقرينِ!
وتفنَّنتْ كي لا يمــــــــــلَّ معذِّبٌ * * * في العرضِ والإخراجِ والتلوينِ!
أسمعتَ بالإنسانِ يُنفـــــــــخُ بطنُهُ * * * حتى يُرى في هيئةِ البالـــونِ؟!
أسمعتَ بالإنسانِ يُضغطُ رأسُه * * * بالطَّوْقِ حتى ينتهي لجنونِ؟!
أسمعتَ بالإنسانِ يُشعَلُ جسمُه * * * نارًا وقد صبغوه بالفَـــــــزْلينِ؟!
أسمعتَ ما يَلقَى البريءُ ويصطلي * * حتى يقولَ أنا المُسيءُ خُذُونِي؟!
أسمعتَ بالآهاتِ تخترقُ الدُّجَى * * * ربــــــــــــاهُ عدلَكَ إنهم قتلونِي؟!
إن كنتَ لم تسمعْ فَسَلْ عما جرَى * * * مثلِي ولا ينبيكَ مثلُ سجينِ 
واسأل ثرَى الحربيِّ أو جدرانَـــــــهُ * * * كم من كسيرٍ فيهِ أو مطعونِ
وسلِ السياطَ السودَ كم شربتْ دمًا * * * حتى غدتْ حُمرًا بلا تلوينِ
وسلِ العروسةَ قُبَّحَتْ من عاهِــرٍ * * * كم مِن جريحٍ عندها وطَعينِ 
كم فتيةٍ زُفوا إليها عُنــــــــــــــــــــــــــــــــــــوةً * * * سقَطوا من التعذيبِ والتوهينِ 
واسألْ زنازينَ الجليدِ تُجبْكَ عن * * * فنِّ العذابِ وصَنعــــــــــةِ التلقينِ 
بالنارِ أو بالزمهريرِ .. فتلكَ في * * * حينٍ ، وهذا الزمهريـــــــرُ بحينِ 
يُلقَى الفتَى فيهِ لياليَ عاريًـــــــــــــــا * * * أو شبهَ عارٍ في شِتا كانــــــونِ
وهناك يُملى الاعترافَ كما اشتَهَوْا * * * أَوْ لا فويلُ مخالفٍ وحَرُونِ
وسلِ المقطَّمَ وهو أعدلُ شاهــــــــــدٍ * * * كم مِن شهيدٍ في التلالِ دفينِ 
قتلتْهُ طُغمةُ مصرَ أبشعَ قِتلةٍ * * * لا بالرصاصِ ولا القنا المسنــــونِ 
بل علَّقـــــــــوهُ كالذبيحةِ هُيئتْ * * * للقطــــــعِ والتمزيـــــــقِ بالسكيـــــــــــــــــــــنِ 
وتهجَّدُوا فيهِ ليالـــــــــــــــــيَ كلُّها * * * جلدٌ، وهُم في الجلدِ أهلُ فنــــــــونِ!
فإذا السياطُ عَجَزنَ عن إنطاقِهِ * * * فالكَيُّ بالنيرانِ خيــرُ ضَمينِ!

= = = = = = =

ومضتْ ليـــــالٍ والعذابُ مسجَّرٌ * * * لفتًى بأيدي المجرمينَ رهيــــــنِ 
لم يعبأوا بجراحـــــــــــــهِ وصديـــــــــدِها * * * لم يسمعـــــــوا لتـــــــــــــأوُّهٍ وأنيــــــــــــنِ 
قالوا: اعترفْ أو مُتْ فأنتَ مخيَّرٌ * * * فأبَى الفتَى إلا اختيارَ مَنُـــــــونِ
وجرى الدَّمُ الدفاق يسْطُرُ في الثرى * * يا إخوتي استُشهدتُ فاحتسبونِي 
لا تحزنوا إني لِربِّيَ ذاهــــــــــــــــــبٌ * * * أحيا حياةَ الحُــــــــــــــــــرِّ لا المسجونِ 
وامضُوا على دربِ الهُدَى لا تيأسوا * * فاليأسُ أصلُ الضعفِ والتوهينِ 
قولوا لأمّي: لا تنوحِي واصبِري * * * أنا عنــــــــــد خالقِيَ الذي يَهْدِيني 
أنا إن حُرِمتُ وَداعكُم لجِنازتــــــــــي * * * فملائكُ الرَّحمـــــنِ لم يَدَعُوني 
إن لم يُصلِّ عليَّ في الأرضِ امْرؤٌ * * * حسبِي صلاتُهمُو بعِلييــــــــــنِ 
أنا في جِوار المُصطفَى وصِحَابِهِ * * * أحظى بأجـــرٍ ليسَ بالمَمْنُونِ
أنا في رُبا الفِرْدَوسِ أقفزُ شاديًا * * * جذلانَ كالعصفور بين غُصونِ 
وِلدَانُـــــــــــــها في خِدمَتي، وثمارُها * * * في قبضتي، ونعيمُها يدعُوني 
وإذا حُرمتُ العُرسَ في الدُّنيا فلِي * * ما شئتُ فيها من حِسانٍ عِيــــــنِ 
أمَّــــــــــاهُ حَسْبُكِ أن أمـــــــوتَ معَذَّبًا * * * في اللهِ لا في شهوةٍ ومُجــونِ 
ما خُنتُ دينيَ أو حِمــــايَ ولم أكنْ * * * يومًا على حُرُماتــهِ بضنينِ 
فليسألوا عنِّي القنـــــــــــاةَ ويسألوا * * * عنّي اليهودَ .. فطالما خَبَرُوني

= = = = = = =

سحقًا لجزارينَ كمْ ذبحوا فتًى * * * مستهترينَ كأنَّهُ ابنُ لَبُـــــــــــــــونِ!
فإذا قَضَى ذهبوا بجثتـــــــــــــهِ إلى * * * تلِّ المقطَّمِ وهو غَيرُ بَطيــنِ 
لفّوهُ في ثوْبِ الدُّجَى وتسللــــــــــــوا * * * سارينَ بينَ مَغاورٍ وحُـزونِ 
وارَوْه ثم محَوا معالمَ رَمْسِـــــــــــهِ * * * فغدا كسِرٍّ في الثرى مكنونِ
أخفَــــوه عن عينِ الأنامِ وما درَوا * * * أنَّ الإلـــــهَ يَحوطُهمْ بعيونِ
والليلُ يشهدُ والكواكبُ والثرَى * * * وكفَى بهم شُهداءَ يـــــــومَ الدينِ

= = = = = = =

قالوا: محاكمةٌ، فقلتُ: روايةٌ * * * أعطَوْا لمُخْرِجِها وِســــــامَ فنونِ!
هي شرُّ مهزلــــــةٍ ومأساةٍ معًا * * * قد أضحكتني مثلَ ما تُبكيني!
أَوَعَتْ سِجلاتُ القضاءِ قضيّةً * * * كقضيةِ الإخوانِ؟ أين؟ أرُوني
الخَصمُ فيها مُـــــــــدَّعٍ ومُحقِّقٌ * * * وهو الذي يقضِي بلا قانــــــــــونِ!
إلا هــــــواهُ وما يـــــــــدورُ برأسِــهِ * * * من خلطِ سِكِّيــرٍ ورَأيِ أفيـــــــــــنِ
أرأيتَ محكمـــــةً ترأَّسَها امْرؤٌ * * * يدعوهُ مَن عَرَفوهُ بالمجنـــــــونِ؟!
أرأيتَ أحرارًا رَمَوْا بهمُو لدَى * * * قاضٍ عديمٍ دينُــــــــــه مأبــــــــونِ؟!
أرأيتَ إنسانًا يُدانُ لقولــــــــــــهِ * * * اللهُ ربِّـــــي، والحنيفَـــــــــــــــــــــةُ ديني! 
أو قالَ يا قومِ ارجعوا لكتابِكُمْ * * * طوقِ النجاةِ لكُمْ بكلِّ يقيــــنِ؟!
يا سوءَ حظِّ فتًـــــى رأوْا بسِجِلِّهِ * * شرفَ الجهــادِ لعُصبةِ الصَّهيونِ!
أو كان يومًا في كتيبةِ فِتْيَــــــةٍ * * * شَهَرَتْ بنادِقَها على السَّكْسُونِ!
أو كان حافظَ “آلَ عمرانٍ” فقدْ * * * ظَفِروا ببرهـــــــانٍ عليهِ مبينِ!
هذي الجرائمُ عند محكمةِ الرَّدَى * * * هي غُــــرَّةٌ تزهو بأيِّ جبينِ 
والويلُ لامْرئٍ استباحَ لنفسِــــــــــــــهِ * * * إظهارَ تعذيبٍ ودفْعَ ظنـــونِ
سيعــــــودُ للحربيِّ يأخذ حظَّـــــــــهُ * * * وجزاءَهُ الأوفَى من البَسيوني

= = = = = = =

أنا إن نسِيتُ فلستُ أنسى ليلةً * * * في ساحةِ الحربيِّ ذاتَ شُجونِ
عُدنا المساءَ مِن المحاكمةِ التي * * * كانت فُصولَ فُكاهـــــــــــةٍ ومُجونِ 
ما كادَ يعرُونا الكَرَى حتّى دعا * * داعِي الرَّدَى وكفاكَ صَوْتُ أميــــــــنِ 
فتجمَّع الإخوانُ ممن حوكِمـــوا * * * ذا اليومِ من طنطا إلى بَسْيــــــــونِ
أمَّا الألى سيُحاكمونَ فأُحْضِروا * * * لِيَرَوا يقيــــــــــنًا ليسَ بالمَظنــــــــــــونِ
وإذا بقائدِنا المُظفَّرِ حمــــــــــزةَ! * * * في عسكرِ شاكِي السّـلاحِ حَصينِ 
حشدَ الجنودَ وصَفَّها بمهـــــــــــــارةٍ * * * وكأنَّهُ عمــــــــــــــــــــــــــــــرٌو بأجْنادِينِ!
وأحاطنا ببنــــــــــــــــادقٍ ومدافـــــــــــــــعٍ * * * فَغَرتْ لنا فاهًا كَفِي التِّنيـــــــــــــــنِ!
طابورُ “تكديرٍ” ثقيـــــــــلٌ مرهـــــــــقٌ * * * في وقتِ أحــلامٍ وآن سكــــــــــــــونِ 
نعدُو كما تعدُو الظِّباءُ يسوقنا * * * لهبُ السياطِ شَكَتْ من التسخيــــنِ 
ومضتْ علينا ساعتانِ وكلنــــــــــــا * * * عَرَقٌ تصبَّبَ مثلَ فيضِ عُيونِ
مَن خرَّ إغماءً يُفِــــــــــقْ عَجْلًا على * * * ضرباتِ سوطٍ للعذابِ مُهيـــنِ 
ومن ارتمَى في الأرضِ من شيخوخةٍ * * * أو عِلّةٍ داسُوه دَوْسَ الطيــنِ 
لم يكفِ حمـــــــــــزةَ كلُّ ما نُؤْنـــــــا به * * * من فَرْطِ إعياءٍ ومن توْهيــــــــــــنِ
فأتى يوزِّعُ بالمُفــــــــــــــــرَّق دَفعـــــــــــــةً * * * بالسَّوطِ من عشرينَ للخَمْسيــــــنِ 
كلٌّ ينالُ نصيبَـــــــــــــــهُ بنزاهـــــــــــــــــةٍ * * * في العـــــــــدِّ والإتقــــــانِ والتَّحْسينِ!

= = = = = = =

وإذا نسِيتُ فلستُ أنسَى خطبةً * * * ما زال صوتُ خطيبِها يُشجيني 
إذ قال حمـــزةُ -وهو منتفخٌ- فلم * * * يترُكْ لفِرعــــــــونٍ ولا قــــــــــــارونِ:
أينَ الأُلى اصْطنعوا البُطولةَ وادَّعَوْا * * * أنِّي أعذِّبهُم هنا بسُجُوني؟!
أظننتمو هذا يخفِّـــــــــــف عنكُمُــــــو؟ * * * كلا، فأمرُكُــــمُ انتهى، وسَلَوني
أم تَحْسَبونَ كلامَ ألـــــــــــــفٍ منكُمُو * * * عنكُـــــــمْ وعن تعذيبِكُمْ يُثْنيني؟!
إنِّي هنا القانـــــونُ، أعلى سُلْطةٍ * * * مَنْ ذا يُحاسِبُ سُلطةَ القانون؟!
متفردٌ في الحُكمِ دونَ معقِّــــــــــبٍ * * * مَنْ ذا يُخالِفُني ومَن يَعصِيني؟!
فإذا أردتُ وهبتُكم حريــــــــــــــــةً * * * أو شِئــــــــــتُ ذقتمْ من عذابِ الهُونِ 
مَن منكمُو سامَحتُـــــــــهُ فبرحْمَتي * * * وإذا أبيــــتُ فــــــذاكَ طَـــــوْعُ يمينِي 
ومن ابتغَى موتًا فها عِنــــدي لهُ * * * مـــــــوتٌ بلا غُســـــــــلٍ ولا تكفينِ!
يا فارسَ الوادي وقائدَ سِجنِـــــــهِ * * * أبنــــو الكِنانــــــةِ أم بنو صَهْيُونِ؟!
هلاّ ذهبتَ إلى الحُـــــدودِ حَمَيْتَها * * * وأريتَنا أفكـــــــــــــــــارَ نابليــــــــونِ؟!
اذهبْ لغــــــــــــزةَ يا هُمامُ وأنسنا * * * بجهادكَ الدامِي صلاحَ الدِّيـــــنِ!
أفعندنا كَبشُ النِّطَاحِ .. ونَعْجَةٌ * * * في الحربِ جَمَّاءٌ بغيرِ قُرونِ؟!

= = = = = = =

أعَرَفتَ ما قاسيتُ في زِنزانــــــــةٍ * * * كانتْ هيَ القبــــــــــــرَ الذي يُؤويني؟!
لا بلْ ظلمتُ القبرَ، فهْو لِذِي التُّقى * * رَوْضٌ، وتلكَ جَحِيــــــمُ أهلِ الدِّينِ!
هيَ في الشِّتاءِ وبــــــــــــرْدِهِ ثلاجةٌ * * * هي في هَجيرِ الصَّيفِ مثلُ أتونِ
نُلقَى ثمانيــــــــــــــــةً بها أو سَبعـــــــةً * * * متداخِلِيـــــــــــــــــنَ كعُلبـــــــــةِ السَّرديـــــــــــنِ 
هيَ مُنتدانا وهْيَ غُرْفَــــةُ نومِـــــــنا * * * وهْيَ البوفيهُ وحُجرةِ الصَّالونِ
هِيَ مسجــــدٌ لصلاتِنا ودعائِنــــــا * * * هِيَ ساحةٌ لِلَّعــــــــــــــبِ والتمريــــنِ 
وهْيَ الكَنِيفُ وللضَّرورةِ حُكمُها * * * ما الذنبُ إلا ذنبُ مَن سَجَنُوني 
هيَ كُلُّ ما لِيَ في الحياةِ فلم يَعُدْ * * * في الكونِ ما أرجوهُ أو يرجُوني 
الأرضُ كلُّ الأرضِ عِندي أرضُها * * * أما السماءُ فسقفُها يعلُوني
فيها انقطعْتُ عن الوُجودِ فلم أعُدْ * * * أعنيهِ في شيءٍ ولا يعنيني
لا أعْرِفُ الأنباءَ عن دُنيا الوَرَى * * * إلا مِن الأحــــــــلامِ لو تأتيني!

= = = = = = =

يبكِي الأقاربُ غَيْبَةً حَسِبُوا لها * * * شهريْنِ فامتدتْ إلى عِشرينِ 
ولَكَمْ وَفَــــــــــيٍّ زارَ أهليَ سائلًا * * * عنّي برفــــــــــــــــقٍ عَلَّهمْ عَرَفُوني!
والأهـــــــــــلُ لا يدرونَ هل أنا ميّتٌ * * * فقــــــدوهُ أم حَـــيٌّ فيرتقبوني!
كم شاعــــرٍ فقدَ الرجاءَ بعودتي* * * فأعدَّ فيّ قصيـــــــــــــــــــدةَ التأبيـــنِ
هذا نصيبي يا أخِي من ثــــــورةٍ * * * قد كنتُ أحْسِبُها أتتْ تحميني
حَظِّي بها زِنزانــــــــــــــةٌ صخريةُ * * * سوداءُ مثلُ قُلوبِ من أسَرُوني 
كمْ من لَيالٍ بِتُّها أشكُو الطَّوَى * * * والبردَ، لكن أينَ من يُشكِيني؟
همْ كدَّرونِي لا طعامَ أذوقُـــــهُ * * * لا شيءَ مِن بردِ الشتاءِ يقيني
فإذا انقَضَى التكديرُ جاءَ طعامُهم * * دَكِنًا كأفكـــــارِ الألى اعتقلوني
ضَرْبٌ من التعذيــــــبِ إلا أنَّهُ * * * لا بُدَّ منهُ لسدِّ جُـــــــــــــــــــوعِ بُطونِ
ففَطُورُنا عَدَسٌ تَزَيَّـــــــنُ بالحَصَى * * إن الحَصَى فَرْضٌ على التَّعيينِ
قد عِفتُـــــــــهُ حتى اسمَهُ وحروفَهُ * * * مِن عينِـــــــــــــهِ أو دالِهِ والسِّينِ!
وغداؤنا فاصُوليـــــــــةٌ ضاقتْ بِها * * * نفسِي فرؤية ُصَحْنِها تؤذيني
وعَشاؤنا شيءٌ يحيِّركُ اسمُـــــــــــهُ * * * فكأنَّما صَنَعُوهُ من غِسليـــــــــــنِ
لا طَعــــــمَ فيــــهِ ولا غِذاءَ وإنَّما * * * يحلُو لنـــا من قِلَّـــــــــــــةِ التَّمويــــــــــنِ 
طبــــــــــقٌ يُكالُ لسبعةٍ أو نصفُهُ * * * وعليَّ أن أرضَى وقَد ظلموني
لو أنَّ لي في جَوْفِها حريَّـــــــــةً * * * لرضيتُ لكن أين ما يُرْضيني؟
من أجلِ ضَبطِ وُرَيقةٍ أو إبــــرةٍ * * * ولغيرِ شَيءٍ .. طالما استاقونِي
وتجمَّعوا حَوْلي ضَواريَ هَمُّها * * * نَهْشي .. وما لِيَ حِيلــــةٌ تُنْجينِي
إن نمتُ توقظني السِّياطُ سريعةً * * * فالنَّـــــــــوْمُ ليسَ يباحُ للمسجونِ
وإذا تحدَّثنا لنذهبَ بالكَــــــــــرَى * * * حَظَرُوا الحديثَ عليَّ كالأفيــــونِ!
وإذا شَغلنا بالقِـــــــــــــــــــــــراءةِ وقتَنا * * * أخذوا جميعَ الكُتْــــــــبِ للتَّخزيــــــــــنِ !
وإذا تلَــــــوْنَا في المصاحِفِ حرَّموا * * حملَ المصاحِفِ وهْيَ خيرُ قرينِ
وإذا تسلَّيْنَا بصنْـــــعِ مسابـــــــــــحٍ * * * جمعوا المسابحَ من نَوى الزيتونِ
هذي سِياستُهم وتلكَ عُقولهمْ: * * * عيشُوا بغيــــــــــــــرِ تَحَرُّكٍ وسُكونِ!
إياكُمُو أن تشتَكوا أو تَألَمُـــــــــــــوا * * * مُوتوا بِغيــــــــــــــرِ توجُّعٍ وأنيــــــــــــنِ!
يا ويلَ من قدْ مسَّهُ لهَبُ الظَّما * * * فدَعا بلُطفٍ للجنـــودِ: اسْقُوني
فهناكَ يُسقَى المُرَّ من أيديهمو * * * من كلِّ مَسعورٍ عليكَ حَـــــرُونِ
فالسَّوطُ حلالُ المشاكلِ، لم يَضِقْ * * * يومًا بطولِ مآربٍ وشُــــؤونِ
من راحَ يشكُو الجوعَ فهْوَ غِذاؤهُ * * * ومَن ابتغَى رِيًّــــــــا فأيُّ مَعيــنِ!
ومن اشتكَى الإسهالَ يُجلَدُ عشْرةً * * * هيَ وَصفةُ الثُّـــــوارِ للمبطونِ
ومن اشتكَى وجعَ الصُّداعِ فمثلُها * * * أو ضعفُها بِمكانِ الاسبيرينِ
ومن اشتكَى من سُكِّرٍ فبِنَحْـــــوِها * * * يجِـــــــــــــدُ العليلُ أعَـــــــزَّ إنسولينِ
هذا اكتشـافُ الثورةِ الفــــــــــذُّ الذي * * * فخرتْ بهِ مصرٌ على بِرليـنِ!

= = = = = = =

يا عُصبةَ الباستيلِ دونَكُمو، فلنْ * * * آسَى على الإغلاقِ والتأميــــــــــنِ
سُدُّوا عليَّ البابَ كيْ أخلو إلى * * * كُتْبي فلِي في الكُتْبِ خيرُ خَدينِ 
وخذوا الكتـــــاب، فإنَّ أنسِيَ مُصحفٌ * * * أتلــــــــــــــــوهُ بالترتيــــــلِ والتلحينِ 
وخذوا المصاحِفَ، إنَّ بيـــــــنَ جوانِحِي * * * قلبًــــــــــــــا بنورِ يقينِهِ يهدينِي
اللهُ أسعدَنِي بظلِّ عقيــــــــــــــــــــــــــدتِي * * * أفيستطيعُ الخلـــــقُ أن يُشْقوني؟!

= = = = = = =

لحسابِ مَن هذا الأتـــونُ مُسَجَّرٌ * * * يلقَى لهٌ بالفحـــــــــــــــــــمِ والبنزيـــــــنِ؟
لحسابِ مَن بطشوا بأطهرِ ثلــــــــــةٍ * * * روَّتْ دماها أرضَ فيلسطينِ؟
لحسابِ مَن ضربوا بُطولةَ فِتيةٍ * * * بَعثوا صلاحَ الدِّينِ في حِطِّينِ؟
لحسابِ مَن مَكَروا بإخوةِ غانــــــــــمٍ * * * وابنِ المُنَيْسِي والفتى شاهينِ؟
لحسابِ مَن شنقوا المجاهدَ يوسُفًا * * * والفرغليَّ محاربَ السَّكسُونِ؟
لحسابِ مَن غدروا بِعُـــــــودَةَ جَهْرةً * * * مِن غيرِ سُلطانٍ عليهِ مبينِ؟
لحسابِ مَن قتــــــــلوا وما قدْ شوَّهوا * * * من أوجهٍ أو أظهـــــــــرٍ وبطـونِ
مَنْ عذَّبوا، من شرَّدوا، من جوَّعوا * * * ومَنِ استذلُّوا مِن لُيوثِ عرينِ؟
ألمصرَ؟ كيفَ ونحنُ صَفْوَةُ جُنْدِها * * * في يَــــــــــومِ حربٍ للعدوِّ زَبونِ
أمْ للعُروبــــــــــــــــــــــــةِ في قضيَّتها التي * * * أغنَى بها الشُّهداءُ عن تَبْيِينِي
أم يا تُــــــــرَى لقضيةِ الإسلامِ في * * * أوطانِـــــهِ مِن طَنجَــــــــةٍ لبكيـــــــــنِ؟
ألمُسلِمِي الأحبَــــــــاش أم لإرِتْــــــرِيَا * * * مِنْ كُلِّ مرتَقِبٍ لِعَوْنِ مُعيــــــــــــــــنِ 
أمْ للأُلى يُفنَوْنَ في القوقاز أو * * من ذُبِّحوا في الهنــــــــــدِ أو في الصِّينِ؟
لا .. لا وربِّي، إنني لَأقولُـــــــها * * * بالجَـــــزْمِ لا بالخَرْصِ والتَّخميـــــنِ:
لحسابِ مَنْ هذا أتدْرِي يا أخِي؟ * * * لحسابِ الاستعمارِ والصَّهْيـونِ 
أرضَى بنا الطاغُوتُ سَادتَهُ لِكَي * * * يَعِــــــــدوهُ بالتثبيـــــــــــتِ والتأميـــــــــنِ 
فالقـــــوْمُ يخْشَوْنَ انتفاضةَ دِيننا * * * بعدَ الجُمُــــــــــودِ وبعدَ نـــــــوْمِ قُرونِ
يَخْشَوْنَ يعْــــرُبَ أن تجودَ بخالـــــدٍ * * * وبكلِّ سَعْــــــــــــــدٍ فاتــــــــــــحٍ ميمونِ
يَخْشَوْنَ أفريقيا تجودُ بطَــــــارقٍ * * * يَخْشَوْنَ تُرْكِيًّــــــــــــا كنــــــــــــور الدينِ 
يَخْشَوْنَ ديــــــــنَ اللهِ يرجعُ مصدرًا * * * للفكْــــــــــرِ والتوجيـــــــــــــــهِ والتقنينِ 
ويَرَوْنَ كلَّ تكتُّــــــــــلٍ يدعُو لهُ * * * خطـــــــــــــرًا وخَصْمًا ليسَ بالمأمونِ
وهُنا بدَا البطلُ الهُمَامُ منَفِّذًا * * * لمُخطَّطِ التبشيـــــــــــــــــــــرِ والماســــــونِ
ليُسَدِّدَ الضَّرَبَـــــــــاتِ في عُنفٍ إلى * * * أقوَى بنـــــــاءٍ للدُّعـــــــــــــاةِ متينِ
ليقولَ للرُّقباءِ: قَــــــــــــــرُّوا أعينًـــــــــــــــــا * * * أنا باقتلاعِ الأُسِّ جِـدُّ قَميـــنِ 
وكذاكَ قامَ كَمَــــــــــــــــــــالُهُمْ في تُرْكِيا * * * ليطـــــارِدَ الإسلامَ كالمَجنــونِ
واليومَ سارَ جَمَــــــــــــــــــــــالُهُمْ في خَطِّهِ * * * بتدرُّجٍ وتخابُـــــــــــــثٍ ملعـــــونِ 
ذاك امرؤٌ عـــــــارٍ ، وهذا ماكرٌ * * * متلونٌ يحكِي أبا قلمُـــــــــــــــــــــــــونِ

= = = = = = =

يا مصرُ حظُّكِ مثلُ حظِّي عاثرٌ * * * كم قد نُكِبْتِ بغاشِمٍ وخَئونِ 
قلنا انقَضَى عهدُ الظلامِ وأقبلتْ * * * مِصرٌ على عهدٍ أغرَّ مَكينِ
يمضِي بأمتِّنَا على سَنَنِ الهُدَى * * * ويردُّها لتُراثـِـــــــــــــــــــــها المَيْمونِ
ويعيـــدُ عهدَ الراشدينَ يُمِــــــــــــــــــــدُّهُ * * * عِزُّ الرَّشيــدِ ونهضةُ المأمونِ 
أملٌ أضاءَ -كلمحةٍ- في ثورةٍ * * * كنا لها في الرَّوْعِ خيـــرَ مُعِينِ 
فإذا الذي ثُـــــــرْنا عليهِ تعيدُهُ * * * كالثَّوْرِ حين يدورُ في الطَّاحونِ
ثرنا على مَلكٍ، فجاءوا عَشْرَةً * * * كلٌّ يريدُ المُلْكَ غيــــــــــرَ رزينِ 
وإذا رئيسُهُمو يَرَى في نَفسِـــــهِ * * * مَلِكَ المُلوكِ ووارثَ الفِرْعونِ 
في نفسِهِ ودمائهِ: أنا ربُّكُــــــــــــمْ * * * لا تجعلوا ربًّـــــا لكُمْ من دُونِي 
ثرنا على الأحزابِ في تضلِيلها * * للشعبِ في توجِيهِهَا اللادِيني
ما بالُها رَجَعَتْ لنا حِزبِيَّـــــــــةً * * * عميــاءَ ذاتَ دِعايةٍ وطَنينِ؟
تدَعُ البَنـــــــــــــاءَ يكادُ يَهوِي ركنُهُ * * * وتهيـــــمُ بالتزويقِ والتزيينِ!
صُحْفٌ ومذياعٌ وسَيلُ دِعايةٍ * * * متدفقُ النَّشَراتِ جـــــدُّ هَتُونِ 
خُطبٌ توزَّعُ للعراةِ ليكْتسوا * * * وصَحافةٌ تُهـــدَى إلى المِسكينِ
أكداسُ أرقامٍ ولستَ تَرى لها * * * أثرًا سِوَى عُرْيٍ وجُوعِ بُطونِ 
بــرقٌ ولا مطــــــرٌ، وأوراقٌ ولا * * * ثمــــــرٌ، وجعجعةٌ بغيرِ طَحينِ
ثوريـــــــةٌ هدامــــــــــةٌ شريــــــــــــــرةٌ * * * باسمِ البنــــاءِ تَهُـــــدُّ كلَّ حَصينِ 
كانتْ على الإسلامِ في أوطانِهِ * * * شرًّا من السَّكْسُون واللاتينِ 
نصَبتْ مشانِقَها لقتلِ دعاتِـــهِ * * * بغيًــــــــا، بلا شــــــرْعٍ ولا قانـــــونِ 
ومضتْ تصُبُّ على الألوفِ عذابَها * * من كلِّ ذي ثقةٍ بهذا الدِّينِ 
ساءتْ لَعَمْـــــــــــري ثورةً مشئومةَ * * * لم نَجْنِ منها غيرَ تلِّ دُيـــــونِ 
يَجري الخرابُ وراءَها أنَّى جَرَتْ * * * وتقولُ بالتطويرِ والتحسينِ!
يا ثورةً كنَّا حُمَــــــــــــــــــاةَ ظُهورِها * * * صِرْنَا وقــودَ وطِيسِها المَجنونِ 
قالوا: مباركةٌ وما كانتْ سِوى * * * حُمَّى على الأحرارِ أو طاعونِ 
يا هِـــــــــــــرَّةً أكلتْ بنيــــها غَـــــــــــدْرَةً * * * قُبِّحْتِ أُمًّـــا كنتِ غيرَ حنونِ!
أفهكذا يُجزَى الجميلُ بضِدِّهِ؟ * * * أينَ الوفــــــــــــــــــــاءُ وأهلُــــــــهُ؟ دُلُّونِي

= = = = = = =

واهًا لهُمْ، كمْ أسْرَفــــــوا وتَحَيَّرُوا * * * في وَصْفِنا من يُسْـــــــــــرَةٍ لِيَمينِ
قالوا ويا لَضَلالَ ما قالــــــوا فَكَمْ * * * كَالوا لنا تُهَمًا بِمَحْضِ ظُنونِ!
وعـــــــــزاؤنا أن النَّبِيَّ فَديْتُــــــــــــهُ * * * بأبِي وأمِّي كمْ رُمِي بِطُعــــــــــــونِ!
من ساحِـــــرٍ حينًا، لباغٍ، مفتــرٍ * * * أو كاهنٍ، أو شاعرٍ مَجنونِ!
قالوا كِذابًـــــــــــــا: دعـــــــــــوةٌ رجعيةٌ * * * معزولةٌ عن قَرْنِها العِشريــــنِ!
الناسُ تنظرُ للأمـــــــــامِ، فما لَهُمْ * * * يدْعُوننا لِنعُـــودَ قبلَ قُــــــــرونِ؟
رجعيــــــــــــةٌ أنَّا نغَــــــــــــــــــــــارُ لدِيننا * * * ونقومُ بالمفروضِ والمسنونِ؟!
رجعيـــةٌ أنَّا نَصونُ حريمَنا؟! * * * بئسَ الحريمُ يكونُ غيرَ مصونِ
رجعيـــــــةٌ أنَا نذرنَــــــــــا أنْفُسًــــــــــا * * * للهِ تحيَــــــــــا، لا لعيــــــــــــــشٍ دونِ؟!
رجعيـــــــةٌ أنَّا نربِّي جُنْدَنــــــــا * * * للحــــــــــــــقِّ، لا لتفاهــةٍ ومجـــــــــــونِ؟!
رجعيةٌ أن الرَّســـولَ زَعيمُنـــــــــا * * * لسنا الذيـــــــولَ لماركسٍ ولنيـــنِ؟!
رجعيةٌ أن الجهــــادَ سبيلُنــــــــــا؟! * * * نَعَـــمِ، الجهادُ ذريعةُ التمكيــــــنِ
رجعيةٌ أن يَحْكُمَ الإسلامُ في * * * شعبٍ يرَى الإسلامَ أعظَمَ دِينِ!
أوليسَ شَرْعُ اللهِ -شَرْعُ محمَّدٍ- * * * أولَى بنا من شَرْعِ نابليونِ؟!
يــــــاربِّ إنْ تكُ هذهِ رجعيّــــــــةٌ * * * فاحْشُرنِ رجعيًّـــــــا بيومِ الدِّيــــنِ!

= = = = = = =

قلْ للذي جَعلَ الكنانــــةَ كلَّها * * * سِجنًا وباتَ الشعبُ شرَّ سَجينِ:
يا أيَّها المغْرورُ في سُلْطَانِهِ * * أمِنَ النُّضَارِ خُلِقْتَ أمْ مِن طيـــنِ؟!
يا مَن أسأتَ لكلِّ مَن قد أحْسَنوا * * * لكَ دائنيــــنَ فكنتَ شرَّ مَدينِ 
يا ذِئبَ غَـــــــــــــــدرٍ نَصَّبوهُ راعيًا * * * والذئـــــــــبُ لم يكُ ساعةً بأميــــنِ 
يا من زرعتَ الشرَّ لنْ تجنِي سِوَى * * شــرٍّ وحقدٍ في الصدورِ دفينِ 
سيزولُ حكمكَ يا ظلومُ كما انقضتْ * * دولٌ أولاتُ عساكرٍ وحصونِ 
ستهُبُّ عاصفةٌ تـــــــــــــــــدكُّ بناءَهُ * * * دكًّا .. ورُكنُ الظلمِ غيرُ ركيـــنِ 
ماذا كسِبتَ وقد بذلــــتَ من القُوَى * * * والمــــــــــــالِ بالآلافِ والمليونِ؟
أرهقْتَ أعصابَ البلادِ ومالَها * * * ورجَالَها في الهـــــــدمِ لا التكوينِ
وأدرتَ معركةً تأجَّـــــــجُ نارُها * * * مع غيرِ “جونْ بُولٍ” ولا “كوهينِ”
هلْ عُــــدتَ إلا بالهزيمــــــةِ مرَّةً * * * وربِحتَ غيرَ خَسارةِ المَغْبونِ؟!
وحَفَرْتَ في كُلِّ القلــوبِ مغاورًا * * * تهـــــــــوِي بِها سُفْلًا إلى سِجّيــنِ 
وبنيْــــتَ مِن أشلائنا وعِظامِنــــــــا * * * جســـــــــــــــرًا بِهِ نَرْقَى لِعلييـــــــــــــــنِ 
وصنعتَ باليدِ نعشَ عهدِكَ طائعًا * * * ودققتَ إسفينًـــــــا إلى إسفينِ 
أظننتَ دعوتَنا تموتُ بضربةِ؟ * * خابتْ ظنونُكَ، فهْيَ شــــــرُّ ظُنونِ!
بَلِيَــــتْ سِياطُك، والعزائمُ لم تَزلْ * * * منّا كحَــــــــــدِّ الصَّارمِ المسنـــونِ 
إنَّا لَعَمْرِي إنْ صمَتنـــا بَرهـــــــــــةً * * * فالنارُ في البركانِ ذاتُ كُمونِ!
تاللهِ ما الطغيانُ يَهزِمُ دَعـــــــوةً * * * يومًا، وفي التاريـخِ بَـــــــــــــرُّ يمينِي

= = = = = = =

ضعْ في يديَّ القيدَ أَلْهِبْ أضلُعِي * * بالسوطِ ضعْ عنقِي على السِّكّينِ
لن تستطيعَ حصارَ فِكـرِي ساعةً * * * أو نــــــــــــزعَ إيمانِي ونورِ يقينِي
فالنورُ في قلبِي، وقلبِي في يَدَيْ * * * ربِّي، وربِّي ناصِـــــري ومُعينِي
سأعيشُ مُعتصمًا بحبـــــلِ عقيدتِي * * * وأمــــــــوتُ مبتسمًا لِيحْيا دينِي

= = = = = = =

صبرًا أخِي في مِحنتي وعَقيدتي * * * لا بدَّ بعدَ الصبـــــــرِ مِن تمكينِ 
ولنا بيوسُفَ أسْوةٌ في صَبــرهِ * * * وقد ارتمى في السِّجنِ بِضعَ سنينِ 
هـــــــــــــــوَّن عليك الأمر لا تعبأ به * * * إنَّ الصِّعــــــــــابَ تهونُ بالتَّهوينِ 
أمسٌ مَضَى، واليومُ يسْهُلُ بالرِّضا * * * وغدٌ ببطنِ الغيبِ شِبهُ جَنينِ 
لا تيأسَنَّ من الزمــــــــــــــــــــانِ وأهلِـــهِ * * * وتقــــلْ مقالةَ قانِـــــــــــطٍ وحزيـــــــنِ 
شـــــاةٌ أسَمِّنُهَا لذئـــــــــــــــــــــــــــبٍ غادرٍ * * * يا ضيعَةَ الإعـــــــــدادِ والتَّسمينِ
فعليكَ بَذْرُ الحَبِّ لا قطفُ الجنَى * * * واللهُ للسَّاعينَ خيرُ مُعينِ 
سنعــــــــــــــودُ للدنيا نُطِبُّ جراحَها * * * سنعــــــــــــــــــودُ للتكبيــرِ والتأذيــنِ 
ستسيرُ فُلْكُ الحقِّ تحملُ جندَهُ * * * وستنتهي للشاطِئ المأمـــــــــونِ 
باللهِ مَجرِاها ومُرْسَاها فهلْ * * * تخشَى الرَّدَى واللهُ خيرُ ضَمينِ؟!

= = = = = = =

يا رَبِّ خلِّصْ مصرَ من أعدائِها * * وأعِنْ على طاغُوتِــــــــها الملعــــونِ 
يا ربِّ إن السيلَ قد بَلَــــــــــــغَ الزُّبَى * * * والأمرُ في كافٍ لديكَ ونُونِ
باسمِ الفراخِ الزُغْبِ هِيضَ جناحُهُمْ * * فقدُوا الأَبَ الحانِي بغيرِ مَنُونِ
بدموعِ أمٍّ روَّعُـــــــــــــــــــــوها في ابنِها * * * وبكلِّ دمعٍ في العُيونِ سَخِينِ 
بدعــــــــــاءِ شيخٍ شرَّدوا أبنـــــــــــــــــاءَهُ * * * ما بينَ مُعتقَــــــــلٍ وبينَ سَجينِ 
بسهادٍ زوجٍ غابَ عنْها زوجُها * * فدعتْ لفرطِ جَـــــــــوًى وفــرطِ حنينِ: 
ربّـــــــــــَاه رُدَّ عليَّ مؤنِسَ وَحْشَتي * * * وأغِــثْ بعودتهِ جِيـــــــــــــاعَ بنينِي
يامَن أجبتَ دعاءَ نوحٍ “فانتصِرْ” * * * وحَمَلْتَـــهُ في فُلكِكَ المَشْحونِ 
يا مَن أحالَ النَّــــــــــــارَ حولَ خليلِهِ * * * رَوْحًا ورَيْحانًا بقولكَ: كُونِــي
يا مَن أمَرْتَ الحـــوتَ يَلْفِظُ يونُسًا * * * وسترتَـــــــهُ بشُجَيـــــــــــرَةِ اليَقطينِ 
يا ربِّ إنَّـــا مِثلَهُ في كُربـــــــــــــــــــــــةٍ * * * فارحَمْ عبادًا كلُّهمْ ذو النُّـــــــــــونِ

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

أبو بكر الصديق رجل المواقف

ما إن انتقل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى

مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ التَّاسِعِ

(مِنْ طُغْيَانِ فِرْعَوْنَ.. إِلَى قَوَانِينِ النَّصْرِ الحَقِيقِيَّة)أيها القراء الكرام، نعيش

أزمة العدالة تمتد من فلسطين إلى الملاعب

قراءة مقاصدية في سقوط القيم الرياضية أمام منطق القوة والشهرة

آخر المقالات

100%