آخر الأخبار

جهود الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في معالجة النوازل المعاصرة

شارك المقال على:

تبوأت معالجة النوازل المعاصرة مكانة محورية في رسالة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حتى غدت من أبرز معالم مشروعه العلمي والفكري، وأحد أهم الميادين التي تجلت فيها رسالته الإصلاحية منذ انطلاقته. فقد استشعر الاتحاد مبكرا أن الأمة الإسلامية تعيش مرحلة تتسارع فيها التحولات العلمية والتقنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية على نحو غير مسبوق، وأن هذه المتغيرات المتلاحقة تفرز في كل حين وقائع ومستجدات لم يعهدها الفقه الإسلامي بصورها الراهنة، الأمر الذي يفرض تجديد النظر والاجتهاد في ضوء الأصول الشرعية المحكمة، والقواعد الفقهية الكلية، والمقاصد العليا للشريعة، حتى يظل الفقه الإسلامي قادرا على أداء رسالته في توجيه الحياة، واستيعاب المستجدات، ومواكبة حركة الإنسان والعمران.
ومن هذا الإدراك العميق لطبيعة العصر وتحدياته، جعل الاتحاد فقه النوازل والاجتهاد الجماعي في صدارة أولوياته العلمية، إيمانا منه بأن الشريعة الإسلامية بما أودع الله فيها من كمال وسعة ومرونة، قادرة على استيعاب متغيرات الزمان والمكان، والإجابة عن قضايا الإنسان المتجددة في مختلف الميادين. فهي شريعة لم تنزل لمعالجة أحداث زمن بعينه، وإنما جاءت هداية للبشرية إلى قيام الساعة بما تضمنته من أصول ثابتة، وقواعد عامة، ومقاصد راسخة، تتيح للفقه الإسلامي أن يجدد أدواته في الاجتهاد، وأن يربط الأحكام الشرعية بواقع الناس المتغير دون إخلال بثوابت الدين أو تفريط في مقاصده.

ولذلك لم يقف الاتحاد عند حدود المحافظة على التراث الفقهي واستحضار أقوال الأئمة، بل انطلق إلى استثمار ذلك التراث واستلهام كنوزه في معالجة الوقائع المستجدة مسترشدا بمنهج علمي يجمع بين أصالة النصوص، وعمق الفقه، وفقه الواقع، واستحضار المآلات، حتى تبقى الشريعة حاضرة في توجيه الإنسان، وقادرة على تقديم الحلول الشرعية الرشيدة لما يستجد من قضايا وتحديات.

وقد اتخذ الاتحاد من الاجتهاد الجماعي المؤسسي منهجا أصيلا في معالجة النوازل إدراكا منه أن تعقيد القضايا المعاصرة وتشابكها لم يعد يسمح بمعالجتها من زاوية فقهية مجردة، بل أصبحت تستلزم تكامل العلوم الشرعية مع الخبرات الإنسانية المتخصصة. ومن ثم جمع الاتحاد في مؤتمراته ومجالسه العلمية نخبة من كبار الفقهاء والمجتهدين إلى جانب المختصين في الطب والاقتصاد والقانون والسياسة والهندسة والتقنية والعلوم الاجتماعية، حتى تتكامل الرؤية، ويصح تصور المسألة قبل إصدار الحكم فيها تحقيقا للقاعدة الأصولية الراسخة: الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

ومن أجل ترسيخ هذا النهج، واصل الاتحاد تنظيم المؤتمرات العالمية، والملتقيات الفقهية، والندوات العلمية، وورش العمل التخصصية، التي اجتمع فيها علماء الأمة من مختلف المدارس الفقهية والبلدان الإسلامية إلى جانب الخبراء والمتخصصين لتدارس النوازل دراسة جماعية قائمة على البحث والتحقيق والمناقشة العلمية الرصينة. وقد كانت هذه اللقاءات منابر علمية رفيعة تعرض فيها البحوث المحكمة، وتناقش فيها الآراء والاجتهادات، ثم تصدر عنها قرارات وتوصيات وبيانات تمثل خلاصة الاجتهاد الجماعي، حتى غدت مرجعا معتبرا لدى المفتين، والمجامع الفقهية، والجامعات، ومراكز البحوث، وسائر المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي.

وامتدت جهود الاتحاد لتشمل مختلف أبواب الفقه الإسلامي، فلم يقتصر اهتمامه على جانب دون آخر، بل سعى إلى مواكبة شؤون الحياة الإنسانية في أبعادها كافة إيمانا منه بأن الشريعة جاءت لتنظم حياة الإنسان في عباداته ومعاملاته، وفي أسرته ومجتمعه، وفي علاقاته الاقتصادية والسياسية والحضارية، وأن رسالة الفقه لا تكتمل إلا إذا أحاطت بجميع جوانب الحياة.
وفي ميدان الاقتصاد والمال، أولى الاتحاد عناية كبيرة بالقضايا التي أفرزتها المنظومة الاقتصادية الحديثة، فبحث مسائل التمويل الإسلامي، والمصارف الإسلامية، والصكوك، وصناديق الاستثمار، والتأمين وإعادة التأمين، والأسواق المالية، والأسهم والسندات، والمرابحات، والإجارة المنتهية بالتمليك، والتمويل العقاري، والعملات الرقمية، والأصول الافتراضية، والتجارة الإلكترونية، والتكنولوجيا المالية الحديثة، وغيرها من النوازل التي استدعتها تطورات الاقتصاد العالمي. وقد انطلق في معالجته لهذه القضايا من مقاصد الشريعة في تحقيق العدالة، وصيانة الأموال، ومنع الربا والغرر والاحتكار، وإقامة النشاط الاقتصادي على أسس من الأمانة والشفافية والإنصاف.
وفي المجال الطبي، واكب الاتحاد ما شهده العصر من ثورة علمية هائلة في العلوم الطبية والبيولوجية، وما نتج عنها من قضايا دقيقة تمس حياة الإنسان وكرامته، فتناول بالدراسة والبحث مسائل زراعة الأعضاء، ونقل الدم، والتبرع بالأعضاء، والخلايا الجذعية، والهندسة الوراثية، والاستنساخ، والإخصاب الصناعي، وأطفال الأنابيب، والفحص الجيني، والإجهاض، والموت الدماغي، وأجهزة الإنعاش، والرعاية التلطيفية، والتجارب الطبية، وأحكام الأدوية واللقاحات، وغيرها من النوازل التي استدعت الجمع بين الخبرة الطبية المتخصصة، والنظر الفقهي العميق في ضوء مقاصد الشريعة في حفظ النفس، وصيانة الكرامة الإنسانية، وحماية النسل.

أما في المجال الأسري والاجتماعي، فقد أولى الاتحاد الأسرة المسلمة عناية خاصة إدراكا لمكانتها في بناء المجتمع وصيانة هويته، فناقش القضايا المتعلقة بالعلاقات الأسرية، وحقوق الزوجين، وحقوق المرأة والطفل، وتربية الأجيال، ومواجهة العنف الأسري، والإدمان، والتفكك الاجتماعي، والآثار المتزايدة لوسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي، وما تفرضه العولمة من تحديات تمس القيم والهوية. وقد سعى في جميع ذلك إلى تقديم رؤية شرعية متوازنة، تجمع بين الوفاء لأحكام الإسلام وثوابته، والوعي بمتغيرات العصر بروح من الحكمة والاعتدال وفقه المآلات.

وفي الميدان الفكري والثقافي، تصدى الاتحاد لكثير من القضايا الفكرية التي فرضتها التحولات المعاصرة مثل الإلحاد، والتطرف، والغلو، والتكفير، والإسلاموفوبيا، والعلمانية، والعولمة الثقافية، وأزمة الهوية، والحوار الحضاري، وعلاقة المسلمين بغيرهم، فقدم بحوثا رصينة، وبيانات علمية، ورؤى شرعية متوازنة، تؤكد وسطية الإسلام وسماحته، وتدعو إلى الاعتدال، وتحصن المجتمعات الإسلامية، ولا سيما الشباب، من الانحرافات الفكرية والتيارات الهدامة.

كما اضطلع الاتحاد بدور بارز في دراسة النوازل السياسية، فعالج القضايا المتصلة بالشرعية، والشورى، والإصلاح السياسي، والحقوق العامة، والعدالة، والحريات، والعلاقات الدولية، وحقوق الأقليات المسلمة، وأوضاع اللاجئين والمهجرين، وقضايا الاحتلال، وحق الشعوب في تقرير مصيرها مسترشدا في ذلك بمبادئ الشريعة الإسلامية ومقاصدها الكلية، وحريصا على أن تكون معالجاته منطلقة من ميزان العدل، ومحققة لمصالح الأمة، ومراعية لاختلاف البيئات والظروف بما يجسد عالمية الإسلام وصلاحيته لمعالجة قضايا الإنسان في كل عصر.

وكانت القضية الفلسطينية في صدارة القضايا التي أولى لها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عنايته، فواكب تطوراتها ببياناته وفتاواه مؤكدا مكانة القدس والمسجد الأقصى في عقيدة الأمة، ومدافعا عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وداعيا إلى نصرة المظلومين، وتعزيز وحدة الموقف الإسلامي تجاه هذه القضية المركزية.

وعندما اجتاحت جائحة كورونا العالم، نهض الاتحاد بمسؤوليته الشرعية، فأصدر جملة من الفتاوى والبيانات التي بينت الأحكام المتعلقة بالشعائر والعبادات في ظل الظروف الاستثنائية مؤكدا أن حفظ النفس مقصد عظيم من مقاصد الشريعة، وأن الأخذ بالأسباب والالتزام بالتدابير الوقائية من صميم الهدي الإسلامي.
ومع تسارع الثورة التقنية، اتسع اهتمام الاتحاد ليشمل ما أفرزته التقنيات الحديثة من قضايا ومستجدات، فدعا إلى الإفادة من منجزات العصر، وتسخيرها في خدمة الإنسان مع الالتزام بالضوابط الشرعية والقيم الأخلاقية التي تصون الحقوق وتحفظ المصالح.

وقد اتسم منهج الاتحاد في معالجة النوازل بالجمع بين رسوخ التأصيل الشرعي، وعمق فقه المقاصد، وحسن إدراك الواقع، والاستفادة من الخبرات التخصصية في إطار من الاجتهاد الجماعي الذي يوازن بين المصالح والمفاسد، ويراعي اختلاف الأحوال والبيئات بعيدا عن الجمود أو التعصب.
وبفضل هذا المنهج الرصين، رسخ الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مكانته مرجعا علميا بارزا في فقه النوازل والاجتهاد المعاصر، وأسهم في بيان الأحكام الشرعية للمستجدات مؤكدا حيوية الشريعة الإسلامية، وسعتها، وقدرتها على مواكبة تطورات الحياة، وتقديم الهداية والحلول الرشيدة لما يستجد من قضايا في مختلف الأزمنة والأمكنة.

المراجع:

  1. الدكتور يوسف القرضاوي، في فقه الأقليات المسلمة.
  2. الدكتور يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية.
  3. الدكتور يوسف القرضاوي، دراسة في فقه مقاصد الشريعة.4. الدكتور علي محيي الدين القره داغي، فقه القضايا الطبية المعاصرة.
  4. الدكتور علي محيي الدين القره داغي، بحوث في فقه المعاملات المالية المعاصرة.
  5. الموقع الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
أحمد شوقي عفيفي
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

يومَ يَفيضُ العَرَقُ

ليست أشدُّ لحظاتِ الإنسانِ تلكَ التي يعيشُها في الدنيا، فكلُّ

الذکر والعمران – كيف يسهم الذکر في بناء العمران الإنساني والحضاري؟

المقدمة الذكر بين الفقه والعمران حين يُذكر الذكر في كثير

ما أوسع السجن… وما أضيق القلوب

في عمق الظلمة التي ارادوها مقبرة للاجساد، تولد ملاحم الارواح

آخر المقالات

100%