تدخل “الرائد” بهذا العدد في العام الثامن والستين من عمرها،بعد ما قضت 67 سنة حافلة بالعطاء المستمر في نصرة الحق، ونشر الكلمة الطيبة، والفكرة الإسلامية السليمة، راسخة في رسالتها “إلى الإسلام من جديد”، ومتمسكة بمبادئها، ومدركة لما تواجه الأمة والإنسانية من تحديات وأخطار، وتطورات ومستجدات على المستوى العالمي، وقد شاهدت في هذه المدة، المهازل والمآسي، والأحداث والكوارث، والانقلابات والثورات، والأزمات والمشاكل التي وقعت في العالم وبخاصة في العالمين العربي والإسلامي، وإن الأمة الإسلامية هي أكثر الأمم والشعوب في الأرض مواجهة للأزمات والمشاكل، وقد تحالفت القوى العالمية الاستعمارية على معاداة الأمة ومحاربتها، وقد تنوعت في ذلك أحوالُ الأمة، ففي منطقة، ضعيفة تواجه الاعتداء والإبادة، وفي بلد في أغلبية، يخنق فيه صوتها، وتواجه الكبت والقمع، فالأمة في كل مكان تعاني الأزمات والمشاكل، وقد اشتدت بها الضغوط، حتى بلغ الأمر في عدد من الدول إلى أن تحطم ضميرها الديني، وتضاءل الشعور بالكرامة الإسلامية، و المحافظة على القيم الدينية، والمثل الإسلامية، فتعودت على احتمال الأذى والصبر على الظلم، فكأنه أصبح كل شئ في العالم مما له صلة بالإسلام واهنًا ضعيفًا باستثناء مجرد رفع الصوت من بعض الأجزاء من العالم بالكلمة المنطوقة أو المكتوبة.
إن نظرة على هذه الأوضاع والأحوال تدل على أن ما يقع في الوضع الراهن، لا يشير إلى تحسُّن في الأحوال، ويبدو من دراسة الأحوال المحلية والإقليمية والعالمية أن عوامل سرية للاستعمار الغربي تؤدي عملها أيضًا في أشكال مختلفة وصور متنوعة، وليس هذا الأمر بأمر جديد؛ بل إن الاستعمار الغربي لم يزل يستولى على مختلف مناطق العالم، وبعد خروجه من هذه المناطق لقد بقي يلعب لعبته الاستعمارية من وراء الستار، وبذلك تمر الأمة الإسلامية اليوم بأقسى الظروف والأحوال من ناحية الأمن والسلام والاستقرار، وقد تبعث هذه الأوضاع على إبداء أقسى المشاعر والعواطف، فإن تشتت الاتجاهات والفرقة بين الأطراف، والابتعاد عن الاعتصام بحبل الله المتين، سبب أكبر في حدوث هذه الأحوال.
فمنذ إنشائها تحمل “الرائد” همَّ الكلمة الطيبة، وتسعى لإيجاد الوعي الديني، وترسيخ القيم الإسلامية، وخدمة اللغة العربية، ومدِّ جسور التواصل والحوار بين الشعوب، والتعاون والتضامن فيما بين أبناء الأمة، والدفاع عن قضاياها، ونقد الآراء المنحرفة،والتعليق البناء حول الأحداث والأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية بحكمة ووعي، وبأسلوب رزين متزن مقنع، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويراعي الطبيعة المعاصرة.
قد تولى مسئوليتها في مختلف أدوارها رجالٌ كبارٌ من العلماء والمفكرين والكتاب، بتوجيه مربيهم الكبير الإمام الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله، كان في مقدمتهم فضيلة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي (1929م-2023م) والأستاذ محمد واضح رشيد الحسني الندوي (1933م-2019م) والشيخ محمد الحسني (1935م-1979م) والدكتور سعيد الرحمن الأعظمي الندوي (المولود 1934م) والشيخ عبد الله محمد الحسني الندوي (1957م-2013م) والأستاذ جعفر مسعود الحسني الندوي (1965م-2025م)، فجعلوا منها مدرسة للفكرة الإسلامية السليمة، والوسطية، ومنبرًا للأدب الإسلامي البناء، وصوتًا يعبر عن هموم المسلمين وآمالهم، مهما تفرقت بهم البلدان، فقد أحدثت هذه الصحيفة ثورة في الفكر والمنهج، وكانت مصدر قوة وإلهام للطبقة المتعلمة، فكانت بدون شك رادعًا كبيرًا ووازعًا عن الردة الفكرية في حينها كما كانت بلسمًا للمضطهدين من الإسلاميين في مختلف أنحاء العالم، وقد أنجبت جيلاً من الكتاب والأدباء يقوم بأداء وظيفة الصحافة البناءة وبحث القضايا والمشاكل بغاية من الدقة والأمانة والصدق، ويعرف هؤلاء الكتاب بخريجي مدرسة “الرائد”.
والعالم اليوم يعيش أوضاعًا قاسية، ويمر بتحولات متسارعة في مجالات السياسة والفكر، والاقتصاد، والإعلام والتكنولوجيا بسبب الثورة الرقمية التي أحدثت البلبلة الفكرية، والاضطراب، والفوضى الخلقية، فتشتد الحاجة إلى إعلامٍ مسؤول محايد، يلتزم بالصدق والحقيقة، ويحافظ على القيم والمثل الإنسانية، وينمي الذوق السليم، ويُسهم في إيجاد الوعي الصحيح، ويكون بعيدًا عن الإثارة والدعاية المضللة، والإخلال بجو الأمن والسلام، ونشر الفحشاء والمنكر، ولا يحابي ولا يجافي، بل يقول الحق، وينشر الصدق والخير، ويخدم الأخلاق والسيرة، والكرامة الإنسانية، ويحمل الرسالة، وهذا هو فراغ في مجال الإعلام، ولا يملأ هذا الفراغ إلا الإعلام الإسلامي الهادف، ولا يملأ هذا الفراغ إلا المسلم، فيحلو لي بهذه المناسبة مناسبة بداية العام الثامن والستين أن أذكر ما قاله الإمام الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله من خطبة له:
” الآن هنالك فراغ واحد، أنا لا أصدق أن هناك فراغًا آخر، الفراغ الوحيد الذي يوجد في خارطة العالم المدنية والمصيرية، هو فراغ وجود أمة تحمل الرسالة وتحمل السيرة، تحمل الخلق هي صاحبة الإيمان، صاحبة الجد والصرامة، صاحبة روح النضال، صاحبة الفروسية، صاحبة الإيثار والتضحية.
هذا هو الفراغ الوحيد الموجود الآن في خارطة العالم الإنساني، ولا يملأ هذا الفراغ إلا المسلم، ولا تملأ هذا الفراغ إلا الأمة العربية الإسلامية، قد كانت رائدة للإنسانية في القرن السابع وما بعده من القرون، ولا تزال رائدة الرسالة الإسلامية الإنسانية في هذا القرن، لو عرفت قيمتها، ولو عرفت منابع قوتها، ولو عرفت ضخامة رسالتها، ولو عرفت عظم مسئوليتها، ولكننا لاهون ساهون.
متى تنهض الأمة العربية الإسلامية وتحمل الرسالة من جديد والنور الوحيد هو نور الإسلام، وهو النور الذي لا يزال عند العرب في صفحات القرآن وفي صفحات السيرة النبوية، وإننا أبناء القارة الهندية، ننظر إلى هذه الجزيرة كأمة رائدة، كحاملة لهذه الرسالة.
إنني خصوصًا أوجه كلمتي إلى أبنائي الشباب، اشحنوا بطاريتكم بالشحنة الإيمانية النبوية الإسلامية، ووطنوا نفوسكم على الجد والصرامة، والبطولة والفروسية، وعلى التسامي على الشهوات والأنانيات، لا يستعبدكم المال ولا تستعبدكم المادة، ولا تستعبدكم المناصب، كونوا عبيدًا لله تبارك وتعالى حتى يسوغ لكم أن تقولوا “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة الناس إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”.
نشكر فضيلة الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي الرئيس العام لندوة العلماء الذي يزود هذه الصحيفة بتوجيهاته الرشيدة وآرائه السديدة.
ونسأل الله تعالى أن يبارك في عمر صحيفتنا الرائد، وأن يجعلها منبرًا لخدمة الحق والخلق والسيرة،والكلمة والرسالة، وأن يوفقها لتأدية واجباتها نحو خدمة الإسلام والأمة، والإنسانية، واللغة العربية، والله هو الموفق.
