ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلما اتسعت دوائر الاتصال بين الناس، ازدادت الكلمة أثرًا في توجيه العقول، وصياغة المواقف، وبناء العلاقات. وقد أتاح العصر فضاءاتٍ غير مسبوقة للتواصل، كما وسَّع ميادين الاختلاف، حتى غدا الحوار من أكثر القضايا تأثيرًا في تشكيل الوعي، وصناعة السلم المجتمعي، وتوجيه حركة الأفكار. وعند هذا المنعطف تتجلى قيمة الكلمة؛ إذ تفتح آفاق الفهم حين تستند إلى البصيرة، وتغرس الثقة حين تصدر عن الصدق، وتبني الجسور حين تهتدي بقيمها، فتغدو قوةً تبني الإنسان، وترشد الوعي، وتصلح العمران.
ومن هذا الأفق يقدم القرآن الكريم للحوار نظامًا متكاملًا، يبدأ ببناء الإنسان قبل بناء خطابه، ويؤسس للكلمة قبل توجيهها، فتتآلف فيه المقاصد والقيم، ويتساند العلم والبرهان، ويتكامل العدل والحكمة، وتزكي الأخلاق مساره، حتى يغدو الحوار سبيلًا إلى ترشيد الوعي، وتقويم الفكر، وتعميق التعارف، وإقامة العمران على هدي الوحي. ومن استقراء هذه الهدايات تتكشف معالم هذا النظام القرآني في نسقٍ متدرج تتساند أصوله، وتتكامل مقاصده، ويبدأ بإصلاح الغاية التي تتجه إليها الكلمة؛ لأنها الأصل الذي تستمد منه سائر عناصر الحوار معناها، ووظيفتها، وأثرها.
أولًا: المقصدُ: غايةُ الحوار
تستمد الكلمة قيمتها من الغاية التي تحملها، ويستمد الحوار أثره من المقصد الذي يوجهه؛ فالمقاصد تمنح الأعمال روحها، كما تمنح الخطاب معناه، وبقدر صفائها يتحدد أثره في بناء الإنسان، وإحياء الوعي، وتقويم الفكر. ومن هنا أقام النظام القرآني للحوار أساسه على إصلاح الغاية قبل بيان الوسيلة؛ لأن المقصد الراشد يهدي الكلمة إلى موضعها، ويمنحها قدرتها على الإصلاح، ويجعلها سبيلًا إلى الهداية، ومدخلًا إلى عمران الإنسان والحياة.
ويؤسس القرآن هذا الأصل بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125). ويكشف ترتيب الآية عن نسقٍ مقصود في بناء الحوار؛ إذ تبدأ بتحديد الغاية، ثم ترشد إلى الوسيلة التي تلائم أحوال المخاطبين. وقد بيَّن الطبري أن الحكمة هي إصابة الحق، ووضع كل خطاب في موضعه، وأن تنوع أساليب الدعوة تابع لاختلاف المقامات (الطبري، جامع البيان، ج17، ص308). كما أبرز ابن عاشور أن الانتقال من الحكمة إلى الموعظة الحسنة ثم إلى المجادلة بالتي هي أحسن يمثل تدرجًا مقصودًا في مراتب الخطاب بحسب استعداد المخاطبين، حتى تبلغ الدعوة غايتها بأقرب السبل وأحكمها (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج14، ص323). وبهذا يلتقي صفاء المقصد مع سلامة المنهج، وقوة الحجة مع رقي الأسلوب، فتغدو الدعوة مشروعًا لبناء الإنسان قبل أن تكون محاورةً لفكره.
ومن هذا الأصل انطلقت رسالات الأنبياء جميعًا، تحمل مقصدًا واحدًا، هو هداية الإنسان، وإقامة الحجة، وإحياء الفطرة؛ قال تعالى: ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: 165). وجعل القرآن الإصلاح الثمرة العملية لهذا المقصد، فاختصر شعيب عليه السلام رسالته بقوله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (هود: 88). وقد عدَّ ابن كثير هذه الآية أصلًا في بيان أن وظيفة الأنبياء تتجه إلى إصلاح الخلق بحسب الوسع والطاقة، مع إخلاص القصد لله تعالى (ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج4، ص337). وهكذا ارتقى الحوار في القرآن إلى رسالةٍ تحيي الفطرة، وتقوم الفكر، وتبني الإنسان، وتمتد آثارها إلى صلاح المجتمع وعمارة الأرض.
ولهذا يغدو المقصد روح الحوار، والبوصلة التي تمنح الكلمة وجهتها، وتكسب الحجة صدقها، وتجمع عناصر الخطاب في غايةٍ واحدة تتجه إلى مرضاة الله وخير الإنسان. وكلما ازداد المقصد صفاءً، ازدادت الحاجة إلى علمٍ يرشده، ويضبط مساره، ويمنح الكلمة بصيرتها، حتى يقترن الإخلاص بصحة الفهم، ويترسخ للحوار أساسه المعرفي الذي يقوم عليه.
ثانيًا: العلمُ: مرجعيةُ الحوار
إذا استقام المقصد، احتاج إلى علمٍ يهديه، ويضبط مساره، ويمنح الكلمة بصيرتها؛ فالعلم في النظام القرآني للحوار يمثل المرجعية التي تُبنى عليها الأحكام، وتُوزن بها الأقوال، ويترسخ بها الوعي. ومن هذا الأصل يستمد الحوار قوته؛ إذ يكتمل صفاء المقصد بسلامة المعرفة، ويقترن صدق الإرادة بحسن الفهم، فتتجه الكلمة إلى الحق على هدىً وبصيرة.
ويقرر القرآن هذا الأصل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36). وقد جعل الطبري هذه الآية أصلًا في النهي عن اتباع ما لا يقوم على علم، وربط بين وسائل الإدراك ومسؤولية الإنسان عما يصدر عنه من قولٍ أو حكم (الطبري، جامع البيان، ج15، ص108). كما بيَّن الرازي أن اقتران السمع والبصر والفؤاد يدل على أن المعرفة في الإسلام ثمرةُ نظرٍ وتثبتٍ واستدلال، لا مجرد انطباعٍ أو دعوى (الرازي، مفاتيح الغيب، ج21، ص28). وبهذا يغدو العلم مسؤوليةً معرفيةً وأخلاقية، تحرر التصور، وتربط الكلمة بالبينة، وتقيم الموقف على أساسٍ من الإدراك الصحيح.
ثم يعمق القرآن هذا البناء بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: 6). وقد عدَّ ابن عاشور هذه الآية أصلًا في وجوب التثبت في الأخبار؛ لأن فساد الخبر يفضي إلى فساد الأحكام، ويوقع في الظلم والندم (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج26، ص209). وبهذا يرتقي التبين من معالجة خبرٍ بعينه إلى أصلٍ حاكم في منهج التفكير، يحفظ العقول من الاضطراب، ويصون المجتمعات من آثار الإشاعة، والعجلة، وسوء التقدير.
ويمتد هذا المنهج إلى ترسيخ المرجعية العلمية، وردِّ المعرفة إلى أهلها، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43). وقد أوضح القرطبي أن الآية أصلٌ في الرجوع إلى أهل العلم فيما يخفى من أمور الدين، وتقريرٌ لقاعدة ردِّ المسائل إلى أهل الاختصاص (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج10، ص109). وبهذا تتكامل عناصر المعرفة بين التثبت، وحسن الفهم، والرجوع إلى أهل الاختصاص، فينشأ حوارٌ يقوم على البصيرة، ويزداد رسوخًا في إدراك الصواب، واستبانة الرشد.
ومن هنا يغدو العلم المرجعية التي تمنح الحوار ثباته، وتكسب الكلمة وزنها، وتوجه العقل إلى مواقع اليقين. وكلما ازدادت المعرفة إحكامًا، ازداد التطلع إلى البرهان الذي يثبتها، ويكشف قوة بنائها، فتلتقي المعرفة بالدليل، ويترسخ للحوار أساسه الاستدلالي الذي يميز الحق من الدعوى، واليقين من الظن.
ثالثًا: البرهانُ: سلطانُ الحوار
إذا أرشد العلمُ العقلَ إلى المعرفة، فإن البرهان يمنحها سلطانها؛ إذ تترسخ الحقائق حين تقوم على دليلٍ يطمئن إليه العقل، وتأنس به الفطرة، ويورث القلب سكينة اليقين. ومن هنا أقام النظام القرآني للحوار بناءه على سلطان الحجة، فجعل البرهان أساس الاقتناع، والميزان الذي تُمحص به الأقوال، وتتميز به الدعوى الصادقة من الدعوى المجردة، فتغدو الحقيقة الغاية التي تلتقي عندها العقول.
ويقرر القرآن هذا الأصل في غير موضع، فيقول تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111)، ويقول سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ (الأنبياء: 24). وقد بيَّن الطبري أن الأمر بإقامة البرهان إلزامٌ لكل مدعٍ بإظهار ما يثبت دعواه، وأن الدعوى المجردة لا تستحق القبول حتى يسندها الدليل (الطبري، جامع البيان، ج2، ص536؛ ج18، ص447). كما أوضح الرازي أن تكرار هذا التحدي القرآني يؤسس لقاعدةٍ عقليةٍ مطردة، تجعل البرهان معيارًا للتمييز بين الحق والباطل، وتحرر التفكير من سلطان التقليد والهوى (الرازي، مفاتيح الغيب، ج3، ص119؛ ج22، ص171). ومن هنا يغرس القرآن في العقل ثقافة الاحتكام إلى الدليل، حتى يصبح قبول القول ثمرةً لقوة حجته، لا لمكانة قائله، ولا لكثرة أتباعه.
ولهذا تنوعت براهين القرآن بتنوع مسالك الإدراك؛ فخاطب العقل بالاستدلال، وأيقظ الفطرة بالتذكير، ورقق الوجدان بالموعظة، ووجَّه الأنظار إلى آيات الله في الأنفس والآفاق. وقد أبرز ابن عاشور أن القرآن يجمع بين الأدلة العقلية والوجدانية والكونية، حتى يبلغ اليقين جميع مداخل النفس الإنسانية، ويقودها إلى الإيمان عن اقتناعٍ وبصيرة (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج1، ص98-101). وبهذا يغدو البرهان سبيلًا إلى اكتشاف الحق وترسيخه، فترتقي المعرفة من مجرد الإدراك إلى يقينٍ يطمئن إليه القلب، ويستقر به العقل.
ومن هنا يكتسب البرهان مكانته بوصفه سلطان الحوار؛ لأنه يصون العقول من سلطان الهوى، ويقيم الأحكام على ميزان الموضوعية، ويجمع المتحاورين على مرجعيةٍ واحدة هي مرجعية الدليل. فإذا استقر سلطان الحجة، استقام النظر، واطمأنت النفوس إلى الحق، وأصبح العدل ثمرةً طبيعيةً لهيمنة البرهان، والميزان الذي يحفظ للحقيقة مكانتها، وللحوار استقامته.
رابعًا: العدلُ: ميزانُ الحوار
إذا منح البرهانُ الحقيقةَ سلطانها، فإن العدل يمنحها استقامتها؛ فهو الميزان الذي يهذب الموقف، ويوجه الكلمة إلى موضعها، ويحرر الحكم من سلطان الهوى، حتى تصدر الأقوال عن إنصاف، وتقوم الأحكام على ميزان الحق. ومن هنا جعل النظام القرآني للحوار العدل أصلًا حاكمًا تنتظم به المواقف، وتستقيم به الأحكام، وتطمئن إليه النفوس، وتلتقي عنده العقول.
ويؤسس القرآن هذا الأصل بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (الأنعام: 152). وقد بيَّن الطبري أن الآية تعم كل قول، في الشهادة، والقضاء، وسائر ما يجري على اللسان، فلا يجوز أن يميل المتكلم عن الحق لقرابةٍ، أو عداوةٍ، أو هوى (الطبري، جامع البيان، ج12، ص233). كما قرر القرطبي أن تقديم الأمر بالعدل في القول يدل على أن استقامة الكلمة أساس استقامة الأحكام؛ لأن كثيرًا من صور الظلم تبدأ بانحراف اللسان قبل انحراف القضاء (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج7، ص136). وهكذا يغدو العدل صفةً ملازمةً للكلمة قبل أن يكون وصفًا للحكم، فيلتقي صدق البيان باستقامة الضمير.
ثم يرسخ القرآن هذا الميزان بقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8). وقد أبرز ابن عاشور أن الآية تؤسس لاستقلال العدل عن تأثير العاطفة والخصومة، وتجعل التقوى الضامن لاستمرار الإنصاف مع الموافق والمخالف على السواء (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج6، ص227). وبذلك يغدو العدل قيمةً ثابتةً تستمد قوتها من مرجعية الوحي، فتسمو على نوازع العصبية، وتبقى حاضرةً في جميع الأحوال.
ومن هذا الميزان تنشأ أمانة العرض، ودقة الفهم، وإنصاف الحكم؛ فتُعرض الآراء في سياقها، وتُناقش بموضوعية، ويُعترف بما فيها من صواب، ويُبيَّن ما يعتريها من خلل بالحجة والرفق. وهكذا يتجه الحوار إلى خدمة الحقيقة، ويغدو البحث عنها مقصدًا يجمع المتحاورين، فتلتقي العقول على احترام الدليل، وترتقي النفوس إلى سمو الإنصاف.
وحين يترسخ العدل في الضمير، تنمو الثقة بين المتحاورين، ويشعر كل طرف بأن كرامته مصونة، وصوته مسموع، ورأيه محل تقديرٍ ونظر. وفي هذا المناخ تزدهر الحرية في إطار المسؤولية، ويصبح الاختيار ثمرةً للوعي، والكلمة أمانةً تؤدي رسالتها على هدىٍ وبصيرة.
خامسًا: الحريةُ: أمانةُ الحوار
تنمو الحرية في النظام القرآني للحوار في فضاءٍ يشرق فيه البيان، ويطمئن فيه العقل، ويجد الإنسان فسحةً للتفكير، والتأمل، واختيار ما يهديه إليه الدليل. ومن هذا الأفق تغدو الحرية أمانةً تحمل صاحبها مسؤولية الكلمة والموقف، وتربط الاختيار بالبصيرة، والإرادة بالهداية، حتى يصدر القول عن اقتناع، ويقوم العمل على علمٍ ورشد.
ويؤصل القرآن هذا البناء بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: 256). وقد بيَّن الطبري أن الآية جاءت بعد ظهور دلائل الحق ووضوحها، فلا يقوم الإيمان على الإكراه، وإنما يثمر عن تبينٍ واقتناع (الطبري، جامع البيان، ج5، ص412). كما أوضح ابن كثير أن وضوح الحجة واستبانة الرشد يغنيان عن كل وسيلةٍ تُكره الإنسان على الاعتقاد؛ لأن الهداية تستقر في القلب عن بصيرةٍ واختيار (ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1، ص682). وبهذا يجعل القرآن البيان أساسًا للاختيار، ويغدو الاقتناع ثمرةً للوعي، وتصبح المسؤولية الأثر الطبيعي للإرادة الحرة.
ثم يبين القرآن وظيفة الخطاب بقوله سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: 21-22). وقد أبرز ابن عاشور أن الآية تحدد وظيفة الرسول ﷺ في البلاغ والتذكير، وتفصل بين إقامة الحجة وبين إلزام الناس بالإيمان، ليبقى الاختيار مناط التكليف، وتقوم المسؤولية على وضوح البيان (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج30، ص339). ومن هنا اتسعت آفاق الحوار، فشملت السؤال، وطلب العلم، ومراجعة الرأي، والرجوع إلى الحق متى ظهر؛ لأن العقل يزداد نضجًا كلما ازداد اتصالًا بالدليل، ويزداد القلب طمأنينةً كلما ازداد هدايةً إلى الحق.
وهكذا تتآلف الحرية مع المسؤولية، فينشأ إنسانٌ يختار عن وعي، ويعبر عن قناعة، ويزن كلماته بميزان الأمانة. وعندما تبلغ الحرية هذا المستوى من النضج، تصبح أكثر قدرةً على استقبال الحكمة؛ لأنها المنهج الذي يحسن توجيه الإرادة، ويضع لكل مقامٍ خطابه، ولكل حالٍ بيانه، حتى تبلغ الكلمة غايتها بأقوم السبل، وأرجحها أثرًا في العقول والقلوب.
سادسًا: الحكمةُ: منهجُ الحوار
تبلغ المبادئ تمام أثرها حين تجد المنهج الذي يحسن تنزيلها، ويضع لكل مقامٍ ما يلائمه من البيان، ولكل مخاطبٍ ما يقرب الحق إلى عقله وقلبه. ومن هنا احتلت الحكمة منزلةً محورية في النظام القرآني للحوار؛ إذ تجمع بين سلامة الفهم، وحسن التقدير، وإصابة التطبيق، فتغدو الجسر الذي تنتقل عبره المقاصد من عالم المعاني إلى واقع الحياة، وتتحول به القيم إلى سلوك، والكلمة إلى أثرٍ باقٍ في النفوس. وقد عرف الراغب الأصفهاني الحكمة بأنها إصابة الحق بالعلم والعقل، وهو تعريف يجمع بين صحة الإدراك، وحسن العمل، ويكشف عن الصلة الوثيقة بين المعرفة الرشيدة، والتطبيق السديد (الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة: حكم، ص248).
ويؤسس القرآن هذا المنهج بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125). وقد أوضح ابن عطية أن الآية رتبت وسائل الدعوة بحسب أحوال المخاطبين؛ فالحكمة لأهل النظر، والموعظة لمن تلين قلوبهم، والجدال بالتي هي أحسن لمن تعرض لهم الشبهات (ابن عطية، المحرر الوجيز، ج3، ص431). كما أبرز أبو حيان أن هذا التدرج يكشف إحكام البناء القرآني للخطاب، بحيث يوضع كل أسلوب في موضعه الذي يحقق المقصود (أبو حيان، البحر المحيط، ج6، ص635). وبهذا يلتقي صدق المعنى بجمال البيان، وقوة الحجة بحسن العرض، فتتكامل عناصر الخطاب في خدمة غايةٍ واحدة، هي هداية الإنسان وإرشاده إلى الحق.
ويجسد القرآن هذا المنهج في تنوع حواراته؛ فخاطب إبراهيم عليه السلام أباه بلغة البر والرفق، وأقام الحجة على قومه بلغة الاستدلال وإيقاظ الفكر، وأمر موسى وهارون عليهما السلام أن يقولا لفرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: 44). وقد بيَّن الشنقيطي أن الأمر بالقول اللين لا يضعف قوة الحق، وإنما يدل على أن الحكمة تختار أقرب السبل إلى هداية المخاطب، مع بقاء الحق واضحًا لا مداهنة فيه (الشنقيطي، أضواء البيان، ج4، ص179). كما أكد القرطبي أن هذا التوجيه تعليم للدعاة أن حسن الأسلوب أقرب إلى قبول الدعوة، وأبلغ في إقامة الحجة (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج11، ص199). وهكذا تغدو الحكمة فقهًا بالمقاصد، وبصيرةً بأحوال الناس، وحسنَ تنزيلٍ للحق في مواضعه.
وحين تستقر الحكمة منهجًا للحوار، تتآلف الحقيقة مع الرحمة، ويقترن البيان بالأدب، وتسمو الكلمة بحسن خلق صاحبها كما تسمو بقوة حجته. وعندئذٍ لا تبقى الأخلاق زينةً تضاف إلى الحوار، بل تغدو روحه التي تمنحه الحياة، وسره الذي يفتح له طريقه إلى العقول والقلوب.
سابعًا: الأخلاقُ: روحُ الحوار
تمنح الأخلاقُ الحوارَ حياته، وتكسو الكلمةَ أثرها، وتفتح للمعاني طريقها إلى القلوب؛ فبها يكتسب الخطاب صدقه، ويطمئن إليه السامع، وتتهيأ النفوس لتلقي الحق في جوٍ من الاحترام والسكينة. ومن هنا جعل النظام القرآني للحوار الأخلاق روحًا تسري في جميع مراحله، فتقترن قوة الحجة بجمال السلوك، ويجتمع البيان الرفيع مع السمو الإنساني، حتى يثمر الخطاب هدايةً وإصلاحًا، وتغدو الكلمة وسيلةً للبناء والإحياء.
ويؤسس القرآن هذا الأصل بقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83)، ثم يرتقي بالخطاب إلى مرتبة الإحسان، فيقول سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (الإسراء: 53). وقد أوضح البقاعي أن الانتقال من الحسن إلى الأحسن يربي المؤمن على اختيار أكمل وجوه الخطاب، وأبلغها أثرًا في النفوس (البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، ج1، ص394؛ ج11، ص188). كما بيَّن أبو السعود أن التعبير بقوله تعالى: ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يحمل توجيهًا إلى انتقاء ألين الألفاظ، وأرفق العبارات، وأقربها إلى تحقيق المقصود؛ لأن حسن الأسلوب أدعى إلى قبول الحق، وأجمع للقلوب (أبو السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، ج5، ص168). وهكذا يغدو حسن الخلق جزءًا من قوة الحجة، لا وصفًا خارجًا عنها.
ويجسد القرآن هذا المنهج في توجيه موسى وهارون عليهما السلام إلى مخاطبة فرعون بقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: 44). وقد بيَّن ابن عطية أن الأمر بالقول اللين ليس مراعاةً لفرعون، وإنما تعليمٌ للدعاة أن حسن الخطاب أقرب إلى بلوغ المقصود، وأبلغ في إقامة الحجة (ابن عطية، المحرر الوجيز، ج4، ص61). كما أكد الآلوسي أن لين القول يجمع بين قوة الحق ورقة الأسلوب، فيكون أنفذ إلى القلوب، وأدعى إلى قبول الدعوة (الآلوسي، روح المعاني، ج16، ص225). وبذلك تتجلى الأخلاق قوةً عمليةً تحفظ للحوار أثره، وتمنح الحقيقة سبيلها إلى النفوس.
ويمتد هذا البناء الأخلاقي إلى حسن الإصغاء، وإنصاف المخالف، وصيانة كرامته، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (الزمر: 18). وقد أشار السعدي إلى أن الآية تمدح من يفتح قلبه لسماع الأقوال، ثم يزنها بميزان الحق، فيتبع أحسنها، وذلك من كمال العقل، وحسن الأدب، ورجاحة الرأي (السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص725). وهكذا تغدو الأخلاق القوة التي تبني الحوار من داخله، وتمنحه القدرة على النفاذ إلى العقل والقلب معًا.
وحين تتجذر هذه الروح في النفوس، يتسع الحوار لتعدد الأنظار، ويستقبل تنوع الاجتهادات بسكينةٍ وإنصاف، فتتحول الأخلاق إلى الضابط الذي يحفظ الاختلاف من التنازع، ويوجهه إلى التكامل، ويهيئ له مجاله المشروع في إطار هداية الوحي.
ثامنًا: الاختلافُ: ميدانُ الحوار
يجري الاختلاف في النظام القرآني للحوار وفق سنةٍ من سنن الاجتماع الإنساني، ويكتسب قيمته حين تهديه مرجعية الوحي، فيغدو مجالًا رحبًا للتدبر، وميدانًا للاجتهاد، وسببًا لاتساع المعرفة ونضج الوعي. ومن هذا المنظور يتجاوز الاختلاف حدود التباين في الآراء، ليصبح طاقةً علميةً وحضارية تثري الفكر، وتكشف سعة الشريعة في استيعاب تغير الوقائع والأحوال، مع حفظ أصولها المحكمة ومقاصدها الكلية.
ويقرر القرآن هذه السنة بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود: 118). وقد أوضح ابن عطية أن الآية تقرر سنةً كونية اقتضتها حكمة الله؛ ليقع الابتلاء، ويتميز أهل الحق من أهل الباطل، مع بقاء باب الهداية مفتوحًا لمن طلبها (ابن عطية، المحرر الوجيز، ج3، ص230). كما بيَّن أبو حيان أن استمرار الاختلاف لا ينافي الاجتماع على الحق، وإنما يدل على أن التباين بين الناس يجري وفق سنن الله في الخلق، مع بقاء الوحي مرجعًا جامعًا لهم (أبو حيان، البحر المحيط، ج6، ص291). وبهذا يتحول الاختلاف من ظاهرةٍ إنسانية إلى ميدانٍ تُختبر فيه سلامة المرجعية، ورشد النظر، وحسن التعامل مع التنوع.
ثم يرسم القرآن المنهج الذي يصون هذا الاختلاف من التفرق بقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء: 59). وقد قرر الشنقيطي أن الرد إلى الله ورسوله أصلٌ جامع في جميع موارد النزاع، فلا يستقيم الاجتهاد إلا في ظل النصوص المحكمة، ولا تتحقق وحدة الأمة إلا بجعل الوحي مرجعها الأعلى (الشنقيطي، أضواء البيان، ج1، ص505). كما أبرز ابن عاشور أن الآية تجمع بين فتح باب الاجتهاد فيما يقبل النظر، وربطه بمرجعية الوحي؛ فتحفظ ثبات الأصول، وتفسح المجال لاجتهادٍ متجدد يراعي تغير الوقائع والأحوال (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج5، ص97). وهكذا يلتقي اتساع الاجتهاد بوحدة المرجعية، فتتوازن حركة التجديد مع ثبات الأصول.
ومن هذا البناء يميز النظام القرآني للحوار بين الثوابت التي تحفظ وحدة الأمة، والمسائل الاجتهادية التي تتعدد فيها الأنظار، فيثمر ذلك فقهًا يتسع لتنوع المدارك، ويستوعب اختلاف البيئات، ويعين على حسن تنزيل الأحكام في واقعٍ متجدد. وعندئذٍ يغدو تعدد الاجتهادات مصدرًا لثراء المعرفة، واتساع الرؤية، واستكمال وجوه الصواب، وتتآزر العقول في خدمة المقاصد الجامعة للشريعة.
وحين يترسخ هذا الوعي، ينفتح الاختلاف على آفاق التعارف، ويقود الاجتهاد إلى التعاون، وتتقارب النفوس على أساس الاحترام المتبادل، فتغدو الوحدة ثمرةً لوحدة المرجعية، والتنوع مجالًا للتكامل، ويتهيأ المجتمع لاستقبال الثمرة الكبرى التي ينتهي إليها النظام القرآني للحوار، وهي التعايش القائم على الحق، والعدل، والرحمة.
تاسعًا: التعايشُ: ثمرةُ الحوار
حين يستقيم المقصد، وترسخ المعرفة، ويقوى سلطان البرهان، ويستقر ميزان العدل، وتنمو الحرية في ظل المسؤولية، وتهدي الحكمة مسار الكلمة، وتزكي الأخلاق العلاقة بين المتحاورين، ويتجه الاختلاف نحو الاجتهاد والتكامل، يؤتي النظام القرآني للحوار ثمرته اليانعة، ويغدو التعايش صورةً حضاريةً للقيم التي غرسها الوحي في النفوس، ثم وجَّهها إلى بناء المجتمع والعمران. فالتعايش في القرآن ليس مرحلةً تعقب انتهاء الخلاف، وإنما ثمرةُ منظومةٍ متكاملة تبدأ ببناء الإنسان، ثم تمتد إلى بناء العلاقات، حتى تستقر في مجتمعٍ يقوم على العدل، والرحمة، والتعاون.
ويؤصل القرآن هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13). وقد بيَّن القرطبي أن التعارف هو المقصد الذي تنتظم به العلاقات بين الأمم والشعوب، فيقوم على المعرفة المتبادلة، وصيانة الحقوق، وإبطال دواعي التفاخر والتنازع (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج16، ص342). كما أبرز ابن عاشور أن الآية تنقل التنوع الإنساني من كونه واقعًا كونيًا إلى كونه أساسًا للتعاون والتكامل العمراني، بما يحقق مقاصد الاستخلاف وعمارة الأرض (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج26، ص258). وهكذا يغدو التعارف قاعدةً لبناء الثقة، ومدخلًا إلى توحيد الجهود، وإحياء معنى الشراكة الإنسانية في الخير.
ثم يوجه القرآن هذا التعارف إلى غايته العملية بقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: 2). وقد أوضح الشنقيطي أن الأمر بالتعاون يشمل كل ما يحقق الخير العام، ويقيم العدل، ويخدم مصالح الناس في إطار هداية الشريعة (الشنقيطي، أضواء البيان، ج2، ص17). كما يرى السعدي أن الآية تؤسس لمبدأ التكافل على أساس البر والتقوى، وتجعل التعاون سبيلًا إلى قوة المجتمعات وصلاحها (السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص222). ومن هنا يرتقي الحوار من تبادل الأفكار إلى شراكةٍ في بناء الإنسان، وإقامة العدل، وخدمة المجتمع، فتغدو الكلمة عملًا، ويغدو التفاهم عمرانًا.
ومن هذا البناء ينمو التعايش بوصفه ثمرةً لرسوخ القيم، ونضج الوعي، وتكامل المسؤوليات؛ فتتسع دوائر الثقة، وتقوى روابط التعاون، وتستوعب المجتمعات تنوعها في إطارٍ تصونه المرجعية، ويجمعه العدل، وتغذيه الرحمة، فتلتقي الكرامة الإنسانية مع وحدة المقصد، وتتآلف العقول والقلوب في مسيرةٍ مشتركة نحو الخير والإصلاح.
وبذلك تكتمل معالم النظام القرآني للحوار؛ إذ يبدأ بإصلاح المقصد، ويؤسس المعرفة، ويقيم البرهان، ويرسخ العدل، ويصون الحرية بالمسؤولية، ويهدي الكلمة بالحكمة، ويزكيها بالأخلاق، ويرشد الاختلاف بمرجعية الوحي، حتى يثمر تعايشًا يقوم على التعارف، ويتقوى بالتعاون، ويزدهر بالعدل، وتتجه طاقات الإنسان فيه إلى عمارة الأرض، وتحقيق رسالة الاستخلاف التي أرادها الله لعباده.
ختامًا،
يكشف النظام القرآني للحوار عن بناءٍ متكامل، تتساند فيه المقاصد، والقيم، والضوابط، لتوجيه الكلمة، وبناء الإنسان، وترشيد الوعي، وإقامة العمران على هدي الوحي. ومن هذا البناء تتشكل الكلمة الصادقة، وينضج العقل المنصف، ويزكو الضمير، فتغدو الهداية مقصدًا، والاجتهاد سبيلًا إلى التجديد، والاختلاف ميدانًا للتكامل، والتعايش ثمرةً يانعةً للعدل، والرحمة، والتعاون.
وتتجلى قيمة هذا النظام في زمنٍ تتسارع فيه وسائل الاتصال، وتتعدد فيه الخطابات، وتتسع فيه دوائر التأثير؛ إذ أصبحت الكلمة قوةً تصوغ الوعي، وتبني الثقة، وتوجه العلاقات بين الأفراد والمجتمعات. وفي خضم هذه التحولات يقدم القرآن ميزانًا راسخًا يعيد للحوار رسالته، وللعقل بصيرته، وللكلمة مسؤوليتها، فتلتقي قوة البرهان بجمال البيان، ويقترن سمو الخلق برسوخ المرجعية، وتتآلف القيم في مشروعٍ حضاري يصنع الإنسان، ويعمر الحياة.
وحين تستلهم الأمة هذا النظام القرآني، يغدو الحوار ثقافةً راسخة، والوعي منهجًا، والتعارف سبيلًا، والتعاون ممارسةً، وتتجدد رسالة الأمة في الشهادة على الناس، فتجسد بقيمها وسلوكها قول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143).
