آخر الأخبار

الهجرة العقلية في الإصلاح النبوي: كيف صنع الإسلام إنسانًا جديدًا؟

شارك المقال على:

ليس من المبالغة في شيء أن يُقال إن أعظم ما حققه النبي ﷺ في مشروعه الإصلاحي لم يكن تغيير نظامٍ سياسي، ولا إقامة مجتمعٍ جديد فحسب، وإنما كان قبل ذلك وبعده إنشاء عقلٍ جديد، ووجدانٍ جديد، ومنظومةٍ جديدةٍ للإدراك والحكم على الأشياء. فقد كان الإصلاح الذي أحدثه إصلاحًا يبدأ من الإنسان قبل أن يبدأ من المجتمع، ومن الضمير قبل أن يبدأ من المؤسسات، ومن التصور قبل أن يبدأ من السلوك. ولم يكن هذا التحول ممكنًا إلا لأن الإسلام، في صورته الأولى، لم يأت ليضيف إلى الإنسان جملةً من الأحكام، وإنما جاء ليولد الإنسان ميلادًا آخر.
ولعل هذا هو المعنى الذي يمكن أن يُعبَّر عنه بـ الهجرة العقلية، فالهجرة في حقيقتها ليست انتقالًا من مكانٍ إلى مكان، وإن كانت قد تجلت تاريخيًا في انتقال المسلمين من مكة إلى المدينة، وإنما هي قبل ذلك انتقالٌ من عالمٍ فكري إلى عالمٍ فكري آخر، ومن مرجعيةٍ إلى مرجعية، ومن ميزانٍ للحكم إلى ميزانٍ جديد. إنها انفصالٌ واعٍ عن الماضي بوصفه سلطةً على العقل، واتصالٌ كامل بالوحي بوصفه المصدر الأعلى للحقيقة والهداية.
وهذا المعنى هو الذي يفسر لنا ظاهرةً تستحق التأمل الطويل في حياة الصحابة رضي الله عنهم، وهي أنهم كانوا يتحدثون عن حياتهم السابقة كلها باسمٍ واحد: الجاهلية.
وليس المقصود بالجاهلية عندهم مجرد فترةٍ تاريخية سبقت البعثة، ولا مجرد وصفٍ لانتشار عبادة الأصنام، وإنما كانت الجاهلية عندهم عالمًا كاملًا من التصورات، والقيم، والعلاقات، والأخلاق، والموازين. كانت طريقةً في رؤية الإنسان لنفسه، ولغيره، وللكون، وللحياة. ولذلك لم يكونوا ينظرون إلى الإسلام بوصفه إصلاحًا لبعض جوانب الجاهلية، وإنما بوصفه خروجًا منها كلها.
ولهذا السبب تكثر في السنة وفي آثار الصحابة عباراتٌ من قبيل: “كنا في الجاهلية…” ثم يذكرون ما كانوا عليه من عادات أو اعتقادات أو ممارسات، لا على سبيل الحنين إليها، ولا على سبيل الاعتذار عنها، وإنما باعتبارها مرحلةً انقطعت وانتهت. ومن اللافت للنظر أن القرآن نفسه رسخ هذا التصور حين وصف بعض المظاهر السابقة للإسلام بأنها حكم الجاهلية، وظن الجاهلية، وتبرج الجاهلية الأولى، وحمية الجاهلية.
فالجاهلية ليست زمنًا فحسب، وإنما هي طريقةٌ في التفكير والسلوك يمكن أن تعود كلما غاب سلطان الوحي.
ومن هنا ندرك أن نجاح النبي ﷺ في الإصلاح لم يكن قائمًا على التوفيق بين الإسلام والجاهلية، وإنما كان قائمًا على الفصل بينهما. فلم يقل للناس: احتفظوا بمرجعيتكم القديمة، ثم أضيفوا إليها شيئًا من القرآن. ولم يجعل الوحي تابعًا للمألوف الاجتماعي، ولا جعل الأعراف ميزانًا يُقبل من الدين ما وافقها ويُرد ما خالفها. بل فعل العكس تمامًا؛ فقد جعل القرآن هو الأصل، وجعل كل ما عداه محلَّ نظرٍ وتقويم.
ولهذا لم يكن الصحابي إذا دخل الإسلام يسأل: كيف أحتفظ بأكبر قدرٍ ممكنٍ من عادات قومي؟ وإنما كان يسأل: ماذا يريد الله ورسوله مني؟ وهذا فرقٌ بالغ الأثر في صناعة الأمم، فالأمة التي تجعل الوحي حاكمًا على الثقافة تتجدد باستمرار، أما الأمة التي تجعل الثقافة حاكمةً على الوحي فإنها لا تنتج إلا صورةً مشوهةً من الدين.
ومن هنا أيضًا نفهم السر في السرعة العجيبة التي تحول بها العرب في أقل من جيل. فالتحولات الاجتماعية الكبرى لا تصنعها القوانين وحدها، ولا الخطب، ولا العقوبات، وإنما يصنعها تحول المرجعية الفكرية. وما دام الإنسان لا يزال يرى الماضي هو المعيار، فلن يخرج من الماضي إلا في الظاهر، أما إذا تغير المعيار نفسه، فإن بقية التغيرات تأتي تبعًا لذلك.
ولهذا لم يكن الإسلام الأول يطلب من الإنسان مجرد تعديل بعض السلوكيات، بل كان يطالبه بإعادة بناء عقله كله. لقد غيَّر مفهوم القوة، ومفهوم الشرف، ومفهوم الكرامة، ومفهوم النجاح، ومفهوم الخسارة، ومفهوم الأسرة، ومفهوم المال، ومفهوم القيادة، بل حتى مفهوم الإنسان عن نفسه. فالناس قبل الإسلام كانوا يقيسون القيمة بالنسب، والقبيلة، والثروة، والبطولة القبلية، فجاء الإسلام فجعل الميزان هو التقوى، وجعل الولاء للعقيدة لا للعصبية، وجعل الحق مقدمًا على القرابة، وجعل الطاعة لله ورسوله فوق كل ولاءٍ آخر.
وهذا هو معنى الولادة الجديدة التي عاشها الصحابة. فلم يكونوا يحملون الإسلام فوق بناءٍ فكري قديم، وإنما هدم الإسلام ذلك البناء، ثم أقام مكانه بناءً آخر. ومن الخطأ أن نتصور أنهم جمعوا بين المرجعيتين؛ إذ لو فعلوا ذلك لما استطاعوا أن يصنعوا ذلك التحول الحضاري الذي لم يعرف له التاريخ نظيرًا في تلك السرعة.
ولعل من أخطر ما أصاب الفكر الإسلامي في عصور الضعف أن هذه الهجرة العقلية فقدت كثيرًا من حضورها. فلم يعد كثيرٌ من الناس يبدأون من الإسلام لينظروا إلى العادات والرسوم، وإنما أصبحوا يبدأون من العادات والرسوم لينظروا إلى الإسلام. وصارت القضية عند كثيرٍ من الدعاة والمصلحين ليست كيف نُغيِّر العادات والرسوم بالإسلام، وإنما كيف نجعل الإسلام مقبولًا في العادات والرسوم السائدة. وهنا وقع التحول الخطير؛ إذ انتقلت المرجعية، من حيث لا يشعر كثيرون، من الوحي إلى المجتمع.
وليس المقصود بذلك إنكار قيمة الأعراف والعادات؛ فإن الشريعة نفسها أقرت العرف الصحيح، وجعلته معتبرًا في مواضع كثيرة، وراعت اختلاف البيئات والأحوال. ولكن ثمة فرقًا عظيمًا بين أن يكون العرف محكومًا بالشريعة، وبين أن تكون الشريعة مؤولةً لتوافق العرف. ففي الحالة الأولى يبقى الوحي هو السيد، وفي الثانية يصبح تابعًا لما ألفه الناس.
ومن هنا نشأت صورٌ كثيرة من التدين المختلط؛ فلا يعود المرء قادرًا على التمييز بين ما هو دين، وما هو تقليد اجتماعي، وما هو موروث تاريخي، وما هو اجتهاد بشري. وتصبح بعض العادات جزءًا من العقيدة في وجدان الناس، ويصبح الاعتراض عليها اعتراضًا على الإسلام نفسه، مع أنها لم تكن يومًا من أصوله.
وهذا الخلط لا يضر العادات والرسوم وحدها، بل يضر الدين أيضًا؛ لأنه يحجب صفاء الرسالة، ويجعل الناس يرون الإسلام من خلال طبقاتٍ متراكمةٍ من الأعراف والعوائد، حتى إذا رأوا ما ينفرهم من تلك الطبقات ظنوا أنه من جوهر الإسلام، وليس كذلك.
إن التجربة النبوية تعلمنا أن الإصلاح لا يبدأ بتجميل الواقع، وإنما يبدأ بإعادة تعريف الحقيقة. ولا يبدأ بإقناع الناس بأن الإسلام يمكن أن يتكيف مع كل ما ألفوه، وإنما بإقناعهم أن ما ألفوه يجب أن يُعرض على الإسلام. وهذا هو الفارق بين الدعوة التي تنشئ حضارة، والدعوة التي تكتفي بإدارة الواقع.
وليس معنى هذا أن الإسلام جاء ليقتلع كل ما كان موجودًا قبل البعثة؛ فإن النبي ﷺ أقر كثيرًا من مكارم الأخلاق، وأبقى من الأعراف ما وافق مقاصد الشريعة، كما قال ﷺ: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، ولكن الإبقاء لم يكن لأن الشيء موروث، بل لأنه وافق الوحي. فالميزان لم يكن الماضي، وإنما الميزان هو الحق. ولو انعكس الميزان لفقد الإسلام استقلاله، ولأصبح مجرد إصلاحٍ داخلي للثقافة العربية، لا رسالةً عالميةً تتجاوز الزمان والمكان.
ومن هنا فإن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استعادة هذه الهجرة العقلية؛ لا بمعنى القطيعة مع التاريخ، ولا بازدراء التراث، ولا بإلغاء الخبرة الإنسانية، وإنما بمعنى تحرير العقل من خضوعه لأي سلطةٍ تعلو على سلطة الوحي. فالتاريخ يُدرس، والتراث يُفهم، والثقافات تُمحص، ولكن المرجع الذي تُوزن به جميعًا هو القرآن والسنة.
فإذا استعادت الأمة هذا المعنى، أمكن أن تستعيد شيئًا من القوة التي صنعت الجيل الأول. أما إذا بقي الإسلام مجرد عنصرٍ من عناصر الثقافة، أو بقيت الثقافة هي الإطار الذي يُعاد تشكيل الإسلام داخله، فإن النتيجة لن تكون إلا مزيدًا من الالتباس؛ فلا يبقى الإسلام خالصًا، ولا تبقى الثقافة مهتدية.
ولعل هذه هي الحقيقة الكبرى التي يكشفها تاريخ النبوة: أن النبي ﷺ لم ينجح لأنه صالح بين الإسلام والجاهلية، وإنما نجح لأنه حرر الإنسان من الجاهلية، ثم ربطه بالوحي ربطًا كاملًا. وحين تحققت هذه الهجرة في العقول والقلوب، أصبحت الهجرة إلى المدينة نتيجةً طبيعية، وصار بناء الحضارة أمرًا ممكنًا. فكل حضارةٍ إسلاميةٍ صحيحة تبدأ من هجرة العقل قبل هجرة الجسد، ومن انقلاب المرجعية قبل تغير الجغرافيا، ومن ميلاد الإنسان الجديد قبل قيام المجتمع الجديد.

محمد أكرم الندوي
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

التعلّم وطلب العلم بين الدين والدنيا

إنّ التعلُّم وطلب العلم من أعظم القيم التي حثَّ عليها

النظام القرآني للحوار وترشيد الاختلاف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ كلما اتسعت دوائر الاتصال بين الناس، ازدادت الكلمة أثرًا

لماذا..الهزة القوية؟

النّضال الحقيقي يبدأ من داخل أنفسنا، فإذا تغلّبنا على دوافع

آخر المقالات

100%