آخر الأخبار

الوسطية الاجتهادية في الشريعة: ميزانُ الاستنباط وبناءُ العقلِ الفقهي

شارك المقال على:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون الشريعة الإسلامية خاتمة الرسالات، وأن تحمل من أسباب البقاء والامتداد ما يجعل هدايتها مرافقةً للإنسان في مختلف الأزمنة والبيئات؛ لأنها لم تُنزَّل لمعالجة جيلٍ بعينه، ولا لواقعٍ محدود، وإنما جاءت هدايةً للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]. ولذلك انتظم بناؤها في أصولٍ محكمة، وقواعد كلية، ومقاصد جامعة، جعلت ثبات المرجعية منطلقًا لاستمرار الهداية، وجعلت الوحي قادرًا على توجيه الحياة كلما تجددت وقائعها، واتسعت ميادينها، وتنوعت أسئلتها.

ومن هنا لم تقم عالمية الشريعة على كثرة الأحكام الجزئية، وإنما على المنهج الذي أقامته لفهم النصوص واستنباط دلالاتها وتنزيلها على الوقائع. ولهذا قرر الإمام الشافعي أصلًا صار من أعمدة الفكر الأصولي، فقال: «ليست تنزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلةٌ إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها» (الشافعي، الرسالة، ص20-21). فهذا النص لا يقرر شمول الوحي فحسب، بل يكشف أن استمرار هدايته يتحقق بالاجتهاد المنضبط الذي يرد النوازل إلى أصولها، ويصل الجزئيات بكلياتها، ويستخرج من النصوص ما تهتدي به الوقائع المستجدة.

ومن هذا المنهج تَكَوَّن الفقه الإسلامي، فغدا حركةً علميةً تربط النص بالواقع، والدليل بالمقصد، والحكم بمناطه، فاستوعب تحولات المجتمعات، وواكب تطور أنظمتها، ووجَّه ميادين القضاء، والمعاملات، والسياسة الشرعية، والعلاقات الإنسانية، من غير أن يفقد ثبات أصوله أو وحدة مرجعيته. وقد لخَّص الإمام الشاطبي هذا البناء بقوله: «إن الشريعة إنما وُضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل» (الشاطبي، الموافقات، ج2، ص8)، فكانت المقاصد روح الاجتهاد، وكانت قواعد الاستنباط سبيلًا إلى تحقيقها في الوقائع المتجددة.

ومن أجل ذلك ظل الاجتهاد عنصرًا أصيلًا في بنية الشريعة، يحمل هداية الوحي إلى كل عصر، ويكشف حكم الله فيما يجد من النوازل. وتجسد هذا المنهج منذ عصر الصحابة؛ ففي عام الرمادة نظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تحقق مناط حد السرقة عند قيام الضرورة العامة، فأنزل الحكم على وفق شروطه ومقصوده، فاجتمع في اجتهاده حفظ النص، وتحقيق المناط، ومراعاة المآل، في صورة كشفت عن حيوية الشريعة، ودقة منهجها في تنزيل الأحكام.

ومن هذه الحقيقة ينبثق السؤال الذي يمثل مفتاح هذا البناء الفكري كله: ما المنهج الذي حفظ للاجتهاد اتزانه، وأبقى الوحي قائدًا لحركة الفقه، مع اتساع الوقائع، وتعاقب العصور، وتنوع النوازل؟ والجواب يكمن في الوسطية الاجتهادية؛ فهي ليست وصفًا لاتجاه فقهي، وإنما الفلسفة التي انتظمت بها حركة الاستنباط، فجمعت بين سلطان النص، ووعي المقاصد، وفقه الواقع، فاستمرت هداية الشريعة ممتدةً في حياة الإنسان جيلًا بعد جيل.

الاجتهاد وامتداد هداية الشريعة

اقتضت حكمة الله تعالى أن تمتد هداية الشريعة بامتداد حياة الإنسان؛ فهي خاتمة الرسالات، وآخر ما أنزله الله تعالى لهداية البشر، ولذلك جاء بناؤها قائمًا على نصوص مؤسسة، وأصول محكمة، وقواعد كلية، ومسالك استنباط تُلحق بها الوقائع المتجددة، حتى يبقى حكم الله حاضرًا كلما حضرت نازلة، وتظل هداية الوحي مرافقةً لحركة الحياة في مختلف العصور. وقد قرر القرآن هذا الأصل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]، فجعل الوحي المرجع الأعلى، وأقام ردَّ الوقائع إليه أصلًا يحفظ استمرار الهداية، ويصل بين ثبات النص وتجدد الحوادث.

وجاءت السنة النبوية لتبين أن ردَّ الوقائع إلى الوحي ليس مجرد أصل نظري، وإنما منهج عملي في الاستنباط؛ ففي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، قال له: «بمَ تقضي؟» قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: فبسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: «أجتهد رأيي ولا آلو»، فقال ﷺ: «الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله» (أبو داود، السنن، حديث رقم 3592؛ الترمذي، السنن، حديث رقم 1327؛ أحمد بن حنبل، المسند، حديث رقم 22007). وقد تلقى جمهور الأصوليين هذا الحديث بالقبول في تقرير أصل الاجتهاد، مع ما وقع في إسناده من كلام؛ لأن معناه تؤيده نصوص الوحي، ويشهد له التطبيق النبوي، وعمل الصحابة، وتقعيد الأئمة من بعدهم (الجويني، البرهان في أصول الفقه، ج2، ص1334؛ الغزالي، المستصفى، ج2، ص350).

ثم جاء التطبيق النبوي ليجسد هذا المنهج في الواقع؛ ففي غزوة بني قريظة قال النبي ﷺ: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» (البخاري، صحيح البخاري، حديث رقم 4119؛ مسلم، صحيح مسلم، حديث رقم 1770)، فتعددت أنظار الصحابة في فهم المراد؛ فأخذ فريق بظاهر اللفظ، وفهم فريق أن المقصود المبادرة، فصلى في الطريق، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ أقر الفريقين جميعًا، فكان هذا الإقرار أصلًا في اعتبار اختلاف الاجتهاد إذا صدر عن فهم معتبر، ودليلًا على أن هداية الشريعة تتسع لتعدد وجوه الاستنباط في إطار النص.

وسار الصحابة رضي الله عنهم على هذا النهج؛ فلما أصابت الناس المجاعة في عام الرمادة، نظر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تحقق مناط حد السرقة، فرأى أن قيام الضرورة العامة أثر في شروط إقامة الحد، فأخر تنفيذه حتى زال موجب الشبهة (عبد الرزاق، المصنف، ج10، ص233؛ ابن أبي شيبة، المصنف، ج5، ص560؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج8، ص238). فظهر بهذا الاجتهاد أن استمرار هداية الشريعة يتحقق بتنزيل النص في موضعه الذي شرع له، وأن الجمع بين حفظ الدليل، وفقه الواقع، وتحقيق مقصود الشارع، هو الذي يمنح الأحكام قدرتها على تحقيق العدل في الوقائع المتجددة.

وعندما نضج علم أصول الفقه، جاءت نصوص الأئمة تقرر هذه الحقيقة وتؤصلها؛ فالإمام الشافعي يقول: «ليست تنزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها» (الشافعي، الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر، ص20–21)، فجعل لكل نازلة هدى من الوحي، ولكل هدى سبيلًا منضبطًا إلى استنباطه. وقرر الإمام الجصاص أن نصوص الشريعة جاءت بأصول جامعة تُرد إليها الفروع المستجدة بطريق الاجتهاد والقياس الصحيح (الجصاص، الفصول في الأصول، ج4، ص9–12). وعرف إمام الحرمين الجويني الاجتهاد بأنه استفراغ الوسع في طلب الحكم من أدلته (الجويني، البرهان في أصول الفقه، ج2، ص1334). ثم بين الإمام الشاطبي أن حركة الاجتهاد كلها تدور في فلك المقصد الذي جاءت الشريعة لتحقيقه، وهو جلب مصالح العباد في العاجل والآجل (الشاطبي، الموافقات، ج2، ص8). ولخص ابن القيم هذا البناء العلمي بقوله: «ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: فهم الواقع والفقه فيه… وفهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، ثم يطبق أحدهما على الآخر» (ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج1، ص87). وهكذا تكاملت جهود الأصوليين في بيان أن الاجتهاد ليس إنشاءً للأحكام، وإنما هو طريق الكشف عن هداية الوحي، وربطها بالوقائع التي تتجدد مع تعاقب الأزمنة.

ومن هنا لم يكن الاجتهاد مجرد وسيلة لاستنباط الأحكام، بل كان السبيل الذي امتدت به هداية الشريعة عبر التاريخ؛ فكل نازلة وجدت في الوحي أصلها، وكل عصر وجد في أصول الإسلام ما يهديه إلى حكم مستجداته، فبقيت الشريعة قادرة على قيادة الحياة مع رسوخ مرجعيتها وثبات أصولها. ومن هنا لم يكن الاجتهاد مجرد وسيلة لاستنباط الأحكام، بل كان السبيل الذي امتدت به هداية الشريعة عبر التاريخ؛ فكل نازلة وجدت في الوحي أصلها، وكل عصر وجد في أصول الإسلام ما يهديه إلى حكم مستجداته، فبقيت الشريعة قادرة على قيادة الحياة مع رسوخ مرجعيتها وثبات أصولها. غير أن هذا الامتداد لم يكن ثمرة الاجتهاد في ذاته، وإنما ثمرة الميزان الذي ضبط حركته، وأقام العلاقة بين النص، والاستدلال، والمقاصد، والواقع على نسق محكم.

الوسطية الاجتهادية وميزان الاستنباط

جعل الله تعالى الوسطية سمةً لهذه الأمة، فقال سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]، فجاء وصفها بالوسطية معبرًا عن منهج متكامل في الاعتقاد، والتشريع، والسلوك، كما دل على ميزان يحكم طرائق الفهم والاستنباط؛ إذ انتظمت الشريعة في بناء يجمع بين مرجعية الوحي، ومراتب الأدلة، ومقاصد التشريع، وأحوال المكلفين، فتتكامل عناصر النظر في نسق واحد، يحقق سلامة التأصيل، وحكمة التنزيل. ومن هذا الأصل نشأت الوسطية الاجتهادية، فغدت الميزان الذي يحفظ للاجتهاد اتزانه، ويقيم العلاقة بين النص، ودلالته، ومقصوده، والواقع الذي ينزل عليه الحكم.

وجاءت السنة النبوية ترسخ هذا الميزان في منهج الفقيه قبل أن ترسم له جزئيات الأحكام؛ فقال رسول الله ﷺ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا» (البخاري، صحيح البخاري، حديث رقم 6463)، وقال ﷺ: «إن هذا الدين يسر» (البخاري، صحيح البخاري، حديث رقم 39)، فاجتمع في هذين الأصلين مقصد الإصابة، ومراعاة اليسر الذي جاءت به الشريعة، من غير إخلال بالدليل، ولا مجاوزة لحدوده. ومن هنا لم تعد الوسطية منزلةً بين طرفين، وإنما أصبحت منهجًا يضع كل دليل في مرتبته، ويمنح كل أصل أثره، حتى يخرج الحكم الشرعي على وفق مقصود الشارع.

ولهذا اتجهت عناية الأصوليين إلى تقعيد هذا الميزان، قبل العناية بتكثير الفروع. فعرَّف إمام الحرمين الجويني الاجتهاد بأنه «استفراغ الوسع في طلب الحكم الشرعي من أدلته» (الجويني، البرهان في أصول الفقه، ج2، ص1334)، ثم قرر الإمام الغزالي أن رتبة الاجتهاد لا تكتمل إلا باجتماع أدوات النظر، والإحاطة بطرائق الاستدلال، حتى يصدر الحكم عن علم بأصوله، لا عن مجرد النظر في جزئياته (الغزالي، المستصفى، ج2، ص350). وهكذا غدت الوسطية عند الأصوليين وصفًا لطريقة الاستنباط قبل أن تكون وصفًا لنتائجها.

ثم ازداد هذا المعنى وضوحًا عند الإمام الشاطبي، حين قرر أن: «المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال» (الشاطبي، الموافقات، ج5، ص276). فالوسطية هنا ليست تسويةً بين اتجاهات مختلفة، وإنما التزامٌ بسنن الشريعة في ترتيب الأدلة، وتحقيق المقاصد، ومراعاة أحوال المكلفين، حتى يبلغ الحكم غايته في العدل والرحمة والمصلحة.

ويكشف الإمام القرافي جانبًا آخر من هذا الميزان، حين يحذر من تنزيل الأحكام على غير مناطاتها، فيقول: «الجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين» (القرافي، الفروق، ج1، ص177). ولم يقصد بذلك تجاوز النصوص، وإنما صيانة تنزيلها من الخلل؛ لأن تغير الأعراف والأحوال قد يغير محل تطبيق الحكم، بينما تبقى أصوله ومرجعيته ثابتة. وبهذا اكتمل البناء الأصولي الذي جمع بين رسوخ النص، واستقرار القواعد، واعتبار المقاصد، وصحة التنزيل.

وعلى هذا الميزان قامت المدارس الفقهية، فتعددت مسالك الاستنباط، واتسعت وجوه الترجيح، مع بقاء مصادر التشريع واحدة، ومراتب الأدلة محفوظة، ومقاصد الشريعة حاكمة. ولذلك ظل اختلاف الفقهاء اختلافًا في طرائق الفهم وإعمال الأدلة، لا في أصول الدين ومرجعياته، فكان مصدر ثراءٍ فقهي، واتساعٍ تشريعي، مكَّن الشريعة من استيعاب اختلاف البيئات، وتعاقب الأزمنة، وتجدد النوازل، مع المحافظة على وحدتها المنهجية.

ومن هذا الميزان استمد الفقه الإسلامي قدرته على الجمع بين أصالة المرجعية وحيوية التنزيل؛ إذ بقيت حركة الاجتهاد محكومةً بأصولها، ومهتديةً بمقاصدها، ومتصلةً بمراتب الأدلة التي تضبطها. وحين يختل هذا الميزان في بعض الممارسات، تنتقل حركة الاستنباط عن نسقها الذي أقامته الشريعة، فتبدأ صور الخلل في الظهور، وتتباين مسالك النظر بين اتجاهات يغيب عنها الاتزان الذي صان الفقه الإسلامي عبر تاريخه الطويل.

اختلال ميزان الاجتهاد ومنشأ الجمود والانفلات

وحين ينتقل الاجتهاد عن الميزان الذي أقامت الشريعة عليه حركة الاستنباط، تبدأ آثار الاختلال في الظهور، لا في أصول الدين وثوابته، وإنما في طرائق الفهم والتنزيل؛ لأن قوة الفقه عبر تاريخه ارتبطت بانتظام العلاقة بين النصوص، ومراتب الأدلة، وقواعد الاستدلال، ومقاصد الشريعة، والوقائع التي تنزل عليها الأحكام. وكلما بقي هذا النسق متماسكًا اتسعت قدرة الفقه على استيعاب النوازل، وأثمر اجتهادًا يجمع بين رسوخ المرجعية وحكمة التطبيق، وكلما اضطرب ترتيب وظائفه ظهرت صور من الخلل في الممارسة العلمية، مع بقاء أصول الشريعة محفوظة في كمالها وثباتها.

ولهذا صرف علماء الأصول عنايتهم إلى دراسة أسباب اضطراب الاجتهاد، وعدّوا سلامة المنهج أساسًا لصحة نتائجه. ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية أن كثيرًا من وجوه الاختلاف بين الأئمة مردُّه إلى تفاوتهم في بلوغ الدليل، أو ثبوت الرواية، أو فهم الدلالة، أو وجوه الترجيح بين الأدلة، مع اجتماعهم على قصد الحق واتباع الوحي (ابن تيمية، رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ص7–24). ويكشف هذا التحليل أن موطن الخلل يبدأ من مسار النظر، وأن إصلاح الاجتهاد يتحقق بإحكام قواعده، وترتيب وظائفه، قبل الانشغال بنتائجه.

ومن هذا المنطلق برزت صورتان مختلفتان في الممارسة الاجتهادية، نشأتا من اختلال ترتيب عناصر النظر. اتجهت الأولى إلى خدمة التراث الفقهي، وحفظ أقوال الأئمة، والعناية بالمدونات العلمية، وهو جهد عظيم صان للأمة ميراثها الفقهي، ورسخ مدارسها العلمية. وتكتمل ثمرة هذا الجهد باستمرار الملكة التي أنشأت ذلك التراث، وربط الفروع بأصولها، واستثمار القواعد في معالجة النوازل، حتى يبقى الفقه علمًا منتجًا، تتجدد به القدرة على الاستنباط، كما تتجدد به صلة الأمة بتراثها.

واتجهت الصورة الثانية إلى استيعاب الوقائع المستجدة، ومواكبة التحولات الاقتصادية، والطبية، والتقنية، والاجتماعية، وهي ميادين تؤكد سعة الشريعة، وامتداد صلاحيتها. ويؤتي هذا المسار ثماره حين يتحرك في ضوء أصول الاستدلال، ويسترشد بمقاصد التشريع، ويضع كل دليل في مرتبته. وفي هذا السياق يؤكد الإمام ابن عاشور أن المجتهد يبلغ كمال النظر باجتماع الإحاطة بمقاصد الشريعة، والدقة في تصور الواقعة التي ينزل عليها الحكم؛ لأن المقاصد ترشد عملية الاستنباط، وتوجهها نحو الغاية التي شرعت الأحكام لتحقيقها (ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص165–170).

وعند هذا الموضع تتحدد حقيقة الجمود والانفلات؛ فهما ليسا مذهبين فقهيين، وإنما صورتان تنشآن من اختلال ميزان الاجتهاد؛ ففي إحداهما تضيق حركة الاستنباط، وتضعف فاعلية القواعد في استيعاب المستجدات، وفي الأخرى تتقدم الرغبة في مواكبة الواقع على انتظام مسالك الاستدلال ومراتب الأدلة، فيختل التوازن الذي تقوم عليه صناعة الفقه. وقد نبه ابن رجب الحنبلي إلى أن العلم النافع هو ما أورث صاحبه اتباع الحجة، وربط المعرفة بالدليل، وأثمر العمل والخشية (ابن رجب، فضل علم السلف على الخلف، ص35–42)، فدل على أن قوة الاجتهاد تقاس بسلامة منهجه، قبل كثرة فروعه.

ولهذا اتجهت جهود الأصوليين إلى ترسيخ البنية العلمية للاجتهاد؛ فحرروا قواعد الاستدلال، وأحكموا مراتب الأدلة، وأصلوا مباحث القياس، وتحقيق المناط، واعتبار الأعراف، واستقراء المقاصد، حتى تتكامل أدوات المجتهد، ويظل الاستنباط متصلًا بأصوله، ويجري التنزيل في ضوء حكمته، ويواصل الفقه أداء رسالته في هداية الواقع وترشيد حركة الأمة.

ومن هنا يتبين أن استعادة فاعلية الاجتهاد تبدأ باستعادة الميزان الذي تنتظم به عناصر النظر الشرعي؛ فكلما رسخت الملكة العلمية، وانتظمت عملية الاستنباط في إطار أصولها، ازداد الفقه قدرة على مواكبة العصر، من غير أن يفقد صلته بالوحي أو يبتعد عن مقاصده. وعند هذه النقطة تتحول الوسطية الاجتهادية من ميزان يحفظ سلامة المنهج إلى مشروع علمي يصوغ العقل الفقهي، ويؤهله لاستئناف رسالته في حمل هداية الشريعة إلى الإنسان في كل زمان ومكان.

بناء العقل الفقهي في ضوء الوسطية الاجتهادية

وعندما يستقيم ميزان الاجتهاد، تبدأ ثماره في الظهور داخل العقل الذي يمارس عملية الاستنباط قبل أن تظهر في الأحكام التي يصدرها؛ لأن نهضة الفقه لم تقم يومًا على كثرة المسائل، وإنما على جودة التكوين الذي يصنع المجتهد، ويهذّب ملكته، ويؤهله للجمع بين رسوخ العلم، وسلامة النظر، وحكمة التنزيل. ومن هذا التكوين نشأت المدارس الفقهية، وتعاقبت أجيال المجتهدين، واستمرت الشريعة حاضرة في توجيه الحياة مع تعاقب الأزمنة وتغير الوقائع.

ولهذا تمثل الوسطية الاجتهادية البيئة العلمية التي تنمو فيها الملكة الفقهية نموًا متوازنًا؛ فهي تجعل النص منطلق النظر، وتمنح الأدلة مراتبها، وتربط الجزئيات بكلياتها، وتوجه الاجتهاد نحو المقاصد التي جاءت الشريعة لتحقيقها، حتى تصبح عملية الاستنباط بناءً معرفيًا متكاملًا، تتساند فيه علوم الوحي، وقواعد الأصول، وفقه الواقع، فيتولد الحكم من اجتماع هذه العناصر جميعًا، لا من تغليب أحدها على الآخر.

ومن هذا المنهج تشكلت رؤية الأصوليين في إعداد المجتهد؛ فقرر إمام الحرمين الجويني أن الاجتهاد استفراغ الوسع في طلب الحكم من دليله، وربط الغزالي بلوغ مرتبته باكتمال أدوات النظر، ثم رسم الشاطبي الغاية التي ينتهي إليها هذا البناء حين جعل المفتي الكامل حاملًا للناس على المعهود الوسط الموافق لمقاصد الشريعة (الجويني، البرهان في أصول الفقه، ج2، ص1334؛ الغزالي، المستصفى، ج2، ص350؛ الشاطبي، الموافقات، ج5، ص276). وتكشف هذه النصوص أن صناعة المجتهد عملية تربوية ومنهجية قبل أن تكون عملية معرفية، وأن جودة الاجتهاد تبدأ من جودة تكوين صاحبه.

وتتأكد قيمة هذا المنهج في زمن اتسعت فيه دوائر المعرفة، وتشابكت فيه التخصصات، وأصبحت النوازل تمتد إلى الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والهندسة الوراثية، والطب الحيوي، والبيئة، والعلاقات الدولية. وتقتضي هذه القضايا عقلًا فقهيًا يجيد تصور الواقع، ويستوعب معطياته، ثم يردها إلى أصول الشريعة في ضوء مقاصدها، حتى تظل الهداية الربانية قادرة على توجيه المستقبل كما وجهت مسيرة الأمة عبر تاريخها.

ومن هنا تتعاظم أهمية الاجتهاد الجماعي، لأنه يجسد هذا التكامل في أوسع صوره؛ إذ يجمع الفقيه مع الخبير، ويصل المعرفة الشرعية بالمعرفة التخصصية، فتزداد دقة تصور النوازل، ويترسخ تحقيق المناط، وتقترب الأحكام من مقاصدها في إقامة العدل، وصيانة الحقوق، وتحقيق المصالح. ولذلك غدت المجامع الفقهية، وهيئات الإفتاء، والمؤسسات العلمية، أحد أهم ميادين صناعة العقل الاجتهادي المعاصر، بما تؤديه من دور في توحيد الرؤية، وترشيد الاجتهاد، وتعميق التكامل بين علوم الشريعة وسائر العلوم.

وهكذا تتجاوز الوسطية الاجتهادية وظيفة ضبط عملية الاستنباط، لتصبح منهجًا في بناء الإنسان العالم، وإحياء الملكة الفقهية، وتجديد الحركة العلمية للأمة. وعندما يستقر هذا المنهج في مؤسسات التعليم، وبرامج التأهيل، ومجالس الإفتاء، يستعيد الفقه قدرته على صناعة الوعي، وتتجدد رسالته في توجيه المجتمع، ويواصل الوحي حضوره في حياة الإنسان عبر عقلٍ يجمع بين الأمانة للنص، والبصيرة بالواقع، والحكمة في التنزيل. وعند هذا الأفق تكتمل معالم فلسفة الوسطية في الشريعة؛ إذ تغدو الوسطية الاجتهادية القوة التي تحفظ للاجتهاد اتزانه، وللفقه حيويته، وللرسالة الخاتمة امتداد هدايتها في كل زمان ومكان.

ختامًا،

تكشف فلسفة الوسطية في الشريعة أن سرَّ عالمية الإسلام واستمرار هدايته لا يكمن في كثرة الأحكام، ولا في اتساع الفروع، وإنما في المنهج الذي انتظمت به حركة فهم الوحي وتنزيله على حياة الإنسان. فمن خلال هذا المنهج التقت مرجعية النص بسعة المقصد، واجتمع رسوخ الأصول مع مرونة الاجتهاد، وتحول الفقه إلى علمٍ يربط الثابت بالمتغير، ويصل هداية السماء بواقع الأرض، فيبقى الوحي حاضرًا في توجيه الإنسان كلما تجددت الوقائع، واتسعت ميادين العمران.

وتؤكد هذه الحقيقة أن الوسطية الاجتهادية تمثل الميزان الذي يحفظ لحركة الاستنباط اتزانها؛ فهي منهج يضع كل دليل في مرتبته، وكل مقصد في مجاله، وكل واقعة في موضعها، فتتكامل عناصر الاجتهاد في بناء واحد، يعبر عن مراد الشارع، ويحقق العدل، ويرعى مصالح الخلق في ضوء مقاصد الشريعة. وبهذا المعنى تغدو الوسطية أصلًا حاكمًا في صناعة الفقه، وليست مجرد وصف لاتجاه من الاتجاهات، أو معالجة لمرحلة تاريخية بعينها.

ومن هنا يرتبط مستقبل الفقه الإسلامي بقدرة الأمة على إحياء هذا المنهج في تكوين علمائها، ومناهجها التعليمية، ومؤسساتها العلمية، حتى تتجدد الملكة الاجتهادية التي تجمع بين رسوخ التأصيل، ودقة التصور، وحسن التنزيل، وتستأنف رسالة العلماء في حمل هداية الوحي إلى قضايا العصر، بالعلم الراسخ، والبصيرة النافذة، والمنهج المنضبط.

وعند هذه الغاية يلتئم بناء المقال كله؛ فالوسطية الاجتهادية ليست منزلةً بين طرفين، ولا صيغةً للتوفيق بين اتجاهات متباينة، وإنما هي روح الشريعة، وفلسفة الاجتهاد فيها، والميزان الذي صاغ العقل الفقهي عبر القرون، وحفظ للوحي سلطانه، وللاجتهاد فاعليته، وللشريعة قدرتها المتجددة على هداية الإنسان، وإقامة العدل، وعمارة الأرض في كل زمان ومكان.

زبير بن سلطان ربّاني
كاتب وباحث في الفكر الإسلامي وقضايا الواقع المعاصر |  + posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

العقل مرآة الروح: كيف تعيد بناء قدراتك الذهنية من خلال القرآن؟

​كثيراً ما نقف أمام مهام تبدو لنا مستحيلة؛ كحفظ القرآن

تصعيد إسرائيلي في القدس.. اقتحامات للأقصى وإخطارات بهدم منازل شمال المدينة

واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون، أمس الأحد، إجراءاتهم التصعيدية في

يومَ يَفيضُ العَرَقُ

ليست أشدُّ لحظاتِ الإنسانِ تلكَ التي يعيشُها في الدنيا، فكلُّ

آخر المقالات

100%