آخر الأخبار

الشيخ ناصر الدين الألباني ومنهج إحياء السنّة دراسة في السيرة والمشروع الحديثي المعاصر …

شارك المقال على:

يمثّل الشيخ العلّامة ناصر الدين الألباني – رحمه الله – أحد أبرز أعلام القرن العشرين الذين كان لهم أثر عميق في إعادة مركزيّة الحديث النبوي داخل المجال السلفي المعاصر؛ إذ نشأ في أسرة حنفيّة مهاجرة من شقودرة إلى دمشق، وتلقّى تعليمًا نظاميّاً محدودًا اقتصر على المرحلة الابتدائيّة، قبل أن ينخرط في تكوين علمي أهلي مكثّف على يد والده وعدد من علماء الشام. ولم تلبث هذه المرحلة أن قادته في شبابه إلى التحوّل نحو مشروع حديثي واسع، تأثّر فيه بمدرسة الإصلاح التي مثّلها محمّد رشيد رضا عبر مجلّة “المنار”، كما تأثّر بالنقد الحديثي الموجّه إلى كتاب إحياء علوم الدين. ومن هذا المنطلق تبلور مشروعه القائم على تصفية المرويّات، والتحرّر من الالتزام المذهبي الملزم، وإعادة بناء الفقه والعقيدة على أساس القرآن والسنّة بفهم السلف، وقد أسهم هذا التوجّه في رفع مكانته عند أنصاره إلى مرتبة “محدّث العصر”، وفي الوقت نفسه جعله من أكثر علماء زمانه إثارة للجدل العلمي والمذهبي .

2- ولادة الشيخ ناصر الدين الألباني ونشأته:

ولد في شقودرة سنة 1333هـ /1914م، ونشأ في أسرة يغلب عليها الطابع العلمي والتديّن، وكان والده الحاج نوح من علماء الحنفيّة الذين تلقّوا تعليمهم في إسطنبول. ومع تصاعد سياسات العلمنة في ألبانيا في عهد أحمد زوغو، وما ارتبط بها من تضييق على المظاهر الدينيّة، هاجرت الأسرة إلى دمشق حفاظاً على الدين والهويّة، وكان عمره آنذاك يقارب تسع سنوات .

وفي دمشق أتمّ تعليمه الابتدائي في مدرسة الإسعاف الخيريّة، ثمّ انقطع عن التعليم النظامي بتوجيه من والده، الذي وضع له برنامجاً علميّاً أهليّاً شمل القرآن والتجويد والنحو والصرف والفقه الحنفي، فقرأ عليه مختصر القدوري، كما تتلمذ على بعض علماء الشام، فقرأ على سعيد البرهاني مراقي الفلاح، وحضر مجالس محمّد بهجت البيطار، ونال إجازة في الحديث. وقد بدأ نشاطه بالتدريس الحر في دمشق، ثمّ دُعي إلى التدريس في الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة بين عامي 1381 و 1383هـ (1961-1963م)، وتعرّض لاحقاً للاعتقال في سوريّا مرّتين، قبل أن يستقر ّبه المقام في عمّان، حيث واصل نشاطه العلمي حتّى وفاته ليلة السبت 22 جمادى الآخرة 1420هـ الموافق 2 أكتوبر 1999م.

وإنّ التحوّل الحاسم في تكوين الشيخ الألباني الفكري لم يكن مرتبطاً بشيخ بعينه، بقدر ما كان نتيجة تفاعل مباشر مع النصوص المطبوعة، وفي مقدّمتها مجلة “المنار”، التي فتحت له أفقاً نقديّاً جديداً، دفعه إلى مراجعة المسلّمات المذهبيّة، والانخراط في مشروع حديثي نقدي. ومن هنا ابدأ انتقاله من الحنفيّة التقليديّة إلى السلفيّة الأثريّة ذات النزعة اللامذهبيّة.

ومع محدوديّة دخله، تعلّم مهنة إصلاح الساعات، غير أنّها تحوّلت – في تجربته – إلى وسيلة تمكين علمي؛ إذ كان يوازن بين العمل والبحث، حتّى صار يقضي معظم وقته في المكتبة الظاهريّة، يطالع المخطوطات ويفهرسها، ويتتبّع مصادر الحديث، حتّى غدا مثالاً للعالم الذي تشكّل في فضاء المكتبة، أكثر من كونه نتاج مؤسّسة تعليميّة تقليديّة .

وإذا نُظر إلى مشروع الألباني من زاوية تحليليّة، أمكن ردّه إلى ثلاث نقلات رئيسة: أوّلها نقل علم التخريج والحكم على الأحاديث من دائرة التخصّص النخبوي إلى حيّز التعليم العام، عبر سلاسله الحديثيّة وكتبه التعليميّة. وثانيها جعل الحديث أداة مباشرة لإعادة بناء الفقه خارج الأطر المذهبيّة التقليديّة. وثالثها بلورة نمط سلفي دعوي حديثي يقوم على شعار “التصفية والتربية”، ويتّخذ موقفاً ناقداً من الحزبيّة والعمل الثوري المباشر، مع امتداد أثره – على نحو لافت – إلى طيف واسع من الاتّجاهات السلفيّة المختلفة.

3- الخط الزمني الحياة الألباني:

يمكن ترتيب المسار الزمني لحياة ناصر الدين الألباني على النحو الآتي: ولد سنة 1914م في شقودرة، ثمّ هاجر مع أسرته إلى دمشق نحو سنة 1923م، وبدأ اشتغاله الجاد بعلم الحديث قرابة سنة 1934م متأثّراً بمجلّة “المنار”. وفي سنة 1955م كُلّف بتخريج أحاديث البيوع الجامعة دمشق، ثمّ انتقل إلى التدريس في الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة بين عامي 1961 و1963م. ولقد تعرّض بعد ذلك للاعتقال مرّتين، الأولى قبل عام 1967م في قلعة دمشق، والثانية بين عامي 1967 و1968م في سجن الحسكة، وفي الفترة بين 1975 و1978م اختير عضواً في المجلس الأعلى للجامعة الإسلاميّة، ثمّ نال جائزة الملك فيصل للدراسات الإسلاميّة سنة 1999م، وتوفّي في عمان بتاريخ 2 أكتوبر 1999م .

ويجمع هذا الخط الزمني ما ثبت في السيرة الرسميّة العربيّة، مع الإفادة من الدراسات الأكاديميّة، مع الإشارة إلى كلمة “حوالي” في المواضع التي لا تتوافر فيها تواريخ دقيقة في المصادر الأوليّة المفتوحة .

4- المسار العلمي والوظيفي:

بدأ الألباني حضوره العلمي خارج الإطار المؤسّسي التقليدي، حيث عقد في دمشق درسين أسبوعيّين في العقيدة والفقه والأصول والحديث، شارك فيهما طلّاب علم وبعض أساتذة الجامعات، كما قام برحلات دعويّة شهريّة إلى عدد من المحافظات السوريّة وبعض مناطق الأردن. وتشير سيرته الرسميّة إلى أنّه كُلّف سنة 1955م من كليّة الشريعة بجامعة دمشق بتخريج أحاديث البيوع ضمن مشروع موسوعة الفقه الإسلامي، ثمّ اختير عضواً في لجنة الحديث في فترة الوحدة بين مصر وسوريا، للإشراف على نشر كتب السنّة وتحقيقها، وتدلّ هذه الوقائع على أنّ حضوره العلمي تجاوز الإطار السلفي المحدود، ليحظى باعتراف وظيفي في دوائر علميّة أوسع .

غير أنّ هذا الحضور لم يكن مقبولاً لدى الأوساط التقليديّة في دمشق؛ إذ واجه معارضة شديدة من بعض المتعصّبين للمذاهب ومن مشايخ الطرق الصوفيّة، حتّى وُصف عند بعضهم بأنّه ” وهّابي ضال”. ويُظهر التحليل الأكاديمي أنّ هذا الاحتكاك كان عنصراً مركزيّاً في تشكيل صورته بوصفه عالِماً عصاميّاً، شديد النقد للتقليد المذهبي، يسعى إلى إعادة الدين إلى النص الخالص. ومن هنا لم يعد الخلاف معه مجرّد اختلاف فقهي، بل تحوّل إلى سؤال أعمق يتعلّق بالسلطة العلميّة من يملك حقّ التحدّث باسم السنّة؟

أمّا التحوّل المؤسّسي الأبرز في مسيرته فتمثّل في دعوته إلى التدريس في الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة، حيث درس علوم الحديث ثلاث سنوات (1961-1963م). غير أنّ هذه المرحلة نفسها أسهمت في تعزيز الجدل حوله، بسبب بعض فتاواه التي عُدّت مخالفة للمألوف في الوسط المحافظ أنذاك، مثل رأيه في عدم وجوب تغطية وجه المرأة، وجواز الصلاة في النعال. وعلى الرغم من عودته بعد ذلك إلى دمشق ثمّ إلى الأردن، فإنّ هذه التجربة منحته شرعيّة علميّة رمزيّة، وربطت اسمه بالسياق السلفي المعاصر في الجزيرة العربيّة .

وفي أوائل الستّينيات بدأ تعرّضه للمراقبة الأمنيّة في سوريا، رغم ابتعاده عن النشاط السياسي، واعتقل مرّتين؛ الأولى لمدّة شهر في قلعة دمشق، والثانية لمدّة ثمانية أشهر في سجن الحسكة، حيث استثمر فترة الاعتقال في تحقيق مختصر صحيح مسلم للمنذري. وبعد ذلك استقرّ في عمّان، التي أصبحت المركز الأهم لنشاطه العلمي في مرحلته الأخيرة .

كما تشير سيرته إلى عروض علميّة متعدّدة قُدّمت له، منها طلب الجامعة السلفيّة في بنارس أن يتولّى مشيخة الحديث، وطلب الإشراف على الدراسات العليا الإسلاميّة في مكّة، إلّا أنّ هذه المشاريع لم تتم. واختير عضواً في المجلس الأعلى للجامعة الإسلاميّة، كما قام بعدد من الرحلات العلميّة والدعويّة إلى دول عربيّة وأوروبيّة، ممّا أسهم في انتشار تأثيره خارج الإطار المحلّي .

5- المؤلّفات والإنجاز الحديثي:

تختلف التقديرات حول عدد مؤلّفات الألباني تبعاً لمنهج العدّ؛ إذ يذكر بعض الباحثين أنّ عدد كتبه يبلغ نحو 117 كتاباً، في حين ترفع السيرة الرسميّة هذا العدد إلى أكثر من 300 عمل بين تأليف وتحقيق وتخريج وتعليق. ويعكس هذا التفاوت طبيعة إنتاجه العلمي؛ إذ لم يكن مجرّد مؤلّف تقليدي، بل كان محقّقاً ومهذّباً وشارحاً ومصنّفاً في آن واحد، وهو ما يجعل أثره قائماً على شبكة علميّة متكاملة، لا على كتاب واحد جامع .

6- ومن أبرز أعماله:

• تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: من أوائل مؤلّفاته، ويعكس موقفه السلفي من الممارسات المرتبطة بالقبور.

• مشكاة المصابيح (تحقيق): أسهم فيه في إعادة ترتيب كتاب حديثي واسع التداول وفق منهج نقدي واضح.

• مختصر صحیح مسلم: تهذيب عملي للنص الحديثي، أنجز جزءاً منه في فترة الاعتقال.

• صحيح الجامع الصغير وزيادته: عمل تصنيفي مهم جعل النصوص الحديثية أكثر يسراً في الاستعمال.

• سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: من أشهر أعماله في نقد المرويّات الشائعة.

• سلسلة الأحاديث الصحيحة: جمع فيها بين التخريج والاستنباط الفقهي.

• إرواء الغليل: من أهمّ كتبه في الربط بين الحديث والفقه.

• حجاب المرأة المسلمة: من أكثر كتبه إثارة للجدل في الفقه الاجتماعي .

• جلباب المرأة المسلمة: تطوير موسّع لبحث لباس المرأة.

• التوسّل أنواعه وأحكامه: من كتبه المركزيّة في قضايا العقيدة.

• صفة صلاة النبي ﷺ: أشهر كتبه التعليميّة وأكثرها انتشارًا.

• تحريم آلات الطرب: دراسة فقهيّة في مسألة المعارف.

ومن المهمّ التنبيه إلى أنّ تواريخ هذه الأعمال تعود في الغالب إلى طبعات موثّقة، ولا تعني بالضرورة تاريخ التأليف الأوّل، نظراً لتعدّد طبعاتها وتنقيحاتها .

7- منهجه وأثره:

يتميّز الألباني في علم الحديث ليس بكثرة الإنتاج فحسب، وإنّما بقدرته على نقل منهج التصحيح والتضعيف من نطاق التخصّص الدقيق إلى المجال التعليمي العام؛ إذ جعل نقد الأسانيد جزءاً من تكوين الطالب والداعية والخطيب. كما لم يتردّد في إعادة النظر في مرويّات واردة في كتب ذات مكانة عالية، بما في ذلك بعض أحاديث صحيح مسلم .

وترى دراسات علميّة أنّ منهجه في التصحيح ظلّ قريباً من المنهج التقليدي للمحدّثين، في حين اتّسم منهجه في التضعيف بشيء من التوسّع خاصّة في تعميم بعض القواعد الحديثيّة. كما تشير قراءات نقديّة إلى اعتماده على أقوال المتأخّرين، مع تبسيط بعض مناهجهم في التطبيق، إلّا أنّه – في المحصّلة – أسهم إسهاماً واضحاً في إحياء الدرس الحديثي، ودفع الباحثين إلى إعادة النظر في مناهج النقد الحديثي وتقويمها .

ومن منظور تحليلي، فإنّ القيمة الكبرى لمشروع الألباني لا تكمن في حسم الجدل، بل في إعادة فتحه؛ إذ نقل سؤال “ما الحديث الصحيح؟” من الإطار التخصّصي الضيّق إلى قلب النقاش الفقهي والاجتماعي، وهو ما يفسّر حجم الجدل الذي أثاره. فكلّما اتّسعت دائرة تطبيق الحكم الحديثي، ازداد الاحتكاك مع البنية المذهبيّة والمؤسّسية التقليديّة، وهنا تحديداً تتجلّى انتقالته من مجرّد محدّث إلى ظاهرة فكريّة مؤثّرة في بنية التفكير السلفي المعاصر .

8- الفتاوى والمواقف والاجتهادات:

في باب الحجاب والنقاب، قرّر ناصر الدين الألباني أنّ وجه المرأة وكفّيها ليسا بعورة، وأنّ سترهما مستحب لا واجب. وقد شكّلت هذه المسألة واحدة من أبرز مواضع الخلاف حوله، لكونها خالفت الاتّجاه السائد لدى قطاعات واسعة من التيار السلفي في النصف الثاني من القرن العشرين. ويُصرّح في فتاواه الصوتيّة المنشورة بأنّ الصحيح أنّه لا يجب ستر الوجه والكفّين، مع تأكيده في الوقت نفسه أنّ الستر أولى وأكمل .

وفي باب السياسة الشرعيّة والخروج على الحاكم، اتّجه الألباني إلى المنع الواضح للثورات المسلّحة، ولم يجز الخروج إلّا عند تحقّق “الكفر البواح” المقرون بالقدرة الشرعيّة الواقعيّة. كما رفض بصورة قاطعة الاغتيالات والتفجيرات التي ترتكب باسم تغيير المنكر، مؤكّداً أنّ مجرّد الحكم بكفر الحاكم لا يكفي لإباحة الخروج ما لم تتوافر شروطه الشرعيّة والواقعيّة، وقد أسهم هذا الموقف في جعله أحد المرجعيّات الرئيسة لما يعرف بالسلفيّة الهادئة أو اللاعنفيّة .

وفي مسألة التوسّل، ميّز بين المشروع وغير المشروع، فحصر المشروع في التوّسل بأسماء الله وصفاته، وبالعمل الصالح، وبدعاء المسلم الحي، ونفى ما عدا ذلك. وقد تجسّد هذا التصوّر في كتابه التوسّل: أنواعه وأحكامه،كما ظهر في نقده للتوسّل بجاه النبي ﷺ، الذي اعتبره من المحدثات التي لا تثبت بها السنّة .

أمّا في الغناء والمعازف، فقد بنى موقفه على تصحيح حديث المعازف، وتوسيع دلالته الفقهيّة، فذهب إلى تحريم آلات الطرب، وجمع أدلّته في كتابه تحريم آلات الطرب. وقد كان لهذا العمل أثر واسع في ترسيخ القول بالتحريم داخل أوساط سلفيّة معاصرة، حتّى صار مرجعاً أساسيّاً في هذا الباب .

وفي قضيّة الانتماء المذهبي، رأى الألباني أنّ التمذهب ليس التزاماً لازماً، سواء للعالم أو للعامي، على الصورة التي استقرّت في التقاليد المتأخّرة، وأنّ الواجب هو اتّباع الدليل من الكتاب والسنّة بحسب القدرة. ومن هنا نشأ أحد أبرز محاور خلافه مع المدرسة التقليديّة، إذ تحوّل هذا الطرح من مجرّد موقف فقهي إلى رؤية معرفيّة أوسع تعيد تعريف مرجعيّة الفهم الديني، وهو ما جعل الخلاف معه يتجاوز الفروع إلى الأصول المنهجيّة في تحديد مصدر السلطة العلميّة .

9- التلامذة والانتشار والتأثير:

تحتاج مسألة تلامذة الألباني إلى قدرٍ من التدقيق الاصطلاحي، إذ تتسع في بعض المصادر لتشمل الملازمين والمستفيدين والمشتغلين على تراثه، لا فقط من تلقّى عنه دراسة نظاميّة طويلة. ومع ذلك، تذكر سيرته الرسميّة عدداً من أبرز المنتسبين إلى مدرسته العلميّة، منهم: إحسان إلهي ظهير، وباسم فيصل الجوابرة، وحسين عودة العوايشة، وربيع بن هادي المدخلي، وعلي حسن الحلبي، ومقبل بن هادي الوادعي، ومشهور حسن آل سلمان، ومحمد جميل زينو .

ومن بين هؤلاء، يبرز عدد من الأسماء التي يظهر فيها أثره المباشر بوضوح مثل علي حسن الحلبي، الذي اضطلع بدور مهم في نشر تراثه والدفاع عن منهجه، ومشهور حسن آل سلمان، الذي عُرف بعنايته بشرح أعماله والتعليق عليها، ومقبل بن هادي الوادعي، الذي تأثّر بمنهجه في مركزيّة الحديث ونقد الأسانيد، وإحسان إلهي ظهير، الذي مثّل امتداداً لمدرسته في سياق أهل الحديث في جنوب آسيا .

أمّا من حيث الامتداد الجغرافي، فقد أصبحت الأردن المركز الأبرز لتراثه في أواخر حياته وبعد وفاته، حيث نشأت حوله شبكة علميّة مؤسّسية تضمّ مراكز بحثيّة، ومكتبات، ومواقع إلكترونية، وحلقات علميّة، ممّا يشير إلى تحوّل “الألبانيّة” من مجرّد أثر علمي إلى منظومة فكريّة متكاملة .

وعلى المستوى العالمي، تجاوز تأثيره حدود السلفيّة الهادئة، ليصل إلى طيف واسع من الاتّجاهات السلفيّة حيث أسهم في ترسيخ مركزيّة الحديث، وتعزيز النزعة النصيّة، وتقليص الاعتماد على الأطر المذهبيّة التقليديّة.

وقد ظهر هذا التأثير في بيئات متعدّدة، من العالم العربي إلى جنوب شرق آسيا والغرب، من خلال المدارس والناشرين، والشبكات الدعويّة التي تبنّت منهجه في “التصفية والتربية”، بوصفه مدخلاً لإعادة تشكيل الفهم الديني المعاصر .

10- النقد والجدل والاستقبال العالمي:

يتعذّر تناول سيرة ناصر الدين الألباني بمعزلٍ عن الجدل الواسع الذي أحاط بها؛ إذ لم يكن هذا الجدل عنصرًا هامشيّاً في مسيرته، بل كان جزءاً مكوّناً لهويّته العلميّة. وقد تبلورت أولى طبقات النقد في أوساط العلماء التقليديّين من أهل السنّة الذين دافعوا عن مركزيّة المذاهب الفقهيّة وآليّات التلقّي القائمة على المشافهة والإجازة، ومن أبرزهم سعيد رمضان البوطي وعبد الفتاح أبو غدّة. ولم ينصب اعتراض هؤلاء على نتائج بعض فتاواه فحسب، بل امتدّ إلى منهجه ذاته؛ إذ رأوا فيه نموذجاً لعالم عصامي محدود الشيوخ، يتعامل مع النص وكأنّه مستقلّ بذاته عن التراكم الفقهي والتفسيري، بما يفضي إلى إضعاف الوساطة العلميّة التقليديّة ومؤسّساتها .

أمّا الطبقة الثانية من النقد، فهي نقد حديثي داخلي أكثر دقّة، تمثّل في ردود عدد من الباحثين على أحكامه الحديثيّة، ومنهم حسن بن علي السقاف، ومحمود سعيد ممدوح، وعبد الله الهرري، وغيرهم، وذلك بسبب تضعيفه عدداً كبيراً من الأحاديث التي تلقّاها جمهور العلماء بالقبول، وبعضها في صحيح مسلم، ويرى كمار الدين أمين أنّ منهج الألباني في التضعيف – ولا سيما في تعامله مع روايات أبي الزبير عن جابر – اتّسم بقدر من التعميم، بحيث إنّ تعميمه قد يؤدّي إلى التشكيك في طائفة واسعة من أحاديث مسلم. في المقابل، يذهب كريستوفر ملكرت إلى أنّ الألباني، رغم جرأته في نقد بعض المصادر المعتبرة، ظلّ في جوهره قريباً من المنهج التقليدي؛ إذ يظهر قدراً من التردّد في نقد الصحيحين مقارنة بغيرهما، ويعتمد بشكل ملحوظ على مصطلحات النقّاد المتأخّرين وأحكامهم، بل ويقع أحياناً في مفارقة بين تنظيره النظري وتطبيقاته العمليّة .

وتتجلّى الطبقة الثالثة في الجدل الاجتماعي والسياسي الذي أحاط به؛ ففي سوريا وُصف من قبل بعض خصومه بأنّه وهّابي ضال، وتعرّض للمراقبة والسجن نتيجة وشايّات مناوئيه. وفي السعودية أُثير الجدل حول آرائه في قضايا عمليّة، مثل النقاب والصلاة في النعال وحتّى داخل الأوساط السلفيّة نفسها، لم يكن إرثه موحّداً بعد وفاته؛ إذ استند إليه تيّار سلفي هادئ يرفض الحزبيّة والعمل السياسي، بينما تشير بعض الدراسات إلى أنّ مركزيّة الحديث التي نشرها أسهمت – بصورة غير مباشرة – في فتح المجال أمام تيّارات أخرى لتجاوز الإطار المذهبي التقليدي، وإن لم يكن يوافقها في توجّهاتها السياسية أو العمليّة .

ومن هنا جاء الاستقبال العالمي للألباني مزدوجاً؛ ففي البيئات السلفيّة والحديثيّة رفع إلى منزلة المرجع المؤسّس، ونال سنة 1419هـ / 1999م جائزة الملك فيصل في الدراسات الإسلاميّة تقديراً لجهوده في خدمة الحديث تحقيقاً وتخريجاً ودراسة. وفي المقابل، ظلّ في نظر قطاعات واسعة من العلماء التقليديّين شخصيّة جدليّة ارتبطت بتفكيك السلطة المذهبيّة، وإعادة النظر في مدوّنة الحديث المقبولة. وبعبارة جامعة، فقد كان محلّ تكريم رسمي في سياق، ومحلّ نقد منهجي في سياق آخر، مع بقاء أثره فاعلاً في كليهما .

11- أقوال العلماء وطلبة العلم بالشيخ الألباني:

حينما انقلبت السيّارة بالمحدّث الألباني – رحمه الله – يقول أحد تلاميذه: “والله ما أبصرت عيناي فيما أعلم أحداً أحرص على السنّة وأشد انتصاراً لها واتّباعاً لها من الألباني – رحمه الله -، ولقد انقلبت به السيّارة ما بين جدّة والمدينة وهرع الناس، وهم يقولون ياستّار،،، ياستّار،،، ياستّار،،، فيقول لهم: وهو تحت السيّارة المنقلبة، قولوا: ياستّير ….. ولا تقولوا يا ستّار فليس من أسماءه تعالى الستّار. ففي الحديث: ( إنّ الله حيي ستّير يحبّ الستر.. .

12- ومن أقوال العلماء الكبار بالشيخ الألباني – رحمه الله -:

يقول الشيخ ابن باز – رحمه الله -: “الشيخ ناصر الدين الألباني من العلماء المعروفين بالحديث، ومن أهل العلم والفضل، وقد نفع الله به، وهو من دعاة السنّة”. ويقول الشيخ محمّد صالح بن العثيمين – رحمه الله -: “الشيخ الألباني محدّث العصر، ولا تعلم في هذا العصر أحداً أعلم منه بالحديث”. والشيخ مقبل بن هادي الوادعي يقول: “الشيخ الألباني مجدّد هذا العصر في علم الحديث”.

13- ومن أقوال المفكّرين والدعاة المعاصرين:

الشيخ مشهور حسن آل سلمان: “الألباني مدرسة قائمة بذاتها، ليس مجرد عالم، بل منهج في التعامل مع السنّة”. والشيخ علي حسن الحلبي رحمه الله : ” كان الشيخ الألباني إماماً في السنّة، ناصراً لها، مجاهداً بعلمه وقلمه”.

14- ومن أقوال من خالفوه أو انتقدوا منهجه (للتوازن العلمي):

الشيخ عبد الفتاح أبو غدّة الذي قال (مع نقده لمنهجه): “الشيخ الألباني له عناية بالحديث وجهد مشكور لكن له أخطاء في التصحيح والتضعيف. والشيخ كمار الدين أمين يقول: ” أسهم الألباني في إحياء علم التخريج ونقله من الدوائر المتخصّصة إلى جمهور أوسع. والشيخ إيماد حمده: ” الألباني أعاد تشكيل السلفيّة المعاصرة عبر جعل الحديث في مركزها”.

وبالتالي، تتفق هذه الأقوال – رغم اختلافها – على حقيقة مركزيّة، وهي أنّ الألباني كان شخصيّة علميّة مؤثّرة للغاية عند مؤيّديه : مجدّد ومحدّث العصر، وعند منتقديه: باحث جريء أحدث تحوّلاً في منهج التعامل مع الحديث. وهذا التباين في التقييم يعكس حجم أثره، لا ضعفه، إذ إنّ الشخصيّات العلميّة الكبرى غالباً ما تكون موضع اتّفاقٍ واختلافٍ في آن واحد.

15- وفاة الشيخ الألباني وإرثه:

توفّي ناصر الدين الألباني – رحمه الله – قبيل يوم السبت 22 جمادى الآخرة 1420هـ الموافق 2 أكتوبر 1999م في عمّان، في حيّ ماركا الجنوبيّة، ودُفن بعد صلاة العشاء مباشرة تنفيذاً لوصيّته، التي شدّد فيها على تعجيل الدفن وعدم المبالغة في إعلان الوفاة. ورغم قصر المدّة بين الوفاة والدفن، فقد حضر جنازته عدد كبير من المصلّين. كما أوصى بأن تُهدى مكتبته العلميّة كاملة إلى الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة. وأمّا اسم المقبرة على وجه التحديد، فلا يرد بصورة قاطعة في المصادر العربيّة المعتمدة، ومن ثمّ يبقى غير محدّد على وجه الجزم .

ولا يختزل إرث الألباني في كونه ناقداً للأحاديث تصحيحاً وتضعيفًا، بل يتمثّل في بناء منظومة حديثيّة متكاملة منهلها الكتاب والسنّة، تقوم على مفاهيم مركزيّة مثل: الاتّباع، ونقد التقليد، والتصفية والتربية، والتحذير من الحزبيّة، وتعظيم النص، وتوسيع دور الحكم الحديثي في مجالات الفقه والعقيدة والسلوك. ومن ثمّ فإنّ تقييمه تقييماً متوازناً يقتضي الإقرار بأمرين متلازمين: أوّلهما أنّه أسهم في توسيع دائرة العناية بالحديث توسّعاً غير مسبوق في العصر الحديث، وثانيهما أنّ هذا التوسيع اقترن بتفكيك حاد لسلطات مذهبيّة وتعليميّة راسخة، وهو ما يفسّر اتّساع دائرة الإعجاب به واتّساع دائرة الاعتراض عليه في آن واحد.

المراجع:

 حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه، محمد بن إبراهيم الشيباني، 1999، مكتبة المعارف، الكويت.

 الإمام الألباني: دروس ومواقف وعبر مشهور بن حسن آل سلمان 2000، دار الإمام مسلم، عمان.

 جلباب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة، محمد ناصر الدين الألباني، 1978، المكتب الإسلامي، عمان.

 التوسل: أنواعه وأحكامه، محمد ناصر الدين الألباني 1986، المكتب الإسلامي، بيروت.

 حجاب المرأة المسلمة، محمد ناصر الدين الألباني 1994، المكتب الإسلامي، عمان.

 تحريم آلات الطرب، محمد ناصر الدين الألباني 1997، مكتبة المعارف، الرياض.

 سلسلة الأحاديث الصحيحة، محمد ناصر الدين الألباني، بدون تاريخ، مكتبة المعارف، الرياض .

 كلمات في كشف أباطيل وافتراءات عبد الفتاح أبو غدة، 1990، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب.

 تناقضات الألباني الواضحات، حسن بن علي السقاف، 1998، دار الإمام النووي، عمان.

 السلفية بين العقيدة والفكر المعاصر، ناصر بن عبد الكريم العمري، 2003، دار الوطن، الرياض.

 موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية، حسين بن عودة العوايشة 2002، دار ابن الجوزي عمان.

 قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، جمال الدين القاسمي، 1998، دار الكتب العلمية، بيروت.

 المقترح في أجوبة أسئلة المصطلح، مقبل بن هادي الوادعي بدون تاريخ، دار الآثار، اليمن.

 كيف نربي أبناءنا، محمد جميل زينو، 1995، دار الفکر، دمشق.

المصادر الإلكترونية

 نبذة مختصرة عن سيرة الشيخ الألباني، موقع أرشيف الشيخ الألباني، بدون تاريخ، موقع إلكتروني.

 سيرة الشيخ الألباني يروبها بصوته، محمد ناصر الدين الألباني، بدون تاريخ، بوابة تراث الإمام الألباني.

 ما حكم الخروج على الحكام؟ بوابة تراث الإمام الألباني بدون تاريخ، موقع إلكتروني.

 ما هو التوسل المشروع؟ بوابة تراث الإمام الألباني بدون تاريخ موقع إلكتروني.

 ما هي أقوال أهل العلم في حكم تغطية وجه المرأة؟، بوابة تراث الإمام الألباني، بدون تاريخ، موقع إلكتروني.

ملاحظة: هذا المقال مقتبس من مسودة كتاب: هجرتي إلى بلاد المسلمين

(مع العلماء والكتب والكتابة وقضايا الأمة)، للدكتور علي محمد الصلابي، قيد التأليف.

علي محمد الصلابي
+ posts

أخبار ذات صلة

وهن المؤسسات!

تستند فلسفة التكليف والإدارة في الفكر الإسلامي إلى ركنين متينين

الاتحاد يعزي في وفـاةالشيـخ الأستـاذ أميـــر العظيـــم رحمه الله

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً

آخر المقالات

اشترك في نشرتنا البريدية

تلقَّ آخر الأخبار والبيانات والدراسات مباشرة في بريدك الإلكتروني.

لن نشارك بريدك الإلكتروني مع أي طرف ثالث

100%