آخر الأخبار

التدرّج والتيسير على المسلمين في التشريع الإسلامي

شارك المقال على:

إن من أعظم مظاهر حكمة التشريع الإسلامي ومراعاته للعباد أنه لم يأتِ بتكاليفه وأحكامه بصورة منفصلة عن واقع الناس وطبيعة نفوسهم، بل راعى في بناء الفرد والمجتمع سنناً تربوية وتشريعية دقيقة وضرورية، كان من أبرزها سنة التدرّج والتيسير. فالإسلام سلك طريق الحكمة والتهيئة، حتى تتقبل النفوس الأحكام، وتستجيب لها عن قناعة وإيمان. ومن تسهيل الإسلام، وتيسيره على الناس أنه راعى معهم سنة التدرج فيما يشرعه لهم، من واجبٍ، أو محرم، فتجد أنه حين فرض الفرائض كالصلاة، والصيام، والزكاة فرضها على مراحل ودرجات؛ حتى انتهت إلى الصورة الأخيرة، فالصلاة فرضت أول ما فرضت ركعتين ركعتين، ثم أقرَّت في السفر على هذا العدد، وزيدت في الحضر إلى أربع، أعني: الظهر، والعصر، والعشاء.

والصيام فرض أولاً على التخيير، من شاء صام، ومن شاء أفطر، وفدى، أي: أطعم مسكيناً عن كل يوم يفطره، كما روى ذلك البخاري عن سلمة بن الأكوع (تهذيب التهذيب، ابن حجر، 4/ 150)، تفسيراً لقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] ثم أصبح الصيام فرضاً لازماً لكل صحيح مقيم  عذر له،{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].

والزكاة فرضت أولاً بمكة مطلقة غير محددة، ولا مقيدة بنصاب، ومقادير وحول، بل تركت لضمائر المؤمنين، وحاجات الجماعة والأفراد، حتى فرضت الزكاة ذات النصب والمقادير في المدينة.

والمحرمات كذلك، لم يأت تحريمها دفعة واحدة، فقد علم الله سبحانه مدى سلطانها على الأنفس، وتغلغلها في الحياة سواء على مستوى الأفراد، أو الجماعات. فليس من الحكمة منع الناس عنها بأمر مباشر يصدر لهم، إنما الحكمة إعدادهم ذهنيّاً، وعقليّاً، ونفسيّاً لتقبلها، وأخذهم بسنة التدرج في تحريمها؛ حتى إذا جاء الأمر الناهي عن الفعل؛ كانوا مسرعين في تنفيذه قائلين: سمعنا وأطعنا.

أولاً: الخمر:

ولعل أوضح مثال معروف في ذلك هو تحريم الخمر على مراحل معروفة في تاريخ التشريع الإسلامي؛ حتى إذا نزلت الآيات الحاسمة في النهي عنها من سورة المائدة، وفي ختامها: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ *} [المائدة: 91] قال المؤمنون في قوة، وتصميم: قد انتهينا يا رب! (الخصائص العامة للإسلام، يوسف القرضاوي، ص181)

وفي قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219].

يقول سيد قطب ـ رحمه الله ـ: وهذا النصُّ الذي بين أيدينا كان أول خطوة من خطوات التحريم، فالأشياء، والأعمال قد لا تكون شرّاً خالصاً، فالخير يلتبس بالشر، والشرُّ يلتبس بالخير في هذه الأرض، ولكن مدار الحِلِّ، والحرمة هو غلبة الخير، أو غلبة الشر، فإذا كان الإثم في الخمر، والميسر أكبر من النفع؛ فتلك علَّة تحريم، ومنعٍ؛ وإن لم يصرح هنا بالتحريم، والمنع.

هنا يبدو لنا طرفٌ من منهج التربية الإسلامي القرآن ي الرباني الحكيم. وهو المنهج الذي يمكن استقراؤه في الكثير من شرائعه، وفرائضه، وتوجيهاته، ونحن نشير إلى قاعدة من قواعد هذا المنهج بمناسبة الحديث عن الخمر، والميسر عندما يتعلق الأمر، أو النهي بقاعدة من قواعد التصور الإيماني أي: بمسألةٍ اعتقادية، فإن الإسلام يقضي فيها قضاءً حاسماً منذ اللحظة الأولى.

ولكن عندما يتعلق الأمر، أو النهي بعبادة وتقليد، أو بوضع اجتماعي معقد؛ فإن الإسلام يتريث به، ويأخذ المسألة باليسر، والتدرج، ويهيِّأئ الظروف الواقعة التي تيسر التنفيذ، والطاعة، فعندما كانت المسألة مسألة التوحيد، أو الشرك؛ أمضى أمره منذ اللحظة الأولى في ضربة حازمة جازمة لا تردد فيها، ولا تفلت، ولا مجاملة فيها، ولا مساومة، ولا لقاء في منتصف الطريق؛ لأن المسألة هنا مسألة قاعدة أساسية للتصور، لا يصلح بدونها إيمانٌ، ولا يقام إسلام.

فأما الخمر، والميسر؛ فقد كان الأمر أمر عادة وإلف، والعادة تحتاج إلى علاج، فبدأ بتحريك الوجدان الديني المنطقي التشريعي في نفوس المسلمين، بأن الإثم في الخمر والميسر أكبر من النفع، وفي هذا إيحاءٌ بأنَّ تركهما هو الأوْلى، ثم جاءت الخطوة الثانية بآية سورة النساء: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] والصلاة في خمسة أوقات، معظمها متقارب، ولا يكفي ما بينهما للسكر، والإفاقة! وفي هذا تضييق لفرص المزاولة العملية لعادة الشرب، وكسر لعادة الإدمان التي تتعلق بمواعيد التعاطي؛ إذ المعروف: أنَّ المدمن يشعر بالحاجة إلى ما أدمن عليه من مسكر، أو مخدِّرٍ في الموعد الذي اعتاد تناوله، فإذا تجاوز هذا الوقت، وتكرَّر هذا التجاوز فترة حد العادة؛ أمكن التغلب عليها… حتى إذا تمت هاتان الخطوتان جاء النهي الجازم الأخير بتحريم الخمر، والميسر (في ظلال القرآن (1/ 229)): {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *}[المائدة:90].

ولعل رعاية الإسلام للتدرُّج، هي التي جعلته يقضي على نظام الرقِّ الذي كان نظاماً سائداً في العالم كله عند ظهور الإسلام، وكان إلغاؤه يؤدي إلى هزة عنيفة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فكانت الحكمة في تضييق روافده، بل ردمها كلها ما وُجِدَ إلى ذلك سبيل، وتوسيع مصارفه إلى أقصى حد، فيكون ذلك بمثابة إلغاء الرق بطريق التدرج وهذه السنة الربانية في رعاية التدرج واضحة في كتاب الله دالةٌ على وسطيَّة القرآن ومعلم من معالم الحكمة والاعتدال، في تشريعات العليم الحكيم.

ولذلك يجب على الدعاة أن يراعوا سنة التدرج في سياسة الناس، فعندما يراد تطبيق نظام الإسلام في الحياة، وإعادة حياة في ظل شرع الله متكاملة من جميع النواحي؛ فلا نتوهم: أن ذلك يتحقق بجرَّة قلم، أو بقرار من رئيس الدولة، أو مجلس قيادة، أو برلمان.

إنما يتحقق ذلك بطريق التدرُّج المبني على تصور صحيح، واعتقاد سليم، نراعي الإعداد والتهيئة الفكرية، والنفسية، والأخلاقية، والاجتماعية، وهو نفس المنهاج الذي سلكه النبي (ص) لتغيير الحياة الجاهلية إلى حياة إسلامية، فقد ظل ثلاثة عشر عاماً في مكة، كانت مهمته فيها تنحصر في تربية الجيل المؤمن الذي يستطيع فيما بعد أن يحمل عبء الدعوة، وتكاليف الجهاد لحمايتها، ونشرها في الآفاق. (الوسطية، د. علي الصلابي، 561)

ثانياً: التدرج في تحريم الربا:

لقد كان من حكمة الله في تحريم الربا كما هو الشأن في تشريعاته: (التدرج في التحريم، والانتقال من التعريض، والتلويح إلى النص الصريح، ومن النهي الجزئي إلى النهي الكلي الحاسم).

وإليك البيان: لقد تناول القرآن الحديث عن الربا في أربعة مواضع، وكان أول موضع منها وحياً مكيّاً، والثلاثة الباقية وحياً مدنيّاً.

الموضع الأول: يقول سبحانه وتعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم:39].

الآية كما ترى موعظة سلبية، فقد قالت: إن الربا لا ثواب له عند الله، ولكن لم تقل إن الله ادخر لا كله والمتعامل به عقاباً بخلاف الزكاة، فلها ثوابها المضاعف عند الله، وفي هذا إيماءٌ إلى أن الربا غير مقبول عند الله.

الموضع الثاني: كان درساً وعبرة قصهما علينا القرآن من سيرة اليهود الذين حرم الله عليهم الربا، فأكلوه، فعاقبهم الله بمعصيتهم، ومن الواضح: أن هذه العبرة لا تقع موقعها إلا إذا كان من ورائها ضرب من تحريم الربا على المسلمين، ولكن إلى الان تحريمٌ بالتعريض، لا بالنص الصريح. قال عزَّ شأنه: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *}[النساء: 160 ـ 161] وفي هذا الموضع نصَّ القرآن على أن الربا كان محرماً في الديانة الموسوية التي هي أوسع الشرائع السابقة، وأكثرها عناية بالتشريعات، وهذا النص من شأنه أن يدع المسلمين في موقف ترقب، وانتظار لنهي يوجَّه إليهم قصداً في هذا الشأن. (حلول لمشكلة الربا، د. محمد أبو شهبة، ص28)

الموضع الثالث: قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ *وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *} [آل عمران: 130 ـ 132] وفي هذا الموضع جاء النهي الصريح عن الربا بعد التمهيدين السابقين في الموضعين، ولكنه لم يكن إلا نهياً جزئيّاً عن الربا الفاحش الذي يتزايد حتى يصير أضعافاً مضاعفة، وبهذا النهي عن الربا الفاحش تهيَّأت النفوس وأصبحت مستعدة لتقبل النهي العام الشامل لكل أنواع الربا قَلَّ، أم كثر، وهذا هو ما ورد في الآيات التي ختم بها التشريع في الربا.

الموضع الرابع: قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ *} [البقرة: 278 ـ 279].

خاطب الله المؤمنين بأشرف صفاتهم ـ وهو الإيمان ـ ليحملهم ذلك على تقوى الله، وترك ما بقي لهم من الربا قبل التحريم. وفي هذا الأمر تحريم مؤبد مؤكد، وإنذار قطعَ كلَّ الأعذار.

وبهذا تتضح وسطيَّة القرآن في التشريع في باب التدرج عند التحريم لشيء اعتاد الأفراد عليه، أو ألفوه في المجتمع، فالتدرج في التحريم وسط بين التحريم الفوري الذي لا ينسجم مع نفوس الناس وفطرتهم وما اعتادوه، وبين الإفراط، وهو ترك الناس على ما اعتادوه من فساد، وحرام لا يليق مع البشر السوي. (الوسطية، د. علي الصلابي، مرجع سابق، 562)

المراجع:

  • الوسطية في القرآن الكريم، د. علي محمد الصلابي، مكتبة الصحابة – الشارقة، 1422هـ – 2001م.
  • تهذيب التهذيب، ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، دائرة المعارف النظامية بالهند، الطبعة الأولى، 1325 هـ.
  • الخصائص العامة للإسلام، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1415 هـ – 1985م.
  • حلول لمشكلة الربا للشيخ محمد بن محمد أبو شهبة، مكتبة السنة، الدار السلفية لنشر العلم، الطبعة الثانية، القاهرة، 1409 هـ.
د.علي محمد الصلابي
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

في الذكرى العاشرة للمحاولة الانقلابية.. القره داغي يؤكد الوقوف مع الشرعية

في الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، نستحضر أن

الوسطية في فكر الإمام الشاطبي – دراسة مقاصدية (الحلقة الثانية)

منهج الشاطبي في الفتوى قائم على الوسطية والاعتدال الفتوى لغةً:

الهيئة الإسلامية في القدس تنعى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وتشيد بمواقفه الداعمة

أصدرت الهيئة الإسلامية في القدس، برئاسة الشيخ د. عكرمة سعيد

آخر المقالات

100%