آخر الأخبار

الوسطية في فكر الإمام الشاطبي – دراسة مقاصدية (الحلقة الثانية)

شارك المقال على:

منهج الشاطبي في الفتوى قائم على الوسطية والاعتدال

الفتوى لغةً: فهي الجواب عما يُشكل من المسالك الشرعية أو القانونية، والجمع: فتاوٍ وفتاوى ويقال أفتى في المسألة: أبان الحكم فيها، فالإفتاء هو إبانة الأحكام في المسائل الشرعية أو القانونية أو غيرها مما يتعلق بسؤال السائل، والمفتي: هو من يتصدر للإفتاء والفتوى بين الناس، وهو فقيه تعينه الدولة ليجيب عما يُشكل من المسائل الشرعية والجمع مفتون، ودار الفتوى: هي مكان المفتي، والفتيا هي الفتوى في المسألة المشكلة(1).

الفتوى شرعا: لا يختلف المعنى الشرعي للفتوى والإفتاء عن هذه المعاني اللغوية، فالفتوى: هي بيان الحكم الشرعي في مسألة من المسائل مؤيدا بالدليل من القرآن الكريم أو السنة النبوية أو الاجتهاد. وهى ضرورية للناس لأنهم لا يمكن أن يكونوا جميعا علماء بالأحكام، ولو انقطعوا لتحصيل ذلك حتى يبلغوا مرتبة الاجتهاد، لتعطل العمل وتوقفت الحياة فكان من رحمة الله تعالى بالأمة أن جعل منها علماء ومقلدين وأوجب على العامة من المقلدين أن يستفتوا العلماء فيما يجهلونه فقال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(2). وأوجب على العلماء أن يفتوهم ويجيبوهم ويبينوا لهم الأحكام فقال صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)(3).

ويجب على العامي أن يتوجه بالسؤال إلى من يثق بعلمه وعدالته فإذا جهل حاله كفاه أن يراه مشهورا بين الناس بذلك، ومع هذا لا تبرأ ذمته بالعمل بفتواه إلاّ إذا أطمأن قلبه إليها، فإذا كان يعلم أن الأمر في الواقع على خلاف الفتوى لم يبرأ من الإثم، وإن كان المفتي أعلم العلماء.

وعن مكانة المفتي ومسئوليته يقول الإمام الشاطبي: (المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم والدليل على ذلك أمور:

أحدها: النقل الشرعي في الحديث: (إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم)(4).

الثاني: أنه نائب عنه في تبليغ الأحكام، بقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب)(5). وقوله: (بلغوا عنى ولو آية)(6).

الثالث: أن المفتي شارع من وجه، لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقول من صاحبها وإما مستنبط من المنقول: فالأول: يكون فيه مبلغا، والثاني: يكون فيه قائما مقامه فى إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع.

وعلى الجملة، فالمفتي مخبر عن الله تعالى كالنبي وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي، ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي، ولذلك سموا أولى الأمر، وقرنت طاعتهم بطاعة الله تعالى ورسوله في قوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(7) ، والأدلة على هذا المعنى كثيرة)(8).

وتحصل الفتوى من المفتي من جهة القول كأن يسأل فيجيب، ومن جهة الفعل كأن يفعل ويقتدي به، ومن جهة الإقرار كأن يرى عملا من شخص فيقره عليه، ولا تصح الفتيا إذا خالفت مقتضى العلم سواء كانت قولا أم فعلا أم تقريراً. والمفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال(9).

فالداعية إلى الله تعالى المخلص لدينه الصادق مع ربه هو الذي يجمع ولا يفرق ويجعل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (يسروا ولا تعسروا) نصب عينيه فإن من منهج الداعية التيسير لا التعسير كما أرشدنا إلى ذلك الداعية الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث دعاة الإسلام إلى الأمصار يدعون الناس إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة(10).

ومن مستلزمات التوسط في أهلية الإفتاء ألا يقع المفتي تحت ضغط الواقع وتأثيره -سواء كان الواقع الذي يريده العامة أم الواقع الذي يريده السلطان- فينساق وراء دنياه رغبة أو رهبة، فتغدو مهمته تسويغ الأحكام والبحث عن المخارج والحيل، كما حكى الباجي عن بعض أهل زمانه: (أنه كان يقول: إن الذي عليَّ لصديقي إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه، وأخبرني من أثق به أنه وقعت له واقعة، فأفتاه جماعة من المفتين بما يضره وكان غائبا، فلما حضر، قالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى. قـال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين المعتد بهم في الإجماع أنه لا يجوز)(11).

ويلتحق بهذه الصفات المؤهلة لإفتاء لا شطط فيه ولا تفريط أيضا مراعاة أعراف الناس والتغيرات الطارئة على حياتهم؛ فلكل عصر مشكلاته، ولكل قوم طريقة ونمط في السلوك والخطاب. غير أن هاهنا قضية عمت بها البلوى في زمن (القرية الواحدة) رأيت التنبيه عليها، وهي ظهور الفتوى وشيوعها في القنوات الفضائية وفي شبكة (الإنترنت) فقد مضى الناس يسألون ويستفتون من كافة أقطار المعمورة ويأتيهم جواب واحد لجميعهم في القضية الواحدة وكثيرا ما تكون متصلة بالعرف أو المذهب السائد في البلد الذي ورد منه السؤال ولكن التسرع في الإفتاء(12) ، يجعل المفتي في غنى عن معرفة التفاصيل والسؤال عن عرف السائل!، وهو خطأ بيّن وتساهل مكشوف في أمر الدين، ومضيع لحقوق المسلمين، فليس بلازم إذا تسارع الزمن أن يتسرع المفتي فيحمل القاصي والداني على رأي واحد فيفرط أو يفرّط، بل الواجب التثبت في الفتوى والاستفادة من هذه الوسائل الحديثة حين يظهر للمفتي وجـه الحق ويهتدي إلى الصواب(13).

منهجه الوسطي قائم على التيسير ورفع الحرج مراعـاةً للمصالح

والمتتبع لفتاوى الإمام الشاطبي يجـده يكره التكلف والتعسـف، ويميـل إلى اليسـر والسماحة، ويظهر ذلك عندما سُئِل عن خلط أصفر الزعفران، وأصل الشعر بما ابيضّ منه، هل يكون ذلك من الغش أم لا؟(14)، فأجاب: (الذي ظهر لي على الجملة أنه لا يشك أنّ خلطه الأصفر في الزعفـران غش، وأما أصول الشعر، وهو الأبيض الذي ذكـرتم، فالأمـر فيه عنـدي خفيف، لأنـه يشبه عجـم التين، وعراجين الزبيب وما أشبه ذلك، فلا ضرر فيه، وإن قلتم: إنه يزيد في الوزن، فالزيادة يسيرة مع أن مثل ذلك لازم في الزبيب وغيره، ولا مقال فيه، وإنما قطع الأبيض عندي كتنقية الزبيب من عجمـه فمن فعله فحسـن، ومـن لا فلا حـرج، فإن رضيتـم بهذا النظـر من غير نـص استنـد إليه في المســـألة، وإلا فـأنتم أعلم)(15).

ونهـجُ الإمام الشاطبي التيسير والتخفيف في إفتائه لم يكن اعتباطا، وإنما هو اتجاه إلى التوسعة على الناس فيما لا يصادم نصا ثابتا محكما، ولا قاعدة شرعية فهو يسير مع النصوص والقواعد العامة الموافقة لروح الإسلام ومقاصده.

 ويرى أن اليسر والتسهيل في الشريعة ليس مطلقا وإنما هو مقيّد بما هو جار على أصولها، لذلك لا تصح الفتوى بما يوافق هوى السائل وشهوته، فيميل إلى تتبع الرخـص بإطلاق، وهذا مضـاد للـوسطية والاعتـدال، وفي ذلك يقـول: (لأن الحنيفية السمحـة إنما أتى فيها السّمـاح مقيّدا بما هو جـار على أصولها، وليس تتبع الرخـص ولا اختيار الأقـوال بالتّشهي بثابت من أصولها… ثم نقول: تتبع الرخص ميلٌ مع أهواء النفوس، والشرع جاء بالنهي عن اتّباع الـهوى فهذا مضادٌ لذلك الأصل المتفق عليه)(16)، ويضيف قائلا: (وهو أيضا مؤدٍّ إلى إيجاب إسقاط التكليف جملة، فإن التكاليف كلها شـاقة ثقيلة، ولذلك سميت تكليفا، من الكلفة وهي المشقة، فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكـليف تقتضي الرفـع بهذه الدلائل لـزم ذلك في الطهارات والصلوات، والزكوات… وغـير ذلك، ولا يقـف عنـد حـدّ إلا إذا لم يبـق على العبـد تكلـيف، وهذا مـحال)(17).

كما اتّسم منهجه بالتيسير ورفع الحرج مراعـاةً للمصالح، وهذا التصوّر لمنهج التشريع ربما لا يخفى من حيث المبدأ على من له إلمام بسيط بعلوم الشرع، فالإمام الشاطبي بملكته الإدراكية للنصوص الشرعية ومقاصد الشريعة استطاع أن يخرج بآراء تتفق والأهــداف العامة للتشريع القاضية بأداء كل ما طلبه الشــارع والامتناع عما نهى عنه بالقسط واليسر دون شطط ولا ظلم. وهذا التيسير والعدل في مفهوم الإمام الشاطبي لا يعني تغليب هـذا الجانب على الجوانب الأخرى التي يتطلب الأمر فيها التزام الحذر والشدة أحيانا كما إذا كان الأمر يتعلق بالابتداع في العقائد والعبادات…؛ بل المراد أن يكون التيسير بالقدر الذي لا يفضي إلى انخرام مقاصد الشريعة؛ وإلاّ لزم ارتفاع جميع التكاليف أو أكثرها. فهذا هو الطريق الوسط الذي جاءت به الشريعة.

تميّز منهجه في غالب فتاويه بالإسهاب والاستطراد بقصــد البيان والتوضيح وإظهار الحق، ومتى كان ذلك هو المقصود، فالإمام الشاطبي لا يحسن عنده تأخير البيان عن وقت الحاجة، و أحيانا يختصر الكلام في مسألة ما، لعدم مناسبة المقام أو لاشتهار الجواب عنها وهكذا…

كما اهتم الإمام الشاطبي بالتطبيق الفعلي لقواعد الفقه وأصوله كـقاعدة: (العبرة بالمقاصد والمعاني لا بألفاظ والمباني)، و(البيّنة على المدّعي واليمين عـلى من أنكـر)، وقــواعد الضرورة.. وغيرها، فكان حريصا على أن تظل القواعــد والأصول حية مطبّقة فعلا في ميادينها، ومتى كان كذلك فإنه يعطي لتلك المواد روحها، وتكون مفهومة واضحة في مجالها، وبهذه الطريقة تُفهم هذه الأصول والقواعد وتكون واضحة المعاني.

ومبدأ التخفيف والتيسير في العبادة من أجل المرض والسفر والجهاد مبدأ نزل به القرآن منذ مطلع فجر الإسلام في مكة، قال الله تعالى: (عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(18).

ويفهم اليسر بصورة أدق إذا تتبعنا التوازن والاعتدال في الأحكام الشرعية، والقاعدة في ذلك قول العلماء: (الأحكام الشرعية لا تعارف بتشديد غال ولا بترخص جاف، ولا بعلة توهم بالانقياد)(19). فلا يكون منهج الإنسان في فهم الأحكام الشرعية وتطبيقها البحث عن الأمور التي فيها رخصة وسهولة وقد قال العلماء: (لو تتبعت رخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله)، فلا ينبغي على المسلم ان يبحث عن سقطات العلماء وشواذ الفتيا ومرجوح الأقوال فيتخذ من ذلك مذهبا يدين به. كما انه لا ينبغي للمسلم أن يكون منهجه هو البحث عما فيه شدة.

لذا فإن من التفريط في الأحكام الشرعية تتبع الرخص في المذاهب أو تتبع أسهل الآراء فيها لمجرد التخفف من ثقل التكاليف، ولكن مع هذا نرى ان الشريعة الإسلامية قد بنيت على اليسر وكثرة الرخص، ولذلك فإن التوسط والاعتدال والتوازن هو الذي يرجح بين كفتي التشديد في الأصول والتيسير في الفروع. وما أروع وأحسن ما قاله الإمام الشاطبي في هذا الشأن: (فعلى هذا يكون الميل إلى الرخص في الفتيا بإطلاق مضادا للمشي على التوسط، كما أن الميل إلى التشديد مضادا له أيضا، وربما فهم بعض الناس ان ترك الترخص تشديد، فلا يجعل بينهما وسطا، وهذا غلط، والوسط هو معظم الشريعة وأم الكتاب، ومن تأمل موارد الأحكام بالاستقراء التام عرف ذلك، وأكثر من هذا شانه من أهل الانتماء إلى العلم يتعلق بالخلاف الوارد في المسائل العلمية، بحيث يتحرى الفتوى بالقول الذي يوافق هوى المستفتي بناء منه على ان الفتوى بالقول المخالف لهواه تشديد عليه وحرج في حقه، وان الخلاف إنما كان رحمة بهذا المعنى، وليس بين التشديد والتخفيف واسطة، وهذا قلب المعنى المقصود في الشريعة.. وقد تقدم ان إتباع الهوى ليس من المشتقات التي يترخص بسببها، وان الخلاف إنما هو رحمة من جهة أخرى وان الشريعة حمل على التوسط، لا على مطلق التخفيف، والا لزم ارتفاع مطلق التكليف من حيث هو حرج ومخالف للهوى، ولا على مطلق التشديد، فليأخذ الموفق في هذا الموضوع حذره، فانه مزلة قدم على وضوح الأمر فيه)(20).

وضابط الاعتدال أن العزيمة في موضعها أحب إلى الله تعالى وان الرخصة في موضعها أحب إلى الله تعالى. كما لا ينبغي أن يتوقف امتثال المسلم لأمر الله تعالى على إدراك العلة أو الحكمة، بل يكفي ان يعتقد اعتقاداً مجملاً ان الله تعالى لم يحل إلا طيباً ولم يحرم إلا خبيثاً ولم يشرع إلا لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها وعدم العلم بها لا ينفي وجوبها.

يقول الإمام الشاطبي: (المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال. والدليل على صحة هذا انه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة، فانه قد مر ان مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان من خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين.

أيضا فان هذا المذهب كان المفهوم من شان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأكرمين، وقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام التبتل، وقال لمعاذ لما أطال بالناس في الصلاة: (أفتان أنت يا معاذ؟)(21). وقال صلى الله عليه وسلم: (إن منكم منفرين)(22). وقال صلى الله عليه وسلم: (سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا)(23). وقال صلى الله عليه وسلم: (عليكم من العمل ما تطيقون، فان الله لا يمل حتى تملوا)(24)، وقال صلى الله عليه وسلم: (أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه وان قل)(25). ورد عليهم الوصال، وكثير من هذا.

وأيضا فان الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل، ولا تقوم به مصلحة الخلق، أما في طرف التشديد فانه مهلكة، وأما في طرف الانحلال فكذاك أيضا، لان المستفتي، إذا ذهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين وأدى إلى انقطاع عن سلوك طريق الآخرة، وهو مشاهد، وأما إذا ذهب هب مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى وإتباع مهلك)(26).

ثم قال رحمه الله: (قد يسوغ للمجتهد أن يحمل نفسه من التكليف ما هو فوق الوسط، بناء على ما تقدم في أحكام الرخص، ولما كان مفتيا بقوله وفعله كان له أن يخفي ما لعله يقتدي به فيه، فربما ما اقتدى به فيه من لا طاقة له بذلك العمل فينقطع، وان اتفق ظهوره للناس نبه عليه، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، إذ كان قد فاق الناس عبادة وخلقا، وكان صلى الله عليه وسلم قدوة، فربما اتبع لظهور عمله، فكان ينهى عنه في مواضع كنهيه عن الوصال، ومراجعته لعمرو بن العاص في سرد الصوم، وقد قال الله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأمر لَعَنِتُّمْ)(27)، وأمر بحل الحبل الممدود بين الساريتين، وأنكر على الحولاء بنت تويت قيامها الليل، وربما ترك العمل خوفا ان يعمل به الناس فيفرض عليهم، ولهذا والله اعلم أخفى السلف الصالح أعمالهم لئلا يتخذوه قدوة، مع ما كانوا يخافون عليه أيضا من رياء أو غيره، وإذا كان الإظهار عرضة للاقتداء لم يظهر منه إلا ما صح للجمهور ان يحتملوه)(28).

(1) المعجم الوسيط: 2 /673.

(2) سورة الأنبياء، الآية: 7.

(3) رواه الإمام أحمد في مسنده: 2/344، رقم (8514)، وأبو داود: رقم (3658)، والترمذي: رقم (2649) وقال: حسن. وابن ماجة: رقم (266)، والحاكم في مستدركه: 1/182، رقم (345)، والبيهقى فى شعب الإيمان: 2/275، رقم (1743).

(4) رواه أبو داود “3641” في أول كتاب العلم، وابن ماجة “223” في المقدمة: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، والدارمي: 1/98، وابن عبد البر في “جامع بيان العلم: 39 و40، والطحاوي في مشكل الآثار: 1/429، والبغوي “129”، وعبارة: (وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، ورَّثوا العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقاً يطلب به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة) أوردها البخاري في “صحيحه” في كتاب العلم، ضمن عنوان باب العلم قبل القول والعمل.

(5) رواه البخاري (67) في العلم باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (رب مبلغ أوعى من سامع)، و (105) في العلم باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، و(7447) في التوحيد باب قول الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ)، ومسلم (1679) في القسامة باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال50.

(6) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم (3274)، والترمذي في جامعه رقم 2806، في كتاب العلم، باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل، ثم قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).

(7) سورة النساء، الآية: 59.

(8) الموافقات: 4/162-163.

(9) المصدر نفسه: 4/163.

(10) التأصيل الشرعي لفقه الواقع، الشيخ محمد إبراهيم الهسنياني رحمه الله: 214.

(11) الاختلاف الفقهي في المذهب المالكي: 192.

(12) يدل عليه أنك نادرا ما تسمع أحدهم يقول: لا أدري!

(13) مناهج الفقهاء في التعامل مع الخلاف الفقهي: 34.

(14) فتاوى الإمام الشاطبي: 149.

(15) المصدر نفسه.

(16) الموافقات: 4/105.

(17) الموافقات: 4/108.

(18) سورة المزمل، الآية: 20.

(19) جامع بيان العلم وفضله: 2/92.

(20) الموافقات: 2/116.

(21) رواه الإمام أحمد في مسنده: 3/299 (14226)، تعليق شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، والبخاري، في: 78 كتاب الأدب: 74 باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلا، ومسلم “465” “178” في الصلاة: باب القراءة في العشاء.

(22) رواه البخاري في العلم، باب: الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره، ومسلم في باب: أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام (713)، والنسائي في العلم.

(23) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب الدين يسر، والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه باب الدين يسر.

(24) رواه البخاري في كتاب اللباس باب الجلوس على الحصير وغيره، فتح الباري: 10/386. ومسلم كتاب الصيام، باب صيام النبي صلى الله عليه وسلم في غير رمضان.. والملال كناية عن القبول او الترك او أطلق على سبيل المشاكلة، وهو فتور يعرض للإنسان من كثرة مزاولة شيء فيوجب الكلال والإعراض عنه وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن أحب الأعمال إلى الله ما دام)، أي استمر في حياة العامل وليس المراد حقيقة الدوام التي هي شمول جميع الأزمنة. لسان العرب: 13/49، مادة (ملل).

(25) رواه البخاري رقم (6100) بَاب الْقَصْدِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ، ومسلم رقم (782) في كتاب الصيام، باب صِيَامِ النبي صلى الله عليه وسلم في غَيْرِ رَمَضَانَ وَاسْتِحْبَابِ أَنْ لاَ يُخْلِىَ شَهْرًا عَنْ صَوْمٍ.

(26) الموافقات: 4/172.

(27) سورة الحجرات، الآية: 7.

(28) الموافقات: 4/174.

دحام إبراهيم الهسنياني
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

التدرّج والتيسير على المسلمين في التشريع الإسلامي

إن من أعظم مظاهر حكمة التشريع الإسلامي ومراعاته للعباد أنه

الاتحاد يعزي في وفـاة العلامة الشيخ علي سالم بكيـر باغيثان رحمة الله

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي

آخر المقالات

100%