آخر الأخبار

أمة وارثة أم موروثة؟

شارك المقال على :

أمة وارثة أم موروثة؟

الشيخ / محمد الغزالى

ولم يكن أعداء الإسلام نياماً ! لقد انتهزوا الفرصة ، وبلغوا ما بلغوا…!! وأحب أن أحدد الأوضاع السليمة لعلاقاتنا بديننا ، كما أحب أن أحدد الأوضاع السليمة لعلاقتنا بدنيا الناس..

إن أولي الألباب يرفضون أن تكون العودة إلى الإسلام عودة إلى الأيام العجاف من تاريخه، ويرفضون أن تكون هذه العودة امتداداً لتعصب في فقه الفروع ينصر مذهباً على مذهب أو قولاً على قول مع تجاهل الآثار الاجتماعية لهذا التجميد.

إن الإسلام دين مضبوط الأصول محكم الشرائع، ولا نقبل أن يعبث به المعلولون ووعاظ السلاطين، هواة الاستبداد السياسي، دين مضبوط الأصول محكم الشرائع .

أما صلتنا بالدنيا فيجب أن تتسع دائرتها إلى أبعد الحدود ، وأن نهجر أخطاءنا إلى صواب غيرنا، وألا نستحي من التعلّم والاقتباس، وأن نحث الخطى إلى الأحسن حيث كان في شرق أو غرب..

إنني شخصياً أستحسن نظام المائدة الغربي على نظامنا الشرقي ، وأرى كثرة الأطباق والأكواب والملاعق أفضل من طبق واحد وكوب واحد، وأستغرب إقحام الإسلام في هذا الشأن التافه..

وفي ميدان الوسائل المرنة للأهداف الثابتة أرى أن خدمة مبدأ الشورى بالوسائل الغربية أفضل من خدمته بالوسائل العربية…

أما في ميادين الزراعة والصناعة فإن تخلفنا البادي يفرض علينا أن نكون تلامذة ، وأن نطلب هذه العلوم من الغرب أو الشرق على سواء…

ومحمد علي باشا ـ رأس الأسرة المالكة السابقة ـ لم يخطئ حين أرسل البعوث إلى أوربا لنقل تفوقها الصناعي والعلمي، وإنما أخطأ أفحش الخطأ حين جعل ذلك لخدمة أطماعه في إقامة دولة علوية، يملك فيها مصر هو وأسرته من بعده. كما أخطأ حين تجاهل الإسلام، ورنا ببصره إلى فرنسا ينقل منها التشريع والتقاليد..

وخطيئة محمد علي باشا تبعه فيها زعماء معاصرون يدَّعون التقدمية ، وأدباء صحافيون من أمثال طه حسين، ورؤساء ثورات عسكرية ظاهرها التحرر، وباطنها التبعية الكافرة للغرب الصليبي أو الشرق الشيوعي..

من قال: إن تصحيح أخطائنا المدنية يتطلب ترك الإسلام؟ إن هذا منطق العاملين لمصلحة إحدى الجبهتين الكبيرتين، وليس منطق العاملين لأمتهم بأية حال…

نحن نرفض استيراد الإلحاد والتحلل باسم استيراد العلم والمدنية! ما علاقة هذا بذاك ؟

جهدنا يتوزع على جبهتين متوازيتين، إحداهما تقوم على تصحيح الوعي الديني والأخرى تنعشنا من الإغماءة الطويلة التي غبنا فيها عن الدنيا ، فبقينا فى موضعنا وغزا غيرنا الكواكب..

وأعرف أن الغزو الثقافي سوف يحاول مخادعتنا عن عقائدنا وشرائعنا ، وربما ظن أنه يبيعنا تقدمه الصناعي باستلاب تراثنا كله ، وتحويل المسلمين إلى شعوب باحثة عن الطعام والجنس ، زاهدة في الوحي الذي شرفها الله به… ودون هذا الموت.

وقد وضع الأستاذ خلدون حمادة أربعة شروط للاستفادة من الحضارة الغربية ، ختم بها محاضرته التي أشرنا إليها، ونرى إثباتها هنا :

1ـ يجب أن يتم الاقتباس بشكل إرادىٍّ واع ، وعن طريق الانتقاء لما يلائمنا، فنأخذ ما نراه أوفق لنا وندع غيره ، ونضع ما نقتبسه في مكانه الصحيح من حياتنا .

2 ـ ولنعلم أن الاقتباس يتم لمصلحة المقتبس لا لترسيخ قدم المقتبس عنه ، وتمكينه من أعناقنا، كما يأمل الاستعمار الثقافي.

3ـ أن يقع ذلك على جرعات متراخية ، ونظام رتيب ييسر النفع ويمنع الأزمات الحضارية ، والاختناقات الاجتماعية ، وعقد النقص التي قد تعتري المقتبسين.

4ـ ولا بأس بين الحين والحين أن نراجع ما قلنا وما أفدنا، وأن نحسب مدى الربح والخسارة في هذا التلاقي الحضاري ، وذلك على ضوء ما نقدس من كتاب ربنا وسنة نبينا.

لقد سبقتنا اليابان إلى هذا اللون من الاقتباس ونجحت. واستطاع الشيوعيون أن يستفيدوا من العلم الغربي ، مع بقائهم أعداء للرأسمالية الغربية ، واستطاع الأوربيون في العصور الوسطى أن يأخذوا العلم عن آبائنا ، فأخذوا كل شيء ، ونقلوا إلى بلادهم مكتبات ملأى بنفائسنا ، وأحسنوا الانتقال إلى عصر الإحياء… ثم استداروا إلينا ليستعبدونا…

ونحن يجب أن ندفع ضريبة تكاسلنا ، وما يفكر في الانتحار الأدبي إلا أحمق.. والناس تقسم طلاب الإصلاح في عصرنا إلى قسمين :

المحافظين على القديم والمتطلعين إلى الجديد ـ وهذه قسمة ساذجة ـ وقبل أن نعترف بها نريد أن نسأل المحافظين: ما الذي تحتفظون به؟ ما كل قديم يستحق البقاء! ونسأل المتطلعين إلى الجديد: ما الذي تريدون اقتباسه أو نقله ؟ فما كل جديد يستحق الاحترام !

إن ولاء المسلم لشيء واحد ، هو الوحي الأعلى ! أما ما ألقاه الشيطان فى هذا الوحي فهو دبر آذاننا وتحت أقدامنا ، وسيتحقق فيه الوعد الإلهي (فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) . وكذلك ما استحدثه فلاسفة المذاهب الحديثة وزاحموا به الإسلام فى دياره ، منتهزين غفلة أهله وجمود فقهائه وزيغ ساسته إن هذا كله لا قيمة له ، ولا يصرفنا عن كتاب ربنا وسنة نبينا…!!

والفزع الذي أشعر به هو من الصور المنكرة التي يعرض بها الإسلام في أحيان شتى…

الغزو الثقافي يمتد في فراغنا

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ (مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ

لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد تنظم ندوة دولية بعنوان «هجرة النبي ﷺ: بناء وتجديد»

تنظم لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ندوة

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

100%