منح الاسلام أهميةً عظيمةً لحرية الرأي لأنّها المرتكز الأساسي من القواعد الشرعية،ولأنّ حرية الرأي تُجلي الحقائق وتُظهرها في النّهاية على الرغم من الأهواء والتزييف وقلب الحقائق،خاصةً في هذا العصر الذي تطورت فيه وسائل المعرفة والاتصال بشكل سريعٍ وفعّال وانتشرت فيه الثقافة عِبر دول العالم كلها، وزادت فيه وسائل التَعَلُمِ والتعليم بين مختلف الشعوب
على الكرة الأرضية.
ونشأت أهمية حرية الرأي في الشريعة الإسلامية من كون الإسلام دعوة إنسانية عالمية يجب إبلاغها وإيصالها لكل عقل
إنساني في هذا العالم، فمجال عمل الإسلام هو الجنس البشري قاطبةً، وبدون حرية الرأي لا يمكن أن تتخذ الدعوة الإسلامية سبيلها إلى عقول شُعوب العالم والنّاس أجمع، فإعلان الدعوة الإسلامية وطرح أفكارها ومبادئها الرئيسة
يقتضي بداهةً حرية الرأي عند الطرفين، عند الداعية المسلم، وعند الطرف الثاني مهما كان فكره واعتقاده.
وقد جاءت الشريعة بِعِدَةِ قواعد عامة أعطت حرية الرأي مكانها الرفيع بين سائر الحقوق والحريات بشكل متميز عن الفقه الوضعي الذي يقتصر على وضع النص، ثم يترك للناس والسلطة إمكانية تطبيقه وملائَمته مع الواقع،ومن أهم هذه القواعد النقاط التالية:
أولاً: حتى يكون للإنسان رأي، فلا بد أن تكون له شخصية بادىء ذي بدء حتى يستطيع تَكوِين هذا الرأي، خاصةً في القضايا العامة التي تكون إحدى السلطات طرفاً فيها، وقد حث الإسلام الفرد على أن تكون له شخصيتهُ المستقلة بصورة مباشرة،فقد جاء في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام:(لا يكن أحدكم إمعة،يقول: إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت..)[ أخرجه الترمذي].
فالحديث يدل دلالة مباشرة على طلب تَكوِين الشخصية المستقلة القادرة على خَلق الرأي بمعزل عن التأثر بالنّاس وآرائهم.
ثانياً: إنّ إبداء الرأي في القضايا العامة يحتاج أيضاً إلى جرأة، والجرأة والشجاعة تكفلهما التربية الإسلامية الصحيحة من خلال التحرر الوجداني والعبودية التي تعني فك ارتباط الإنسان بكل المؤثرات الجوهرية في هذه الحياة، وربط هذا الإنسان بخالقه صاحب القدرة الحقيقية على التأثير، فهذا المفهوم يعطي الشجاعة في مواجهة الفقر، وفي مواجهة السلطان، وفي موجهة الموت، وفي مواجهة الاغراءات التي لا نهاية لها في هذه الحياة.
ثالثاً: طلب الله تبارك وتعالى أن يكون الرأي موضوعياً عملياًوبشكل حاسم:
قال تعالى:( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى)[الأنعام:152].
وقال تعالى:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً)[ الأحزاب: 70].
فالرأي يجب أن يكون مطابقاً للحقيقة حتى يكون عادلاً، ويجب أن يكون محايداً حتى تتوفر فيه العدالة، والعدالة والحقيقة والحياد والسداد هي
عناصر الموضوعية التي تتطلبها الشريعة في الرأي،فحرية الرأي في النهاية هدفها البِناء ووضع الأمور في نصابها الصحيح، وليس هدفها الظاهر النقد تحت ستار إبداء الرأي لأجل تحقيق مكاسب رخيصة، وليس المقصود منها مجرد إبداء الرأي
مهما كان بقصد استغلاله سياسياً مع هذه الفئة أو تلك، فالحكمة والسداد والعدل وقول الحقيقة هي من صفات حرية الرأي في الشريعة الإسلامية.
وحتى يُمكن توفر السداد في الرأي لا بد أن يتوفر قبله تأكد الفرد من عمله فيما يقول ويبدي من رأي، فالمعرفة والعلم بالموضوع والتأكد من ذلك هو موضوع الآية الكريمة:( ولا تَقفُ ما ليس لك به علم)[الإسراء:36].
