آخر الأخبار

فضائل ليلة القدر وكيفية إحيائها

شارك المقال على :

فضائل ليلة القدر وكيفية إحيائها

انطلاقا من سورة القدر

قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ﴾ [القدر: 1- 5].

مقدمة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ وبعد:

فيقول الفقير إلى عفو ربه بلّغه الله السؤدد والأمل، وألهمه السداد وصالح العمل: إنها السورةُ التي شغلتْ العلماءَ مفسرين ولغويين، وأرباب البيان ورافعي لواء البرهان والعرفان، في البحث عن المخبوءات اللطيفة، والكنوز البلاغية المنيفة، والأسرار الإشارية، والأبعاد المقاصدية؛ لتضمنها ليلة القدر، الساطعة كتمام البدر، تلك الجوهرة الثمينة المنجية من خضم البحر والسفينة، التي يتسابق للظفر بها الصائمون، ويتنافس في التنقيب عنها القائمون؛ فهي ليست مجرد ليلة عادية، ولا فترة زمنية ماضية، أو تعدل سائر الليالي، ولكنها خير من الجواهر واللآلي، لم يقل الله مثل ألف شهر؛ بل هي أفضل في الأجر! إنها إذًا لوحة ربانية، تتلألأ فيها المعاني السامية، وهي ليلة البركات، تتضاعف فيها الأفضال والمكرمات؛ ما يدعو المكلفين للجد، والله من وراء القصد!

يا ليل قيامك مدرسة ** فيها القرآن يُدرسني

معنى الإخلاص فأَلْزَمه ** نهجًا بالجنة يُجلسني

 ويُبصرني كيف الدنيا ** بالأمل الكاذب تغمسني

 فأُباعدها وأُعاندها ** وأُراقبها تتهجسني

فأشدُّ القلب بخالقه ** والذكر الدائم يحرسني

الصورة بإجمال:

إنَّ هذه السورة من سور المفصل القصيرة، المُكوَّنة من خمس آيات، وثلاثين كلمة، ومائة وأربعة عشر حرفا، كأنها عقود الجُمان في سبكها وترصيعها ونظمها؛ جاءت إحاطتها بكل ما يخص هذه الليلة: من شرفها، وأحوالها، وما نزل فيها من هدايات الوحي، وتنزُّل الملائكة، وما يحدث فيها من مقادير العباد. وعلى قصر آيها تجلى فيها الإعجاز البياني في تأليفها العجيب، ونظْمها البديع؛ وإن أسلوبها على قلة حروفها يَجرِي على نسقٍ واحد من السموِّ في جمال اللفظ وبنائه، وعمق المعنى ومغزاه، ودقَّة الصياغة، وروعة التعبير. وهذه إطلالة تستطلع بعض تلكم الأسرار مع بيان الأحكام والحِكَم ذات العلاقة بصلب السورة!

يقول سيد قطب: "الحديث في هذه السورة عن تلك الليلة الموعودة المشهودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وابتهال. ليلة الاتصال المطلق بين الأرض والملإ الأعلى. ليلة بدء نزول هذا القرآن على قلب محمد – صلى الله عليه وسلم – ليلة ذلك الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته، وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشرية جميعا"[1].

هل ورد للسورة نظير في القرآن؟

لم يرد لها نظير في كتاب الله اللهم إلا ما جاء في مطلع سورة الدخان؛ حيث سمى الله تعالى الليلة بالمباركة، وزاد في نعتها بأنها ليلة التقدير والتدبير، وتوزيع أقدار العام بأمر من الله سبحانه؛ فقال سبحانه: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان: 1- 6].

هل هي مكية أم مدنية؟

وهي مدنية في قول أكثر المفسرين. ذكره الثعلبي، وحكى الماوردي عكسه. هذا وقال القرطبي: وهي مدنية في قول الضحاك، وأحد قولي ابن عباس. وذكر الواقدي أنها أول سورة نزلت بالمدينة[2]. وقال ابن كثير: تفسير سورة القدر وهي مكية[3].

ولما كان من معايير القرآن المدني وضوابطه عنايته بالتشريعات؛ فلا أرى تشريعا في سورة القدر أعظم من صيام شهر رمضان الذي أشيد بذكر ليلة من أفضل لياليه؛ وهي خير من ألف شهر، وفيها تنزل القرآن، وأن الملائكة والروح تنزلوا فيها، وأنها سلام حتى مطلع الفجر، وأن ليلتها وليالي العشر التي نتحراها فيها وكلها من الشهر الفضيل؛ ما يجعلني أرجح كونها سورة مدنية!

ووجدت ابن عاشور ألمع إلى هذا في قوله: "وقال الواقدي: هي أول سورة نزلت بالمدينة ويرجحه أن المتبادر أنها تتضمن الترغيب في إحياء ليلة القدر، وإنما كان ذلك بعد فرض رمضان بعد الهجرة"[4].

أول نزول القرآن كان بالليل:

والآية صريحة في أن الآيات الأول من القرآن نزلت ليلا وهو الذي يقتضيه حديث بدء الوحي في الصحيحين لقول عائشة فيه: "فكان يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد"[5] فكان تعبده ليلا، ويظهر أن يكون الملك قد نزل عليه إثر فراغه من تعبده. وأما قول عائشة  "فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده"[6]؛ فمعناه أنه خرج من غار حراء إثر الفجر بعد انقضاء تلقينه الآيات الخمس، إذ يكون نزولها عليه في آخر تلك الليلة وذلك أفضل أوقات الليل كما قال تعالى: ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾[7].

لماذا سميت سورة القدر؟

تسمى في المصاحف" سورة القدر" وسماها ابن عطية في تفسيره وأبو بكر الجصاص في أحكام القرآن "سورة ليلة القدر". "سورة ليلة القدر" وأسميها "سورة القرآن"؛ علمًا أن السورة تسمى بما تبتدئ به كطه والكافرون والضحى، أو بما تتفرد به وتتميز كالبقرة والمائدة، أو بشيء فيها على قدر من الأهمية! وهذه مرجحات تسميتها بالقدر:

  • سميت سورة القدر؛ لأنها ابتدأت بذكر ﴿القدر﴾؛ وكثيرا ما تسمى السور بما تبتدئ به.
  • كما أنها سميت بما تفردت به واختصت به؛ وهي مفردة في خصائص ليلة القدر وأفضالها!
  • سميت بذلك لأنه سبحانه أنزل فيها كتابا ذا قدر، على رسول ذي قدر، على أمة ذات قدر!
  • لأنه ينزل فيها ملائكة ذوو قدر وخطر "جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت".
  • لأن الله تعالى ينزل فيها الخير والبركة والمغفرة؛ ولما قدره الله تعالى فيها من الرحمة على المؤمنين.
  • وسميتها "سورة القرآن"؛ لأنها تتحدث عن إنزال القرآن في ليلة شريفة ذكر الله أوصافها في هذه السورة بناء على أن القرآن هو الذي أضفى عليها هذا الرونق والعظمة والشرف وقد احتفت بذكر القرآن في السورة التي قبلها والسورة التي بعدها!

لماذا سميت ليلة القدر؟

وسميت ليلة القدر، لعظم قدرها وفضلها عند الله، ولأنه يقدر فيها ما يكون في العام من الأجل والأرزاق والمقادير القدرية، ويمكن اختصار أسباب التسمية مع شيء من التعليق وفق الآتي:

القول الأول: من القدر وهو الشرف والعظمة:

  • سميت ليلة القدر من "القدر" وهو الشرف والعظمة كما تقول: "فلان ذو قدر" أي: صاحب عظمة، وذو شرف؛ وذلك ينعكس على عظم شأنها وقدرها والشرف العظيم المختص بها؛ وهذا يتناسب مع قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: 67]، أي: ما عظّموا الله حق عظمته؛ وهي ليلة ينبغي أن نقدرها حق قدرها، وأن نعظمها بما لا يتم الإحياء إلا به.
  • ثم لأن القرآن الكريم نزل فيها، فارتفعت مكانتها وقدرها بنزول كتاب الله فيها.
  • سُمّيت بذلك للقدْر العظيم الذي يحظى به من قامها، فينال بذلك قدرًا لم يكن ناله قبلها، وترفعه شرفًا عند الله تعالى، فعمل العبد فيها ذو قدرٍ عظيم.

القول الثاني: من القدَر وهو ما قدره الله وقضاه:

وقيل: سميت نسبة للقدَر وهو الركن السادس من أركان الإيمان، نؤمن بالقدر خيره وشره؛ وناسب أنها ليلة يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، فيكتب فيها ما سيجري في ذلك العام، وهذا من حكمة الله عز وجل وبيان إتقان صنعه وخلقه؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ﴾ [الدخان: 4- 5]. أي تقدّر في تلك الليلة مقادير الخلائق على مدى العام، فيكتب فيها الأحياء والأموات والناجون والهالكون والسعداء والأشقياء والعزيز والذليل والجدب والقحط وكل ما أراده الله تعالى في تلك السنة. والمقصود بكتابة مقادير الخلائق في ليلة القدر أنها تنقل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ.

عن ابن عباس قال: يكتب من أم الكتاب ما يكون في السنة من رزق ومطر وحياة وموت، حتى الحاج. قال عكرمة: يكتب حاج بيت الله تعالى في ليلة القدر بأسمائهم وأسماء آبائهم، ما يغادر منهم أحد، ولا يزاد فيهم. وقال قتادة: "يُبرم في ليلة القدر في شهر رمضان كل أجل وعمل وخَلْق ورِزق، وما يكون في تلك السنَة".

عن مجاهد ﴿ليلة القدر﴾: ليلة الحكم؛ عن سعيد بن جُبير: يؤذن للحجاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد، ولا يُزاد فيهم، ولا ينقص منهم.

القول الثالث: من القدر وهو التضييق:

 وقيل: القدر التضييق، قال تعالى: ﴿وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه﴾ [الفجر: 16]، أي من ضيق عليه في رزقه، ومنه ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الإسراء: 30]. والقدر هنا التضييق مقابل البسط.

وأما عن معنى التضييق فيها ووجه المناسبة من خلال الآتي:

  1. إن مصدر الضيق في الليلة المباركة يرجع لإخفائها عن العلم بتعيينها، وهذا مُكلِّف في عناء البحث عنها والتماسها، وتحريها مع وجود أدلة كثيرة وعلامات على وجودها!
  2. أو لأن الأرض تضيق بالملائكة؛ لكثرتهم فيها تلك الليلة؛ بكلمة: سميت ليلة القدر بسبب أن الأرض تضيق بالملائكة التي تنزل في هذه الليلة لكثرتهم.

تناسب السورة مع ما قبلها:

جاءت سورة القدر بعد سورة العلق ﴿اقرأ﴾؛ ولا تخفى هنا العلاقة وتأمل معي الآتي:

  • كأنه إماء إلى أن الضمير في أنزلناه يعود إلى القرآن الذي ابتدئ نزوله بسورة العلق[8].
  • بدأت سورة ﴿اقرأ﴾ بقوله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ وهي أول ما أنزل من القرآن، فالعلاقة أن هذا القرآن المطلوب قراءته؛ هو الذي أنزل في هذه الليلة ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ ﴾؛ وإن من عبادات هذه الليلة قراءة القرآن؛ لأن الله وصف به هذه الليلة المباركة، ووصف به الشهر كله ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، وكأني أقرأ بالتسلسل: "اقرأ القرآن الذي أنزل في ليلة القدر".
  • أو إذا أطلقنا معنى ﴿اقرأ﴾ دون التقيد بكتاب معين، فالله طلب منا أن نقرأ. ونحن نقول متسائلين: ما الذي نقرأه يا ربنا؟ وما أولى ما نقرأه؟ فتأتي السورة؛ لتبين الجواب المبين على أنه القرآن الكريم والكتاب المسطور المنزل في هذه الليلة المباركة: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ ﴾.
  • ثم إن آخر سورة العلق ختمها الله بالدعوة إلى الاقتراب والسجود فقال: ﴿كَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب۩﴾ ونفتح السورة بعدها سورة القدر؛ فنجدها حقا وصدقا ليلة السجود والاقتراب؛ إذًا أمرنا بالاقتراب والسجود؛ وبين لنا أن ليلة القدر هي ليلة السجود والاقتراب.
  • ثم إن المقصود من السجود والاقتراب هو الرحمة التي يفتقر إليها العباد، فإن العمل -مهما كثر- لا يغني عن رحمة الله، وإن النبي r حين قال: "لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ قالوا: ولا أنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: لا، ولا أنا، إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بفَضْلٍ ورَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وقارِبُوا، ولا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ: إمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أنْ يَزْدادَ خَيْرًا، وإمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أنْ يَسْتَعْتِبَ"[9]. فيكون التماس هذه الرحمة وترجيها في هذه الليلة المباركة بما فيها من أفضال أولاها القرآن الموسوم بالرحمة، والزمان المتألق برحمة القرآن في هذه الليلة، علاوة على تنزل الملائكة يتقدمهم جبريل، وأنها رحمة ممتدة حتى مطلع الفجر. وقد جاء في حكم ابن عطاء الله السكندري: "من علامات الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل" فنحن أحوج ما نكون إلى رحمة الله رغم تقديم العمل بشروط قبوله.

تناسب السورة مع ما بعدها:

  1. لقد نزلت سورة البينة وكأنها بيان لما خفي في سورة القدر؛ حين تحدث الله تعالى في سورة ﴿القدر﴾ عن إنزال القرآن لاحظنا أنه لم يذكر المنزِل ولا المنزَل عليه فاكتفى بقوله: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ﴾. ولكن في السورة التي تليها مباشرة وهي سورة البينة تكفلت ببيان ذلك كله فقال سبحانه: ﴿رَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ فِيهَا كُتُبٞ قَيِّمَةٞ﴾ [البينة: 2- 3]؛ وذلك وفق الآتي:
  • وقد وضحت المنزِل بأنه الله جل جلاله في قوله: ﴿رَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ سبحانه.
  • ووضحت المنزَل عليه؛ وهو رسول الله محمد r، ﴿رَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ r.
  • ووضحت المنزَل؛ وهو القرآن بقوله: ﴿يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ فِيهَا كُتُبٞ قَيِّمَةٞ﴾.
  1. وقد نزلت سورة البينة وكأنها تعليل لسورة القدر وقصيد لها؛ بمعنى وقعت موقع التعليل منها؛ أي: لما أنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ﴾ قيل: لمَ أنزل؟ فجاء الجواب على أنه لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين عن كفرهم؛ حتى تأتيهم البينة، وهو ﴿رَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ فِيهَا كُتُبٞ قَيِّمَةٞ﴾.

كيف أنزل القرآن في ليلة القدر؟

حين نقلب كتب التفسير نرى آراء مختلفة حول تنزل القرآن الكريم في ليلة القدر أو في ليلة مباركة، هل ينطبق على القرآن جملة، ونحن نعلم أن القرآن أنزل نجوما متفرقات في غضون ثلاث وعشرين عاما!؟ وقد نزل القرآن:

  • إما جوابا على سؤال.
  • أو جوابا على حدث.
  • أو ابتداء دون تقيد بسبب.

فكيف ينزل في ليلة القدر أو ليلة واحدة!؟

هذا ما نحاول الإجابة عنه في ذكر توجيهات العلماء وتخريجاتهم الكثيرة لكني أختزلها في ثلاثة أقوال:

القول الأول: ابتداء إنزاله في ليلة القدر:

وذلك أن الله تعالى، ابتدأ بإنزاله في رمضان في ليلة القدر، ورحم الله بها العباد رحمة عامة، لا يقدر العباد لها شكرًا. وقد كانت الليلة التي أنزل فيها القرآن على النبي r مباركة وهو يتحنث في غار حراء بمكة المكرمة.

القول الثاني: إنزاله جملة واحدة في ليلة القدر:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ اللَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ شَيْئًا أَحَدَثَهُ»[10]. بمعنى: نـزل القرآن في ليلة من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فُرِّق في السنين؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، قَالَ: «رُفِعَ إِلَى جِبْرِيلَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ جُمْلَةً، فَرُفِعَ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ جَعَلَ يَنْزِلُ تَنْزِيلًا»[11].

القول الثالث: المقدار الذي أنزل:

ويجوز أن يكون الضمير عائدا على المقدار الذي أنزل في تلك الليلة وهو الآيات الخمس من سورة العلق؛ فإن كل جزء من القرآن يسمى قرآنا، وعلى كلا الوجهين فالتعبير بالمضي في فعل أنزلناه لا مجاز فيه. وقيل: أطلق ضمير القرآن على بعضه مجازا بعلاقة البعضية[12].

لماذا إضمار القرآن في ﴿إنا أنزلناه﴾؟

لقد أورد الباري سبحانه ذكر القرآن هنا بضمير الهاء ﴿أنزلناه﴾ دون إظهاره؛ "وفي الإتيان بضمير القرآن دون الاسم الظاهر إيماء إلى أنه حاضر في أذهان المسلمين لشدة إقبالهم عليه؛ فكون الضمير دون سبق معاد إيماء إلى شهرته بينهم"[13].

والسر أنه نور لا يخفى على من أنار الله قلبه بنور القرآن، علمًا أن نور القرآن، هو النور المبين وحبل الله المتين؛ الذي تكلم به نور السماوات والأرض، رب العالمين، أنزله على قلب النور الساطع والبدر الماتع الموصوف بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45- 46]، وبواسطة جبريل أمين الوحي الذي خلق والملائكة من نور ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]. والعجيب أن هذه الأنوار تبقى مضيئة لهذه الليلة -ليلة القدر- من غروب الشمس إلى غاية طلوع نور الفجر؛ فهي إذن نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء.

وإنه رغم إضمار القرآن لكنه يعلم بما في السياق من قرائن محتفة به ودالة عليه، "فكان متى أضمره علمه المخاطب بما في السياق من القرائن الدالة عليه، وبما له في القلب من العظمة وفي الذهن من الحضور لا سيما في هذه السورة لافتتاح العلق بالأمر بقراءته، وختمها بالصلاة التي هي أعظم أركانها، فكانت دلالتها عليه دلالة هي في غاية الوضوح، فكان كأنه قال: واقترب بقراءة القرآن في الصلاة، فكان إضماره أدل على العظمة الباهرة من إظهاره، لدلالة الإضمار على أنه ما تم شيء ينزل غيره فهو حيث لا يحتاج إلى التصريح به، قال مفخما له بأمور:

  • إضماره،
  • وإسناد إنزاله إليه،
  • وجعل ذلك في مظهر العظمة،
  • وتعظيم وقت إنزاله المتضمن لعظمة البلد الذي أنزل فيه على قول الأكثر[14].

لماذا ورد بصيغة الغائب؟

لماذا ورد القرآن بصيغة الغائب؟ ولم يرد بصيغة "إنا أنزلنا القرآن" مثلًا؟ فكيف عرفنا أن الحديث هو حقيقة عن القرآن الكريم؟

لقد عرفنا ذلك لأنه كان بمثابة الشمس المضيئة التي لا يخفى ضوؤها، والتي ملكت قلوب المؤمنين، وشغلت بال الناس مؤمنهم وكافرهم؛ وهو النبأ العظيم والفرقان المبين. ولما كان القرآن بهذه العظمة تحدث عنه النص الكريم بصيغة الغائب في إشارة إلى أنه حاضر في قلوب المؤمنين جميعهم؛ وهو مصدر السعادة ومهيع النجاة؛ فلا يمكن البتة أن يشغل قلوبهم عنه شيء مهما كان؛ لأنه النور المبين وحبل الله المتين.

قال الامام الشاطبي: "هو في علوه دانٍ، وفي دنوه عالٍ"[15].

تفضيل الأوقات لأجل ما كان فيها:

جَاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إلى عُمَرَ، فَقالَ: يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ آيَةٌ في كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا، لو عَلَيْنَا نَزَلَتْ، مَعْشَرَ اليَهُودِ، لَاتَّخَذْنَا ذلكَ اليومَ عِيدًا، قالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قالَ: ﴿الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ علَيْكُم نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، فَقالَ عُمَرُ: إنِّي لأَعْلَمُ اليومَ الذي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكانَ الذي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ علَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بعَرَفَاتٍ في يَومِ جُمُعَةٍ[16]. وصار عيدين: عيدا من جهة كونه في عرفة وعيدا من جهة كونه في جمعة!

ولما نزل القرآن في هذه الليلة المباركة حلت فيها البركات وتألقت وازدانت، لا أن الليلة زاد وقتها وتفاضلت بنفسها؛ فهي كباقي الليالي، يعض الفضل والأجر الحاصلان فيها!

قال ابن عاشور: "وتفضيلها بالخير على ألف شهر، إنما هو بتضعيف فضل ما يحصل فيها من الأعمال الصالحة واستجابة الدعاء ووفرة ثواب الصدقات والبركة للأمة فيها؛ لأن تفاضل الأيام لا يكون بمقادير أزمنتها ولا بما يحدث فيها من حر أو برد، أو مطر، ولا بطولها أو بقصرها؛ فإن تلك الأحوال غير معتد بها عند الله تعالى؛ ولكن الله يعبأ بما يحصل من الصلاح للناس أفرادا وجماعات وما يعين على الحق والخير ونشر الدين. وقد قال في فضل الناس: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ فكذلك فضل الأزمان إنما يقاس بما يحصل فيها؛ لأنها ظروف للأعمال وليست لها صفات ذاتية يمكن أن تتفاضل بها كتفاضل الناس، ففضلها بما أعده الله لها من التفضيل كتفضيل ثلث الليل الأخير للقربات، وعدد الألف يظهر أنه مستعمل في وفرة التكثير كقوله: ﴿واحد كألف﴾ وعليه جاء قوله تعالى: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾، وإنما جعل تمييز عدد الكثرة هنا بالشهر للرعي على الفاصلة التي هي بحرف الراء. وفي الموطأ: "قال مالك إنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول : إن رسول الله r أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثلما بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر"[17].

سر تعريف ﴿القدر﴾:

والتعريف في القدر تعريف الجنس. ولم يقل: "في ليلة قدر" بالتنكير؛ لأنه قصد جعل هذا المركب بمنزلة العلم لتلك الليلة كالعلم بالغلبة؛ لأن تعريف المضاف إليه باللام مع تعريف المضاف بالإضافة أوغل في جعل ذلك المركب لقبا لاجتماع تعريفين فيه[18].

وما أدراك ما ليلة القدر؟

في هذا الأسلوب: "تنويه بطريق الإبهام المراد به أن إدراك كنهها ليس بالسهل لما ينطوي عليه من الفضائل الجمة"[19].

 والحق أن مثل هذه الأساليب في العربية تثير الحركة والانتباه في ذهن الإنسان، ويكون تَكرار بعض الجمل، مثل: ﴿ليلة القدر﴾ لشرف المُسمَّى، وزيادة الإيضاح! وقد فخَّم الله الليلة مبينًا بأن شأنها جليل، وخطرها عظيم.

وكأنه سبحانه يقول لنبيه: وما أشعرك يا محمد أيّ شيء ليلة القدر خير من ألف شهر؟ وفيه إشارة إلى أن العمل في ليلة القدر بما يرضي الله، خير منَ العمل في غيرها ألف شهر.

ولما علم من السياق تعظيمها بعظمة ما أنزل فيها وبالتعبير عنها بهذا، قال مؤكدًا لذلك التعظيم حثًّا على الاجتهاد في إحيائها؛ لأن للإنسان من الكسل والتداعي إلى البطالة ما يزهده في ذلك: ﴿وما أدراك﴾ أي وأي شيء أعلمك وأنت شديد التفحص ﴿ما ليلة القدر﴾ أي لم تبلغ درايتك وأنت أعلم الناس غاية فضلها ومنتهى علوّ قدرها على ما لك من سعة العلم وإحاطة الفكر وعظيم المواهب.

الفرق بين ﴿وما أدراك﴾ ﴿وما يدريك﴾:

وهذه فائدة في الفرق في مقصود الاستعمال في الأسلوبين؛ قال الفراء: كل ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿وما أدراك﴾ فقد أدراه. وما كان من قوله: ﴿وما يدريك﴾ فلم يدره[20].

تعظيم أيام الفضل والنعمة فينا:

وهذه فائدة مستوحاة من صلب السورة والأفضال التي أودعها الله في ليلة القدر ولم يكتف بذكر فضلها على الجملة بل فصل أن الملائكة تتنزل لشهودها.

قال سيد: "ونحن -المؤمنين- مأمورون أن لا ننسى ولا نغفل هذه الذكرى؛ وقد جعل لنا نبينا r سبيلا هينا لينا؛ لاستحياء هذه الذكرى في أرواحنا لتظل موصولة بها أبدا، موصولة كذلك بالحدث الكوني الذي كان فيها. وذلك فيما حثنا عليه من قيام هذه الليلة من كل عام، ومن تحريها والتطلع إليها في الليالي العشر الأخيرة من رمضان.. في الصحيحين: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان"[21].. وفي الصحيحين كذلك: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"[22].

وهنا كلام لطيف لابن عاشور جاء فيه: "لا جرم أن ليلة القدر التي ابتدئ فيها نزول القرآن قد انقضت قبل أن يشعر بها أحد عدا محمد  r إذ كان قد تحنث فيها، وأنزل عليه أول القرآن آخرها، وانقلب إلى أهله في صبيحتها؛ فلولا إرادة التعريف بفضل الليالي الموافقة في كل السنوات لاقتصر على بيان فضل تلك الليلة الأولى. ولما كانت حاجة إلى تنزل الملائكة فيها، ولا إلى تعيين منتهاها.

وهذا تعليم للمسلمين أن يعظموا أيام فضلهم الديني وأيام نعم الله عليهم، وهو مماثل لما شرع الله لموسى من تفضيل بعض أيام السنين التي توافق أياما حصلت فيها نعم عظمى من الله على موسى قال تعالى: وذكرهم بأيام الله فينبغي أن تعد ليلة القدر عيد نزول القرآن"[23].

وقال رحمه الله: "وفي هذا أصل لإقامة المواكب لإحياء ذكرى أيام مجد الإسلام وفضله، وأن من كان له عمل في أصل تلك الذكرى ينبغي أن لا يخلو عنه موكب البهجة بتذكارها"[24].

سر تكرار ﴿ليلة القدر﴾:

وأعيد اسم ﴿ليلة القدر﴾ الذي سبق قريبا في قوله: ﴿في ليلة القدر﴾ على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأن مقتضى الظاهر الإضمار، فقصد الاهتمام بتعيينها، فحصل تعظيم ليلة القدر صريحا، وحصلت كتابة عن تعظيم ما أنزل فيها وأن الله اختار إنزاله فيها ليتطابق الشرفان[25].

سر ﴿تنزّل﴾ بالتشديد بدل التخفيف ﴿تَنْزِل﴾:

﴿تَنَزَّلُ﴾ على وزن "تَفَعَّل"، فإن ذلك عند العرب يقتضي كثرة؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، إذ لم يقل سبحانه "تَنْزل"، بل قال: ﴿تَنَزَّلُ﴾؛ فيدل بالتشديد على كثرة النزول، من جهة، وعلى أنه نزول متتابع من جهة أخرى، فقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: تنزل نزولًا متتابعًا كثيرًا، فتأمل.

سرُّ ﴿تنزل﴾ بتخفيفها من التاء الثانية:

تقول العرب: "الزيادة في المبنى زيادة في المعنى"؛ وعليه، فتأمل الرشاقة في كلمة ﴿تنزل﴾ بعد حذف التاء الثانية منها إذ أصل الكلمة ﴿تتنزل﴾؛ وذلك لكي تناسب لطف الملائكة ورشاقتها وخفاءها.

سر ورود ﴿تنزل﴾ مضارعا:

إن المقصد من التعبير بالفعل المضارع هو استحضار حال النزول وتجدده.

سر ﴿والروح فيها﴾:

قوله تعالى: ﴿والروح فيها﴾ … الروح هنا يقصد بها جبريل عليه السلام؛ فيكون من باب عطف الخاص على العام. وله نظائر في القرآن؛ منها:

  • قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [سورة الشعراء:193]، وهو: جبريل.
  • وقال سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [سورة النحل:102]، يعني: جبريل.
  • وقال سبحانه: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [سورة مريم:17]، يعني: جبريل.

وقد خُصَّ بالذِّكر لزيادة شرفه، مع أنه النازل بالذِّكر؛ تنويهًا له وتمييزًا فهو أمين السماء، لا ينزل إلا للأمور المهمة مثل:

  • إنزال الوحي على النبي r.
  • يوم الفرقان يوم التقى الجمعان في غزوة بدر الكبرى.
  • في ليلة القدر؛ لعظمتها وعلو منزلتها.

سر ﴿بإذن ربهم﴾:

في قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ إشارة إلى معاني لطيفة؛ منها:

  • وقوله: ﴿بإذن ربهم﴾ متعلق بـ تنزل إما بمعنى السببية، أي: يتنزلون بسبب إذن ربهم لهم في النزول، فالإذن بمعنى المصدر وإما بمعنى المصاحبة، أي: مصاحبين لما أذن به ربهم، فالإذن بمعنى المأذون به من إطلاق المصدر على المفعول نحو هذا خلق الله[26].
  • أن العبد يتصرف بإذن سيده ولا يتقدم بين يدي مولاه.
  • ولا يوجد شيء في الكون هو بمشيئتنا، بل بمشيئة الرب؛ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29].
  • ثم تنـزل الملائكة وجبريل معهم؛ وهو الروح في ليلة القدر ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ يعني بإذن ربهم، من كلّ أمر قضاه الله في تلك السنة، من رزق وأجل وغير ذلك.

دلالات ﴿من كل أمر﴾:

  • ﴿من﴾ في قوله من كل أمر يجوز أن تكون بيانية تبين الإذن من قوله: ﴿بإذن ربهم﴾ أي: بإذن ربهم الذي هو في كل أمر.
  • ويجوز أن تكون بمعنى الباء، أي: تتنزل بكل أمر مثل ما في قوله تعالى: ﴿يحفظونه من أمر الله﴾ أي: بأمر الله؛ وهذا إذا جعلت باء ﴿بإذن ربهم﴾ سببية، ويجوز أن تكون للتعليل، أي: من أجل كل أمر أراد الله قضاءه بتسخيرهم.
  • و﴿كل﴾ مستعملة في معنى الكثرة للأهمية، أي: في أمور كثيرة عظيمة كقوله تعالى: ﴿ولو جاءتهم كل آية﴾ وقوله: ﴿يأتوك رجالا وعلى كل ضامر﴾.
  • وتنوين ﴿أمر﴾ للتعظيم، أي: بأنواع الثواب على الأعمال في تلك الليلة. وهذا الأمر غير الأمر الذي في قوله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ مع أن ﴿أمرا من عندنا﴾ في سورة الدخان متحدة مع اختلاف شئونها؛ فإن لها شئونا عديدة.
  • ويجوز أن يكون هو الأمر المذكور هنا فيكون هنا مطلقا وفي آية الدخان مقيدا[27].
  • أي ما أمرهم الله به وعليهم التنفيذ.
  • أو ما نزلوا من أجله وتحقيق لكل الأهداف التي رسمت لهم.
  • أو الأمر الذي قضاه الله في تلك السنة من رزق، وأجل، وغيرهما.

دلالات ﴿سلام هي﴾:

والسلام الذي ورد في السورة من خصائص الليلة يوحي بمعان سامية منها:

  • وتنكير ﴿سلام﴾ للتعظيم. وأخبر عن الليلة بأنها سلام للمبالغة؛ لأنه إخبار بالمصدر.
  • ﴿سلام﴾ نكرة؛ لإفادة إطلاقه وحمله على كل أنواع السلام والسلامة!
  •  إن الملائكة تسلم على من تلقاه من المؤمنين وذلك له فوائد كبيرة؛ منها أن الملائكة سلمت على إبراهيم مرة واحدة ﴿إذ دخلوا عليه فقالو سلاما﴾؛ فجعل الله تعالى عليه النار بردًا وسلامًا، فكيف بمن تسلم عليه أكثر من مرة؟
  • ثم لتتيقظ ضمائركم من أجل أن نتعرض لنفحات الله في هذه الليلة المباركة؛ فهي ليست كباقي الليالي؛ فهي مختلفة جدا بما تحمله من خصائص وأفضال، وسكينة وراحة واطمئنان وسلام!
  • سلام ليلة القدر من الشرّ كله من أوّلها إلى طلوع الفجر من ليلتها.
  • ويوحي السلام بأن الشيطان لا يستطيع أن يتصرف فيها بسوء، ولا أن يصيب أحدًا بأذى؛ لأنها ليلة سلام تسلم الليلة وقائموها من كيد الشيطان ومكره وأذاه.
  • كما أنها سلام من كافة الآفات والبلايا والرزايا والمصائب والكوارث!
  • وهي ليلة سلام؛ لأنها أول ليلة نزل فيها القرآن الذي يهدي سبل السلام!
  • والسلام من نفحات الليلة الذي يوحي بأن الله يريد للعالم السلام والأمان!
  • وأن من مقاصد الإسلام سلام المجتمع من الرذيلة والفاحشة!
  • وسلامة القلوب والنفوس من الأحقاد والعداوات والخصومات.
  • كما يتغيّى سلامة العلاقات من الانحراف وغيرها من أنواع السلام في الأمة بل في العالم.
  • وهذا إعلام بأن القرآن يرفع لواء السلام العالمي والإسلام ويشيع هذه الثقافة في البشرية طرًّا!

سر تقديم المسند على المسند إليه:

وتقديم المسند وهو سلام على المسند إليه لإفادة الاختصاص، أي: ما هي إلا سلام. والقصر ادعائي لعدم الاعتداد بما يحصل فيها لغير الصائمين القائمين.

 ثم يجوز أن يكون ﴿سلام هي﴾ مرادا به الإخبار فقط؛ ويجوز أن يراد بالمصدر الأمر والتقدير: سلموا سلاما، فالمصدر بدل من الفعل وعدل عن نصبه إلى الرفع؛ ليفيد التمكن مثل قوله تعالى: ﴿قالوا سلاما قال سلام﴾. والمعنى: اجعلوها سلاما بينكم، أي: لا نزاع ولا خصام. ويشير إليه ما في الحديث الصحيح: "خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى رجلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة"[28].

دلالات ﴿حتى مطلع الفجر﴾:

والمقصود من الغاية إفادة أن جميع أحيان تلك الليلة معمورة بنزول الملائكة والسلامة، فالغاية هنا مؤكدة لمدلول ليلة؛ لأن الليلة قد تطلق على بعض أجزائها كما في قول النبي r: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"[29]، أي : من قام بعضها، فقد قال سعيد بن المسيب: "من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها". يريد شهدها في جماعة كما يقتضيه فعل شهد، فإن شهود الجماعة من أفضل الأعمال الصالحة.

وجيء بحرف ﴿حتى﴾؛ لإدخال الغاية لبيان أن ليلة القدر تمتد بعد مطلع الفجر بحيث إن صلاة الفجر تعتبر واقعة في تلك الليلة؛ لئلا يتوهم أن نهايتها كنهاية الفطر بآخر جزء من الليل؛ وهذا توسعة من الله في امتداد الليلة إلى ما بعد طلوع الفجر.

ويستفاد من غاية تنزل الملائكة فيها، أن تلك غاية الليلة وغاية لما فيها من الأعمال الصالحة التابعة لكونها خيرا من ألف شهر، وغاية السلام فيها[30].

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار، سوى يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي ﴿مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ بفتح اللام، بمعنى: حتى طلوع الفجر؛ تقول العرب: طلعت الشمس طلوعا ومطلعا.

وقرأ ذلك يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي: ﴿حتى مَطْلِعِ الْفَجْرِ﴾ بكسر اللام، توجيها منهم ذلك إلى الاكتفاء بالاسم من المصدر، وهم ينوون بذلك المصدر.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا: فتح اللام لصحة معناه في العربية، وذلك أن المطلَع بالفتح هو الطلوع، والمطلِع بالكسر: هو الموضع الذي تطلع منه، ولا معنى للموضع الذي تطلع منه في هذا الموضع.

 

 

خصائص الليلة

تمهيد:

بعد عرضنا لأهم مفردات سورة القدر، وما فيها من لمسات بيانية وإشارية مقاصدية؛ نعود لنعرض خصائص الليلة المباركة كما أثبتتها سورة القدر؛ وهي خمس خصائص بالضبط مع ما يحتوشها من دروس وعبر بما يسمح به المقام:

الخاصية الأولى: ليلة القرآن تألقت بالقرآن الذي أنزل فيها:

هي ليلة أنزل فيها القرآن ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ فصارت على هذا القدر وهذه العظمة والشرف.

  • قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: 176]. فالأصل في القرآن أن يرفع، والأصل فيمن تخلى عنه أن يخلد إلى الأرض وتحكمه الأهواء!
  • القرآن يرفع الإنسان؛ لقوله r: "إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بهذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ به آخَرِينَ"[31].
  • يعطي قدرا وقيمة للمكان عن عمر بن الخطاب أن النبي r قال: "وَما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه"[32].
  • يضفي القيمة والشرف والعظمة على الزمان كما أضفاه على رمضان وليلة القدر ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾.

الخاصية الثانية: ليلة خير من ألف شهر:

 قال تعالى: ﴿لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ﴾ وهي تحمل المعاني الآتية:

  • والعدد لا يفيد التحديد؛ في مثل هذه المواضع من القرآن، إنما هو يفيد التكثير. والليلة خير من آلاف الشهور في حياة البشر. فكم من آلاف الشهور وآلاف السنين قد انقضت دون أن تترك في الحياة بعض ما تركته هذه الليلة المباركة السعيدة من آثار وتحولات[33].
  • أي أن العمل فيها يضاعف؛ فهي ليلة واحدة لكنها بفضل ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر.
  • وعند التأمل نلاحظ أن الله سبحانه قال: ﴿خير﴾ أي أفضل، ولم يقل "مثل" فتأمل!
  • وهي فرصة لمن تقاصر عمله وطالت جاهليته أن يتداركها بإحياء ليلة القدر فيها تعويض عما فات الإنسان المقصر!
  • وكانت دالة على عظمة النبي محمد r الذي لما أري أعمار الأمم السابقة تقاصر أعمار أمته، فأعطي ليلة القدر التي من وافقها فكأنما عمِل عمَلَ من تجاوز الثمانين عاما، فلله الحمد والمنة!

الخاصية الثالثة: ليلة الموكب الملائكي يتقدمهم سيدنا جبريل:

قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ﴾ نطل من خلالها على المعاني السامية الآتية:

  • نزول الملائكة إلى الأرض لأجل البركات التي تحفهم.
  • والنزول قد يكون للخير ويكون للشر؛ فأخبر هنا أن تنزل الملائكة ليلة القدر؛ لتنفيذ أمر الخير للمسلمين الذين صاموا رمضان وقاموا ليلة القدر؛ فهذه إذًا بشارة وأي بشارة!
  • فالله يختار ويصطفي أعدادا كثيرة من الملائكة؛ لتشهد ليلة القدر وتضفي النور على من يحييها!
  • واعلم أن الملائكة يتقدمهم جبريل ينزلون إلى الأرض؛ ليؤمنوا على أدعية الناس، فاغتنمها.
  • وكان آخر ما نزل جبريل عند وفاة النبي r؛ ولما انقطع الوحي من السماء صار ينزل مرة واحدة في السنة؛ في ليلة القدر الليلة المباركة، فمن العيب أن نتغيب عن شهودها وإحيائها!
  • ثم ينزل جبريل من فوق سبع سماوات متقدما موكب الملائكة من أجل أن يشهدوا هذه الليلة؛ لأنهم مدركون لفضلها ومكانتها، ونحن ربما نغط في سبات عميق، نتجادل في أمور عقيمة، أو نخوض في سفاسف الأمور والتفاهات ولا نلقي لها بالا!
  • وليتعظ من هذا كله أولئك الذين يسهرون في النوادي الليلية وعلب الرقص والمجون، ودور الدعارة والفساد، وأماكن القمار والميسر، والخمر والخنا، ويتفرجون على أفلام اللهو والعري والفجور!
  • وإن الليلة حافلة بالطهر والطهارة والملائكية والنأي عن المعاصي والسيئات التي تبعد المرء عن ربه؛ فليندمج في هذه التظاهرة الروحية؛ لتكون حماما تتحلل فيه أدرانه وذنوبه!

الخاصية الرابعة: ليلة السلام:

قال تعالى: ﴿سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ﴾ والسلام بمعانيه ودلالاته التي ذكرتها آنفا؛ هي:

  • والسلام: مصدر أو اسم مصدر معناه السلامة قال تعالى: ﴿قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾.
  • ويطلق السلام على التحية والمدحة.
  •  وفسر السلام بالخير.
  • والمعنيان السابقان حاصلان في هذه الآية، فالسلامة تشمل كل خير؛ لأن الخير سلامة من الشر ومن الأذى.
  • فيشمل السلام الغفران.
  • ويشكل إجزال الثواب.
  • ويشمل استجابة الدعاء بخير الدنيا والآخرة.
  • والسلام بمعنى التحية والقول الحسن مراد به ثناء الملائكة على أهل ليلة القدر كدأبهم مع أهل الجنة فيما حكاه قوله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾.
  • ومعنى السلام: السلامة من كل شر وأذى وبلية ورزية.
  • وكذا السلامة من كيد إبليس وجنوده من مردة الجن.
  • وسلام الملائكة بعضهم على بعض.
  • وتحية السلام من الملائكة على كل من يحيي الليلة.
  • وعموم السلام في الأرض تلكم الليلة.

الخاصية الخامسة: استغراق الليلة كاملة:

﴿هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ﴾ بمعنى أن هذه الأفضال من تنزل الملائكة والروح، وشهود الإحياء من عالم المؤمنين والملائكة، وهذا السلام بكل معانيه يستغرق الليلة كلها، من غروب الشمس إلى غاية مطلع الفجر، وهذه مزية تتميز بها الليلة المباركة ومن بركاتها، على خلاف بعض الأفضال والبركات والخيرات التي تكون في ساعة الاستجابة من آخر نهار الجمعة، أو في الثلث الأخير من الليل إلخ.. بل من خصائص الليلة: إنها ممتدّة لتشمل الليلة كاملة.

ليلة القدر من الشكل الظاهر إلى المنهج القويم:

والإسلام ليس شكليات ظاهرية. ومن ثم قال رسول الله r في القيام في هذه الليلة أن يكون "إيمانا واحتسابا".. وذلك ليكون هذا القيام استحياء للمعاني الكبيرة التي اشتملت عليها هذه الليلة "إيمانا" وليكون تجردا لله وخلوصا "واحتسابا".. ومن ثم تنبض في القلب حقيقة معينة بهذا القيام. ترتبط بذلك المعنى الذي نزل به القرآن.

والمنهج الإسلامي في التربية يربط بين العبادة وحقائق العقيدة في الضمير، ويجعل العبادة وسيلة لاستحياء هذه الحقائق وإيضاحها وتثبيتها في صورة حية تتخلل المشاعر ولا تقف عند حدود التفكير.

وقد ثبت أن هذا المنهج وحده هو أصلح المناهج لإحياء هذه الحقائق ومنحها الحركة في عالم الضمير وعالم السلوك. وأن الإدراك النظري وحده لهذه الحقائق بدون مساندة العبادة، وعن غير طريقها، لا يقر هذه الحقائق، ولا يحركها حركة دافعة في حياة الفرد ولا في حياة الجماعة..

وهذا الربط بين ذكرى ليلة القدر وبين القيام فيها إيمانا واحتسابا، هو طرف من هذا المنهج الإسلامي الناجح القويم[34].

ما المقصد من إخفاء ليلة القدر؟

تمهيد:

لا يوجد في شريعتنا الغراء شيء قائم على العبث والاعتباط، بل كل شيء قائم على الحكمة والسر والمقصد، سواء في الإثبات أو النفي، في الإظهار أو الإخفاء؛ وهو ما نحاول أن نرصده في هذا المبحث من استطلاع البعد المقاصدي والغائي من هذا الإخفاء وفق الآتي:

مقاصد إخفاء ليلة القدر:

إن الله تعالى أخفى ليلة القدر؛ تحقيقا لمقاصد كثيرة منها:

  • حتى لا يتواكل كثير من الناس، فيتقاعسون عن العمل في باقي الليالي، ويترصد هذه الليلة فقط من يحط فيها رحاله، وينيخ عندها، ثم تعود حليمة لعادتها القديمة!
  • من أجل الاجتهاد في باقي الليالي حتى يدركها؛ ولأن المجتهد من غير فتور ولا انقطاع ولا مراهنة على ليلة دون أخرى لا جرم أنه يدركها، وأن المقامر في أغلب الأعم يخسر رهانه! والمقصود أن هذه الليلة أخفيت حتى يجتهد المكلف في طلبها كي يكتسب ثواب الاجتهاد!
  • إن الإخفاء لأجل التحري هو أمر وارد في إخفاء اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب؛ حتى نعظم كل الأسماء، ونتوسل إلى الله بكافة أسمائه الحسنى وصفاته العلى!
  • وأخفى الله تعالى مواطن إجابته في الأدعية فقد يجيبها توًّا ويحقق بها المقصود، لكن لا نعلم متى! وقد يدخرها حسنات يوم القيامة، وقد يرفع بها البلاء!
  • وقد ورد في السنن إخفاء ساعة الاستجابة من يوم الجمعة حتى نجتهد طيلة اليوم كله، واختلف العلماء في تحديد وقتها بالضبط، وإن كان الراجح أنها في آخر ساعة من يوم الجمعة!
  • كما أخفى سبحانه الصلاة الوسطى؛ لنحافظ على كل الصلوات في اليوم والليلة!
  •  وأخفى قبول التوبة؛ ليواظب المكلف على جميع أقسام التوبة وشروطها ومطالبها ليلا ونهارا!
  •  وأخفى وقت الموت وموعده بالضبط؛ ليخاف المكلف من مصيره فيتقي الله على كل حال!
  • وعند إخفائه ليلة القدر كأنه تعالى يقول –كما أورده الرازي-: لو عينت ليلة القدر وأنا أعلم بتجاسركم على المعصية، فربما دعتك الشهوة في تلك الليلة إلى المعصية فوقعت في الذنب، فكانت معصيتك مع علمك أشد من معصيتك لا مع علمك؛ فلهذا السبب أخفيتها عليك. روى أنه -عليه الصلاة والسلام-: "دخل المسجد فرأى نائمًا، فقال: يا عليُّ نبهه ليتوضأ، فأيقظه عليُّ، ثم قال عليُّ: يا رسول الله إنك سبَّاق إلى الخيرات، فَلِمَ لم تنبِّهُه؟ قال: لأن ردَّه عليك ليس بكفر، ففعلت ذلك لتخفَّ جنايته لو أبى". فإذا كانت هذه رحمة الرسول r فكيف برحمة الله تعالى!؟ فكأنه تعالى يقول: إذا علمتَ ليلة القدر؛ فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب ألف شهر، وإن عصيت فيها اكتسبت عقاب ألف شهر، ودفع العقاب أولى من جلب الثواب[35].

 

 

 

وقت ليلة القدر وعلاماتها

تمهيد:

وردت نصوص محدودة بين المرفوع والموقوف على توصيفها ونعت علاماتها، ولذلك جاءت السنة بتحريها ومراقبة علاماتها، ومن ذلك ما ورد في السنة المطهرة كما نبينه تباعا:

من علامات ليلة القدر:

  • عن أُبيِّ بنِ كَعبٍ رضِيَ اللهُ عنهُ قال: "هي ليلةُ صَبيحةِ سَبعٍ وعِشرين، وأمارتُها أنْ تطلُعَ الشَّمسُ في صَبيحةِ يومِها بيضاءَ لا شُعاعَ لها"[36]
  • وقد تخفى بعض علاماتها علينا وهنا سوف يجد أحدنا علامة في نفسه تتمثل بالطمأنينة وانشراح الصدر والخشوع.
  • يظنّ البعض أنه لا يوفّق لليلة القدر أو لا يكسب أجرها إلّا إن رأى بعض الأشياء الخارقة؛ كأن يرى نورًا، أو يرى كلّ شيءٍ ساجدًا، وذلك ليس صحيحًا على المطلق، مع عدم نفي أن يرى البعض علامات لهذه الليلة أو يشعر بها بتوفيق من الله.
  • وقد تناقل الناس بعض العلامات لهذه الليلة والتي لا يثبت فيها حديث، كأن يكون الجو فيها ساكنًا لا حارًّا ولا باردًّا، وأن الأشجار فيها تسجد، والكلاب لا تنبح، والنور يكون في كل مكان، وأن يصبح الماء المالح حلوًا، وغيرها من العلامات التي لا أصل لها!
  • فعدم رؤية البعض لها لا يعني أنه لم يدرك الليلة ولم يوفق لها.
  • ويستحب لمن رأى ليلة القدر أن يكتم ذلك ولا يخبر أحدًا به؛ لأنها كرامة من الله، والكرامة يجب أن تُكتم.

وقت ليلة القدر:

اختلف الفقهاء في تحديد ليلة القدر، ومما نُقل من أقوالهم:

  •  إنها على قول الجمهور في شهر رمضان.
  • وإنها في العشر الأواخر من رمضان.
  • وإنها –بالضبط- في الليالي الفردية من العشر الأواخر منه.
  •  وقد أخفى الله تعالى هذه الليلة عن الناس ليجتهدوا في العبادة في جميع الليالي، ويتنافسوا في فعل الخيرات والطاعات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ"[37].
  • والقول المشهور والمستفيض عند أهل العلم أنها في ليلة السابع والعشرين من رمضان.
  • تكررت كلمة ﴿ليلة القدر﴾ في السورة ثلاث مرات. وعدد أحرف ﴿ليلة القدر﴾ تسعة؛ فصار المجموع سبعةً وعشرين حرفا؛ مما حدا ببعض المفسرين والفقهاء أن يرجحوا كون ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين.
  • عدد كلمات السورة ثلاثون وكلمة ﴿هي﴾ رقمها سبع وعشرون وهذا مرجح آخر عند بعضهم؛ لأن تكون ليله القدر هي ليلة السابع والعشرين والله أعلم.

الراجح ليلة السابع والعشرين:

  1. قال أُبيُّ بنُ كَعبٍ رضِيَ اللهُ عنهُ في  لَيلةِ  القَدْرِ: "واللهِ، إنِّي لأَعلمُها، وأكثرُ عِلمي هي اللَّيلةُ التي أَمرَنا رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بقِيامِها، هي ليلةُ سَبعٍ وعِشرينَ"[38]
  2. عن أبي هُرَيرَةَ رضِيَ اللهُ عنهُ قال: تَذاكَرْنا ليلةَ القَدْرِ عند رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ. فقال: "أيُّكم يَذكُرُ حين طلَع القمرُ وهو مِثلُ شِقِّ جَفْنَةٍ"[39]؟  وشِقِّ جَفْنَةٍ: أيْ: نِصف قَصعةٍ؛ قال أبو الحُسَينِ الفارسيُّ: أيْ: ليلة سَبْع وعِشرين؛ فإنَّ القَمَر يطلُع فيها بتلك الصِّفة.

ما ورَد في أنَّها ليلةُ الثَّالث والعِشرين:

عن عبداللهِ بن أُنيسٍ رضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: "أُريتُ ليلةَ القَدْر، ثمَّ أُنسيتُها، وأَراني صُبحَها أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ"، قال: فمُطِرْنا ليلةَ ثلاثٍ وعِشرين، فصلَّى بنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ فانصرَف، وإنَّ أثَرَ الماء والطِّين على جَبهته وأنفِه. قال: وكان عبدالله بن أُنيسٍ يقول: ثلاث وعِشرين[40]

 

 

مقاصد قيام الليل

تمهيد:

إن قيام الله يمثل الجانب الروحي والعملي في حياة المسلم؛ وقد جاءت الآية الثانية من حيث النزول على النبي r؛ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 1- 7]. فكان مفروضًا على النبي r، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فقد سنّه النبي r لهذه الأمة لما فيه من مقاصد وفوائد وأسرار نستكشفها تباعا. قالت عائشةُ رضي اللهُ عنها: "فإنَّ اللهَ افترض قيامَ اللَّيل في أَوَّل هذه السورة فقام نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولًا، وأمسك اللهُ خاتمتَها اثني عشر شهرًا حتى أنزل اللهُ في آخر هذه السُّورة التَّخْفيفَ، فصار قيامُ اللَّيْل تَطَوُّعًا بعدَ فريضة"[41]. وقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الليْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وَمِنَ الليْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 78- 79] بعد الأمر بالصَّلوات الخمس ذكر اللهُ الأمرَ بالتَّهَجُّد في الليل؛ أي: قم بعد نومك؛ والتَّهَجُّدُ لا يكون إلا بعدَ النَّوم، ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾.

عن أبي هريرة t قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ أولَ ما يُحاسب به العبدُ يوم القيامة من عمله صلاتُه؛ فإنْ صلحت فقد أفلحَ وأنجحَ، وإن فسدت فقد خاب وخسر؛ فإن انتقص من فريضته شيءٌ قال الرَّبُّ – عزَّ وجلَّ: انظروا هل لعبدي من تَطَوُّع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثمَّ يكونُ سائر عمله على ذلك»[42].

 فيما يأتي:

  1. قيام الليل والحث عليه؛ يسهم في ترسيخ كلية الدين؛ وهي من المقاصد الضرورية بل طليعتها: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
  2. قيام الليل بالصلاة والقراءة والأذكار والأدعية والصدقات والعمل الصالح؛ يسهم في ترسيخ العبادات؛ وهي من المقاصد الخاصة التي تنتظم أبوابا متنجانسة كالصلاة والصيام والحج والزكاة!
  3. يدخل القيام في تحقيق المقصد الأصلي من الصيام وهو التقوى؛ قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
  4. قيام الليل فضلا عن كونه يتصل بالمقاصد العامة الكلية، وبالمقاصد الخاصة، فهو يتصل بالمقاصد الجزئية التي تعنى بالأسرار والحِكَم، وهي التي نتحراها في بقية العناصر؛ لأهميتها وفوائدها.
  5. هو شعار الصالحين وشرف المؤمنين؛ قال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد"[43]. وعن سهل بن سعد رضي الله عنهما قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا محمدُ عش ما شئتَ؛ فإنك ميتٌ، واعمل ما شئت فإنَّك مجزيٌّ به، وأحبب من شئتَ فإنَّك مفارقه، واعلم أنَّ شرفَ المؤمن قيامُ الليل، وعزَّه استغناؤه عن الناس»[44].
  6. القائم الليل يشهد نزولَ الله إلى السَّماء الدُّنيا في ثلث الليل الأخير؛ حيث ينزلُ إلى السماء الدنيا فيسأل سبحانه: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ وهناك الفوز في دار الخلد؛ حيث يجد العبد ما سأله في جوف الليل من المغفرة والرحمة. ومناجاة الليل لا تخلو من سؤال واستغفار ودعاء! ونص الحديث: "يَنْزِلُ اللَّهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلُ، فيَقولُ: أنا المَلِكُ، أنا المَلِكُ، مَن ذا الذي يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ له، مَن ذا الذي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَن ذا الذي يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ له، فلا يَزالُ كَذلكَ حتَّى يُضِيءَ الفَجْرُ"[45].
  7. تحقيق القرب من الله، المفضي إلى قرب الله من عبده الذي يقوم الليلَ؛ ففي الحديث: «أقربُ ما يَكونُ الرَّبُّ مِن العبدِ في جَوفِ اللَّيلِ الآخِرِ، فإنِ استطَعتَ أنْ تَكونَ ممَّن يَذكُرُ اللهَ في تلك السَّاعةِ فكُنْ. »[46].
  8. هو من أسباب دخول الجنة؛ قال صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام"[47]. وجزاؤهم جنةُ المأوى التي لا يُعلم ما أُخفي فيها مما لم تر عينٌ ولم تسمع أذنٌ ولم يخطر على قلب بشر؛ ذلك هو النعيمُ الحقُّ الذي ينتظره؛ قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 15، 16]. وعن عليٍّ – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ في الجنة غرفًا يُرى ظاهرُها من بطونها وبطونُها من ظهورها». فقام أعرابيٌّ فقال: لمن هي يا رسولَ الله؟ قال: «مَنْ أطاب الكلامَ وأطعمَ الطَّعامَ وأدامَ الصِّيامَ وصلَّى باللَّيل والنَّاسُ نيامٌ»[48].
  9. يصبح القائم بالليل طيبَ النفس نشيطًا يُعان على عمله سائر يومه؛ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يعقد الشيطانُ على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلَّى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيبَ النَّفْس، وإلَّا أصبح خبيثَ النفس كسلان»[49].
  10. نيل العبد رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة؛ وذلك حين يقوم من اللَّيل يصلي… قال صلى الله عليه وسلم: «رَحم اللهُ رجلاً قام من الليل فصلَّى وأيقظَ امرأتَه، فإن أَبَتْ نضح في وجهها الماءَ، ورحم اللهُ امرأةً قامت من اللَّيل فصلَّت وأيقظت زوجَها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء»[50].
  11. رضا الله سبحانه وتعالى ورضوانه؛ عن أبي الدرداء t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يحبُّهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم…» وذكر منهم : «والذي له امرأة حسناء وفراش لين حسن فيقوم من الليل؛ فيقول : يَذَرُ شهوتَه ويذكرني ولو شاء رقد»[51]. كما أنه سبحانه يباهي الملائكة بقائم الليل؛ فعن عبد الله بن مسعود t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجب ربُّنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حِبِّه وأهله إلى صلاته فيقول اللهُ لملائكته: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين حِبِّه وأهله إلى صلاته رغبةً فيما عندي وشفقةً مما عندي»[52].
  12. يحقق الخير الذي يرجوه العبد؛ عن جابر t أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ من اللَّيل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرًا إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة»[53].  وهو شامل لكل المصالح التي يريد العبد اجتلابها.
  13. إنه من أسباب النجاة من الفتن والسلامة من دخول النار، وعن أم سلمة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال: "سبحان الله؟! ماذا أنزل الليلة من الفتنة؟ ماذا فتح الليلة من الخزائن؟ من يوقظ صواحب الحجرات؟"[54].
  14.  إنه أفضل الصلاة بعد الفريضة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل"[55]. عن جابر t قال: سُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الصلاة أفضلُ؟ قال: «طول القنوت»[56]. والقنوتُ: القيامُ. وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِّه U: «وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به …»[57]. عن عبد الله بن عمرو بن العاص t أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : «أحبُّ الصلاة إلى الله صلاةُ داود؛ كان ينامُ نصفَ الليل ويقومُ ثلثه وينامُ سدسه، ويصومُ يومًا ويفطر يومًا»[58].
  15. إنه سبب لاستجابة الدعاء: ونزول العطايا وقضاء الحوائج فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن في الليل لساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة"[59]. فأصحابُ القيام مجابو الدعوة؛ إذا استنصروا الله نصرهم، وإذا استعاذوه أعاذهم؛ لأنهم تقرَّبوا إلى الله بالفرائض والنوافل، وأحبُّ النوافل إلى الله قيامُ الليل، وقد وعَدَ من تقرَّب إليه بالنَّصر والعَوْذ؛ وعن عبادة بن الصامت t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تعارَّ من الليل فقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو  على كل شيء قدير، الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله ُ أكبرُ ولا حولَ ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضَّأ وصلى قبلت صلاته»[60].
  16. صلاحُ الأبناء من نتائج قيام الآباء في الليالي الباردة، فإذا قام العبدُ يصلي يسأل الله أن يصلح له في ذريته ويحفظهم حتى بعد مماته؛ قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 82].
  17. القيامُ ينهى صاحبَه عن الذُّنوب والمعاصي وفعل المنكرات؛ ودليلُ ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ فلانًا يصلِّي بالليل فإذا أصبح سرق، قال: «سَيَنْهاه ما يقول»[61].
  18. وقيامُ الليل مُكَفِّرٌ للسَّيِّئات والخطايا؛ كما قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ t: «ألا أَدُلُّك على أبواب الخير؛ الصوم جُنَّةٌ، والصَّدقةُ تطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل» ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، حتى بلغ: "يَعْمَلُونَ"[62].
  19. أنَّه يطرد الداءَ من الجسد، وأولُ داء يطرده داءُ العجز والكسل؛ قال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بقيام الليل؛ فإنَّه دأبُ الصالحين قبلكم؛ فإنَّ قيامَ الليل قُرْبَةٌ إلى الله U وتكفيرٌ للذُّنوب ومَطْرَدَةٌ للدَّاء عن الجسد ومنهاة عن الإثم»[63].
  20. القيامُ بالليل بالقرآن معينٌ على تثبيت القرآن في الصدر؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وإذا قام صاحبُ القرآن فقرأه باللَّيل والنهار ذكَره، وإذا لم يقُم به نسيه»[64]، ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6]، بعد قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5].
  21.   من يصلِّي بالليل يُكتب في الذَّاكرين الله كثيرًا؛ فصلاة ركعتين في جوف الليل تُلحقُ صاحبَها بالذاكرين الله كثيرًا؛ فما ظنُّك بمن صلَّى أكثر من ذلك؛ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أيقظ الرجلُ أهله من الليل فصلَّيا أو صلى ركعتين جميعًا كُتبا في الذاكرين والذاكرات»[65].
  22. قيامُ الليل بالقرآن يُخرجُ صاحبَه من مُسمَّى الغافلين ويُكسبه الأجرَ الوفيرَ؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كُتب من القانتين، ومن قام بألف آية كُتب من المقنطرين[66]»[67].
  23. مجرد الهمّ بالصلاة والقيام يكون صدقة حتى وإن نام، ومعناه أن العزم عليه، وبذل الأسباب له، موجبٌ للأجر والثواب، ولو لم يقم صاحبُه؛ بل ونومُه عليه صدقة، قال صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئ تكون له صلاة بالليل فغلبه عليها النومُ إلا كُتب له أجرُ صلاته وكان نومُه صدقة عليه»[68].
  24. توجد ساعة الاستجابة بالليل فطوبى لمن وافقها؛ حيث إن نيل ما يرجوه العبدُ في الآخرة من المغفرة والرحمة والنعيم والخلد وكل ما سأل؛ لأن في الليل ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه، كما ورد ذلك في الحديث الصحيح: «إن في الليل لساعة لا يوافقها رجلٌ مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة»[69].
  25. عدها النبي r صلاة مشهودة؛ عن جابر t قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ خافَ أن لا يقومَ من آخر اللَّيل فليوتر أولَه، ومن طَمع أن يقومَ آخَره فليوتر آخرَ الليل؛ فإنَّ صلاةَ آخر اللَّيل مشهودةٌ، وذلك أفضلُ»[70].
  26. نور الوجه في الدنيا؛ إذ أصحابُ القيام والتَّهَجُّد على الرّغم من أنَّهم أقلُّ نومًا من غيرهم، إلا أنَّهم يكتسبون نورًا في وجوههم سائر يومهم وعند موتهم، وقد حكى كثيرٌ من السَّلَف أنَّهم يجدون النورَ في وَجْه صاحب القيام في حياته وعندَ مماته؛ قيل للحسن رحمه اللهُ: "ما بالُ المتهجِّدين من أحسنِ الناس وجوهًا؟ قال: لأنَّهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره".
  27. النور التام يوم القيامة؛ عن أبي الدَّرداء، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «من مشى في ظلمة اللَّيل إلى المساجد لقي الله r بنور يوم القيامة»[71].
  28. القائم الليل مغبوط؛ إذ يخبرُ النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ صاحبَ القرآن الذي يقوم به ويتلوه يُغبَط لعظم أجره؛ فعن ابن عمر t أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار..»[72].
  29. إنَّ العالمَ بفضل قيام الليل لا يستوي معَ مَنْ لا يعلم؛ ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9].

 

  1.  

عوائق إحياء ليلة القدر

تمهيد:

إن ثمة جملة من العوائق التي تحول دون إحياء ليلة القدر، ودون موافقتها؛ نحاول أن نستقصيها في النصوص الشرعية، ونستجلي منها ما يأتي:

  1. العداوة والبغضاء:

في الحديث قال r: "خرجتُ لأُخبِرَكم بليلةِ القَدْر، فتَلاحَى فلانٌ وفلانٌ؛ فرُفِعتْ! وعسى أنْ يكونَ خيرًا لكم؛ فالْتمِسوها في التَّاسعةِ والسَّابعةِ والخامسةِ"[73].

فلنعمل جميعًا بوصية رب العالمين حين قال في كتابه الكريم: ﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: 1]. فهذا ما يريده منَّا رب العالمين، أما ما يريده الشيطان اللعين، فقد أخبرنا عنه رب العالمين فقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء﴾ [المائدة: 91].

وبناء على هذا يكون المفتاح في وصل من قطعك، والعفو عمن ظلمك، قال: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث"[74]. وفى رواية أخرى عند البخاري ومسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري t أن رسول الله r قال: "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"[75]. فقد أخرج أبو داود وأحمد والبخاري في "الأدب" والترمذي عن أبي الدرداء t قـال: قال رسول الله r: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قـالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة"[76]. فقد أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن عبد الله بن عمر t قال: "قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو النقي الذي لا إثم فيه، ولا بغي ولا غل ولا حسد"[77].

  1. كثرة الذنوب:

كثرة الذنوب والإصرار على المعاصي -ولو كانت صغارًا- سببٌ في حرمان العبد من قيام اللَّيل، وإنَّ العبدَ لَيُحْرَمُ الرِّزقَ بالذَّنب يصيبه، وأيُّ رزق أكبرُ من التَّوفيق للقيام لمناجاة الله ولقائه؛ قال رجلٌ للحسن: «يا أبا سعيد؛ إنِّي أَبيتُ معافى، وأحبُّ قيامَ الليل، وأُعدُّ طهوري؛ فما لي لا أقوم؟ فقال: ذنوبُك قَيَّدَتْك».

قال ابن السماك:

يا مدمن الذنب أما تستحي ** والله في الخَلوة ثانيكا

غرَّك من ربك إمهاله ** وستره طول مساويكا

ولله در الشاعر:

تَعصي الإلهَ وأنت تزعم حبَّه ** هذا وربِّي في القياس شنيعُ

لو كان حبُّك صادقًا لأطَعْتَهُ ** إن المحبَّ لِمَن يحبُّ مطيعُ

إن الذنوب تحرمنا أفضال الليلة المباركة؛ لأنها تفوت دعاء الملائكة؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: 7- 9].

وماذا بقي بعد موت القلب؟ ولا يستفيد من أفضال الليالي العشر من رمضان إلا ذوو القلوب الحية؛ لأن القلب الميت القاسي لا يحتمل هذه الأنوار؛ قال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: 22].

وإذا كانت القلوب الحية تستحق بالتقوى بركات من السماء فكيف لا تستحقها في رمضان وليالي العشر وليلة القدر!؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 96].

إن المعصية وكثرة الذنوب تورث شؤم الذل؛ ولا يتصور العز في غير ما ابتغاه الله لنا، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: 10]. أي: فليطلبها بطاعة الله؛ فإنه لا يجدها إلا في طاعة الله، وكان مِن دعاء بعض السلف: "اللهم أعِزَّني بطاعتك، ولا تُذِلَّني بمعصيتك"[78]؛ ولله در عبد الله بن المبارك:

رأيتُ الذنوبَ تميتُ القلوبَ ** وقد يورثُ الذُّلَّ إدمانُها

وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوبِ ** وخيرٌ لنفسِك عصيانُها

ولما تموت القلوب تحجب عن الأفضال! وقد أحس بذلك السلف الصالح. وهذا كان الإمام أبو حنيفة كان إذا أشكَلت عليه مسألة قال لأصحابه: ما هذا إلا لذنبٍ أحدثتُه! وكان يستغفر، وربما قام وصلى، فتنكشف له المسألة، ويقول: رجوتُ أني تِيبَ علَيَّ[79].

قال مالك بن أنس للشافعي: "إن اللهَ ألقى على قلبك نورًا، فلا تُطفئه بظُلمة المعصية"[80]؛ وللشافعي قصة معلومة حين اختل حفظه؛ بسبب هفوة أو معصية؛ فشكا إلى شيخه وكيح فأرشده إلى ترك المعاصي؛ ونحن بصدد إحياء العشر الأواخر وليلة القدر، فحفظها بترك المعاصي؛ لأن المعاصي تزيل نعم وأفضال الليلة؛ ولله در الشافعي حين قال:

شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حِفظي ** فأرشَدني إلى ترك المعاصي

وأخبَرني بأن العلمَ نورٌ ** ونورُ الله لا يُهدى لعاصي

ويصير المرء بكثرة الذنوب صاغرا مهينا؛ مجردًا من الشرف بله أن يتلقاه؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: 18].

قال ابن القيم رحمه الله: "المعاصي تسلُبُ صاحبها أسماءَ المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذَّم والصَّغار؛ فتسلبه اسم: المؤمن، والبَر، والمحسن، والمتقي، والمطيع، والمنيب، والولي، والورِع، والصالح، والعابد، والخائف، والأوَّاب، والطيب، والمرضي، ونحوها. وتكسوه اسم: الفاجر، والعاصي، والمخالف، والمسيء، والمفسد، والخبيث، والمسخوط، والزاني، والسارق، والقاتل، والكاذب، والخائن، وقاطع الرحم، والغادر وأمثالها"[81].

وصاحب المعاصي ينبغي أن يتوب إلى ربه عاجلا غير آجل؛ فربه يفرح بتوبته وأوبته ويقبلها إن صدقت نيته وعزيمته؛ لكن إصراره يفوت عليه نور الرجوع وأنوار الليالي الفاضلة؛ لأنه يعيش في ضنك الحياة بمنأى عن نور الطاعة؛ وأن من نسي الله ينساه إلا أن يتغمده الله بلطفه وكرمه؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 18- 19].

" وأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه، وإهماله لها، وإضاعته حظَّها ونصيبها من الله، وبيعها ذلك بالغَبْن والهوان، وأبخس الثَّمن"[82].

قال الشاعر:

إذا كنتَ في نعمةٍ فارعَها ** فإن الذنوبَ تُزيل النِّعَمْ

وحُطْها بطاعة رب العباد ** فربُّ العباد سريع النِّقم

وإياك والظلمَ مهما استطعتَ ** فظلمُ العبادِ شديدُ الوخَم

وسافِرْ بقلبك بين الورى ** لتبصرَ آثارَ مَن قد ظلَم

فتلك مساكنُهم بعدهم ** شهودٌ عليهم ولا تُتَّهَم

وما كان شيءٌ عليهم أضرَّ ** مِن الظلمِ وَهْو الذي قد قصَم

فكم تركوا من جنانٍ ومِن ** قصورٍ وأخرى عليهم أطم

صلُوا بالجحيمِ وفات النعيمُ ** وكان الذي نالهم كالحُلُمْ

المبالغة والغلو:

إن الغلو في الدين والتشدد فيه قد ينتهي إلى نتائج عكسية؛ ويفضي إلى الانقطاع والتهلكة، وعدم إدراك الفضل في الأعمال؛ وقد نهى r عن المبالغة في العبادة بما يشقُّ على النفس؛ مما لم يأمر الله به؛ فقال: "إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا، وأَبْشِرُوا، واسْتَعِينُوا بالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وشيءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ"[83]، وعن أنس t قال: دخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسجدَ وحبلٌ ممدودٌ بين ساريتين فقال: «ما هذا؟» قالوا: لزينب تُصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به. فقال: «حلُّوه ليصلِّ أحدُكم نشاطَه فإذا كسل أو فتر قعد»[84]. وعن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نعسَ أحدُكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النومُ؛ فإنَّ أحدَكم إذا صَلَّى وهو ناعسٌ لعله يذهبُ يستغفر فيسبّ نفسه»[85]، وعن عائشة – رضي اللهُ عنها زوج النبي r قالت: "إن الحولاء بنت تُويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى مرَّتْ بها وعندها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقلت: هذه الحولاءُ بنتُ تُوَيْت، وزعموا أنَّها لا تنامُ الليلَ فقال: «لا تنام الليل! خذوا من العمل ما تطيقون؛ فو الله لا يسأم الله حتى تسأموا»[86].

قال ابن القيم: "نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن التشديد في الدين بالزيادة على المشروع، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنَّ تشديد العبد، على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه إما بالقدر وإما بالشرع. فالتشديد بالشرع: كما يُشدِّد على نفسه بالنذر الثقيل، فيَلزَمه الوفاء به، وبالقدر كفعل أهل الوسواس. فإنهم شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد عليهم القدر، حتى استحكم ذلك، وصار صفةً لازمةً لهم"[87].

قال ابن المنير: "ف

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ (مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ

لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد تنظم ندوة دولية بعنوان «هجرة النبي ﷺ: بناء وتجديد»

تنظم لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ندوة

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

100%