( الحالة الاجتهادية في زمن كرونا )
الشيخ سالم الشيخي
أظهرت الحالة الاجتهاديّة الإفتائيّة المتعلقة بمستجدّات وباء كرونا مجموعة من الملامح المتعلقة بالمنهج الاجتهادي الإفتائي لدى عدد من العلماء المعاصرين ، وقد ذكر طرفًا من ذلك فضيلة الشيخ ونيس المبروك – حفظه الله – وأضيف إلى ما قال ما يلي :
1- العودة بقوّة إلى الاستدلال بأقول أئمة المذاهب الفقهية المتبعة – رحمهم الله – بعد أن سادت في العقود الأخيرة موجة من الابتعاد عن اجتهادات السابقين، وتأكيد أنّها لغير زماننا ومكاننا وأحوالنا ، وكذلك عدم الاعتناء بأدلة الأقوال المنقولة والترجيح بينها على أساس من قواعد الترجيح الأصولي المقررة عند أهل الاجتهاد ، ما يشعرك بأنّ أقوال العلماء يستدلّ بها ولا يستدل لها على خلاف ما هو معلوم عند أهل العلم.
2- :عدم الاعتناء بالسياق الذي قيلت فيه تلك الأقوال ، مع إهمال واضح للمنظومة الفقهيّة التي تجمع مسائل الباب الواحد المنقولة، ووضع كلام السابقين في ذلك السياق ، فالحديث مثلًا عن اتصال الصفوف في صلاة الجماعة والفاصل بين تلك الصفوف ومقداره والمقبول منه والمردود كلّ ذلك يؤخذ بشكل مجتزأ ومقتطع من سياقه وعلاقته بمنظومة صلاة الجماعة وأحكامها وآدابها ومقاصدها المقرّرة عند هؤلاء الفقهاء ما يترتّب عليه وضع الأقوال في غير محلّها وملابساتها وشروطها، بل منظومتها الجامعة لتلك المسائل أيضًا، وإخراج للمسألة عن صفتها وإلباسها لباس عصرنا اليوم ، وعليه فلو ساق المفتي المعاصر ألف قول لسياق غير سياق أصل النازلة فإنّها بمنزلة قول واحد لا يصح الاستدلال به لأنّه خارج محل النزاع من الأصل.
3- :استنطاق أقوال الفقهاء السابقين وإلزامهم بأقوال في مسائل لم تخطر لهم على بال ، ما يشعرك بأنّ الإمام الذي تكلّم في مسألة قبل ألف عام كأنّه يتكلّم عن النازلة المعاصرة دون أيّ فارق في الصورة والهيئة والمضمون ، حتى بلغ ببعض الفضلاء أن قالوا إنّ مسألة الصلاة خلف المذياع قد تكلّم عنها فقهاء القرن الثاني والثالث الهجري من المالكية والشافعية.
4- :ومن الاستنطاق لكلام الفقهاء كذلك استنطاقهم وكأنّهم يجيزون لمن يصلّي النافلة أن يصلّيها وهو يشاهد التلفاز ويتابع الإمام من خلاله ، وبناء ذلك على القول إنّ الفقهاء قد توسّعوا وترخّصوا في السنن والمندوبات بما لم يترخصوا به في الفرائض ، مع الغفلة عن أنّ توسّع الفقهاء – رحمهم الله – في أمر السنة والنافلة لم يكن دون دليل خاص في أمر العبادات التي الأصل فيها التعبد والتوقف ، فالتوسع في النوافل ليس أمرًا اشتهائيًّا يخترعه الفقيه، وإنما هو أمر توقفي يحتاج إلى دليل خاص ، فإن فُقد الدليل الخاص فالأصل البقاء على هيئة الصلاة المعروفة، لقوله صلى الله عليه وسلّم( صلوا كما رأيتموني أصلي)، ومن المعروف عند عامة الفقهاء أنّ النوافل مع ما جاء فيها من نصوص ثابتة في الترخيص ببعض أمورها إلّا أنّها في كثير من الأمور يشملها ما يشمل الفرائض.
5- :استحداث منهج جديد في الاستنباط يجمع بين القول بصحة الأصل مع اشتراط الضرورة عند إعماله ، ولم يعرف المنطق الاجتهادي أنّ الضرورة اجتمعت مع أصل الجواز في غمد واحد ، ومن هاهنا جمع من قال بصحة الصلاة خلف المذياع بين الاستدلال على صحّتها ابتدأ ونقل في ذلك أقوال الفقهاء وقليلًا من الأدلة ثمّ أردف ذلك بأنّ هذه الصورة تجوز لضرورة وقوع جائحة كرونا ، وليتهم اختاورا أصل الجواز واكتفوا به، أو أختاروا المنع وأجازوا ذلك للضرورة، أمّا الجمع بين الاثنين فهو مسلك جديد لايصحّ شرعًا ولاعقلًا، فاعتبار الضرورة لا يكون إلّا عند عدم الجواز، فالضرورات تبيح المحظورات ولم يقل أحد إنّها تبيح المباحات .
سالم الشيخي
-150x150.jpg)