آخر الأخبار

الميراث الأنثوي

شارك المقال على :

 

الدكتور محمد أحمد شحاتة حسين
المحاضر بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية
أستاذ الفقه الإسلامي بمعهد الدراسات الإسلامية بالإسكندرية
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
1432هـ 2012م
 

 عن ابن عباس, رضي الله عنهما , قال : خطب رسول الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم فقال: {ألا إن الله، عَزَّ وَجلَّ، قد أعطى كل ذي حق حقه ألا أن الله قد فرض فرائضًا وسن سننًا وحد حدودًا وأحل حلالاً وحرم حرامًا وشرع الدين فجعله سهلاً سمحًا واسعًا ولم يجعله ضيقًا ألا إنه لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ومن نكث ذمة الله طلبه ومن نكث ذمتي خاصمته ومن خاصمته فلجت عليه ومن نكث ذمتي لم تنله شفاعتي ولم يرد علي الحوض ألا إن الله لم يرخص في القتل إلاَّ في ثلاث: مرتد بعد إيمان أو زان بعد إحصان أو قاتل نفسًا فيقتل بقتله ألا هل بلغت}. “صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم”
رواه مُسَدَّد، وأَبُو يَعْلَى والطبراني في الكبير- الطبراني: سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، المعجم الكبير، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، الطبعة الثانية، 1404هـ/1983م، (باب العين – أحاديث عبد الله بن عباس) ج11 ص213. – البوصيري: أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري، إتحاف الخيرة المهرة، بزوائد المسانيد العشرة، (كتاب الإيمان) ج1 ص138. – أبو يعلى: أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي، مسند أبي يعلى، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، الطبعة الأولى، 1404هـ/1984م، (أول مسند ابن عباس) ج4 ص343.
 
 
إهداء
البداية من الأنثى والنهاية فيها
وهي حاضرة بين هذ وذاك
إليك يا أحب الناس
يا أمي
كم كنت وأبي عظماء في كل شيء
علمني كيف أجلك وأحبك وأهابك
وعلمتني كيف الحنان والعطف والعطاء دون مقابل

 

المقدمة

  
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المرسلين وخير ولد آدم أجمعين. وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.  ثم أما بعد …

 خلق الله الانسان وكرّمه على سائر المخلوقات، فقال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}(70)سورة الإسراء. وسخر له ما في الأرض جميعا تنعيما له وإجلالا لقدره الذي استحق أن تكون الخلائق في خدمته فقال الحق سبحانه وتعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(13)سورة الجاثية. واقتضت حكمة العزيز الحكيم أن ينشأ الانسان على الأرض من ذكر وأنثى، ويتحقق بذلك التناسل والإعمار، يحيل تلك المعمورة إلى شعوب وقبائل متعارفة ومتنافسة في شتى أنواع الخير بغية الفوز برضوان الله سبحانه إلا من ضل منهم. 
وينبه سبحانه وتعالى لهذا في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(13)سورة الحجرات. وقوله سبحانه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}(15)سورة الملك. وقوْله جل وعلى: {… وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}(26)سورة المطففين.
 وهذا التنافس والتعارف والإعمار أراده الله تعالى أن يخضع لمعايير الناموس الكوني -أي قانون الأسباب-، سواء فيما يتعلق بالدين أم فيما يتعلق بالدنيا. فمن يأخذ بأسباب الدين بغية الآخرة فقط بلغه الله منازلها، ومن طلب أسباب الدنيا في أي مجال من مجال الحياة أبلغه الله نتائجها، ومن طلب الاثنين وفقه الله لخيري الدنيا والآخرة. وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا}(19)سورة الإسراء. وقال تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}(200)سورة البقرة. وقال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}(20)سورة الشورى. وكذلك قال سبحانه: {وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}(201)سورة البقرة. وقال جل وعلى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}(41)سورة النحل.

ولعل أهم آلة ذلك الناموس المال. فبه يُعَانُ على اكتساب العلم كأحد أهم أسباب الاعمار، وبه تُقْضَى الحاجات، وتُجْلب الخامات والمواد، وتُفَعَّل العلوم والأبحاث، ويُرْتَزَق العاملون، وتقوم الحضارات وتُصَان الثقافات، وتنمو المجتمعات، وباختصار كل معالم ومكونات الحياة كبيرها وصغيرها؛ ولذا اهتم الله تعالى بالمال ومصادره ومصارفه. على أساس أنه ملك لله تعالى وأن الإنسان مستخلف للإنفاق فيه، فقد قال الحق سبحانه:{آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ}(7)سورة الحديد. فيجب أن يوجه خير سبيل، ولا خير مما شرعه سبحانه في كل مجال. وحيث إن هذا الموضوع جليل وعظيم ولا يسعه المقام، فقد آثرنا تناول جزئية بسيط من هذا الموضوع. وهذه الجزئية تتعلق بميراث المرأة بما يكرس لها حقا خالصا لا تعرفه شريعة على وجه البسيطة غير شريعة خالق الخلق وشارع الحق ليخرجهم من الظلمات إلى النور.

 لاريب أن مصادر المال متعددة، ولعل الميراث أحدها، بل ويحتل أهمية خاصة. وبالنظر نجد في شرع الناس أنهم قد ظلموا المرأة حينا من الدهر ليس يسيرا حتى حرموها حقوقها. مما أضر بالمرأة وضيق عليها قدرتها في إشباع حاجاتها وأحيانا ضرورياتها أيضا. ولكن الإسلام في شريعته قد كرس مبدأ العدالة للمرأة وليس المساواة، ولعل هذا من أجل إعطائها الفرصة لزيادة نصيبها في ظروف تكون هي الأحوج، أو الأحق في تقدير الشارع الإسلامي، ومن ثم نجد أن حقوق المرأة في الميراث تمثل مؤشرا على مدى تقدير الشرع الإسلامي لتلك الإنسانة المكرمة الكاملة في الإنسانية. فقد نص الحق جل جلاله على عدم التفرقة بينها وبين الرجل لمجرد كونه ذكر أو لكونها أنثى فقال الحق سبحانه: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}(195)سورة آل عمران. وقال سبحانه: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}(124)سورة النساء. وقال سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(97)سورة النحل. وقال سبحانه: {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}(40)سورة غافر. هكذا دون أي تمييز أو تفرقة أو مزية ذكورية غير مبررة. بل إن كان هناك ميزة أو تفاضل تكون لتلك المرأة بوصفها أنثى أولى بالرعاية.

 والناظر في مسائل الميراث يجد أن هناك ميراثا للمرأة إذا جمعنا جزئياته، يكاد يمثل نظرية داخلية في علم الفرائض -المواريث. وهذا ما أطلقنا عليه “الميراث الأنثوي”، وهو ميراث خاص بالأنثى لا يشاركها فيه أي ذكر، بل إن الإناث فيه ينفين الذكور ويحجبوهم عن مال التركة ولو كانوا في درجة القرابة نفسها، طالما كانت الأنثى أقوى فيها. وهي تظل كذلك وتستوفي حقها كاملا.

هذا ونلفت النظر أن الذي نقرره في بحثنا هذا إنما هو ما دلنا عليه شرع الله تعالى أخبرنا به نبيه صلى الله عليه وسلم واجتهد فيه أئمة الفقه الإسلامي على مر الزمان إلى يوم الناس هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. أما ما يتم في بعض الأماكن والمجتمعات من حرمان المرأة لكونها أنثى من حقها فهو مخالف لشرع الله توعد الله عليه بالعذاب الأليم والإسلام منه براء. فقد قال الحق سبحانه وتعالى بعد أن فصل مستحقي الميراث ونصيب كل منهم: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}(14:13)سورة النساء.  
 هذا ولما كان الموضوع جللا هاما، فقد آثرنا تناوله بطريق علمية ممنهجة بحثية فيما صح عن أئمة الفقه الإسلامي تأصيلا وتحليلا. وقد اتبعنا في ذلك خطة بحثية مكونة من مبحثين، بكل مبحث مطلبان. وذلك على النحو الآتي الآتية:

 

• المبحث الأول: التعريف بالميراث الأنثوي.
o المطلب الأول: تعريف الميراث الأنثوي في اللغة والاصطلاح.
o المطلب الثاني: الأنثى والميراث.
• المبحث الثاني: الميراث الأنثوي بين الفرض والتعصيب.
o المطلب الأول: الميراث الأنثوي بالفرض.
o المطلب الثاني: الميراث الأنثوي بالتعصيب.
• المصادر والمراجع. 
• الخاتمة. 
• الفهرس.

هذا وقد استعنت بالله تعالى وبذلت وسع طاقتي جَهدا وجُهدا، فإذا كان الإحسان فإنما هو توفيق من الله سبحانه، وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان وشرع الله منه براء، وكل غايتي أنني طلبت علما في سبيل الله، تفيد منه الأمة والمكتبة الإسلامية والعربية في زاوية من زواياها، واجتهدت راجيا الأجرين فإن كان وإلا فالأجر، وحسبي قول الحق سبحانه وتعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}(88)سورة هود. 
والحمد لله رب العالمين
                                                   د./ محمد أحمد شحاتة
                                                                                                         الإسكندرية في: غرة 1ي الحجة 1431هـ نوفمبر 2010م

 
المبحث الأول
التعريف بالميراث الأنثوي

 
الميراث الأنثوي غير ميراث الأنثى، فبينما يتتبع الأخير حالات ميراث الأنثى دون التفرقة بين خصوصية أنثوية أو عدمها، فيبحث مسائل الميراث جميعا التي يكون للأنثى فيها نصيب بأي وضع. 
أما الميراث الأنثوي فيراعي الخصوصية الأنثوية عند تتبعه حالات الميراث، ويبين قاعدتها أو قانونها الحاكم لمسائلها. 
ولمزيد من الإيضاح نتناول هذا النظر في مطلبين متتاليين. الأول في تعريف الميراث الأنثوي في اللغة والاصطلاح، والثاني في تعلق الميراث بالأنثى. وذلك على النحو الآتي:  
 
 
المطلب الأول
تعريف الميراث الأنثوي في اللغة والاصطلاح
 
يوضع اللفظ بإزاء معناه ويستخدمه العرب في المعنى الذي أُعد له، ولكنهم قد يستخدموه للدلالة على أكثر من معنى، وقد تكون تلك المعاني بعيدة الصلة عن بعضها وقد تكون قريبة يؤدي بعضها إلى بعض. وقد يكون المستخدم لفظ واحد أو مصطلح من أكثر من لفظ. وقد يستخدم أهل فن معين اللفظ للدلالة على معنى خاص عندهم هم. ولا يستخدمه غيرهم في المعتاد، ويُعرف هذا بالمعنى الاصطلاحي. 
ولبيان نصيب مصطلح “الميراث الأنثوي” من هذا وذاك نتناوله في مسألتين الأولى في التعريف اللغوي والثانية في الاصطلاح عند الفقهاء. وذلك وفق التالي:
 
أولا: تعريف الميراث الأنثوي في اللغة

 اللفظ في اللغة له استخدامات كثيرة ويدل على معاني متعددة، وسنقتصر هنا على ما له صلة بموضوعنا مع بيان دلالة المعاني وعلاقتها ببعضها وفق الآتي:

– أ- بيان معنى الميراث الأنثوي في اللغة:
نحن أمام مصطلح مركب تركيبا وصفيا “الميراث الأنثوي” مكون من موصوف وصفة وأثر التركيب أو العلاقة بين الصفة وموصوفها، وهي تخصيص الصفة للموصوف في حدود الوصف. بحيث لا تتعداها لباقي أفراد الموصوف. ولمزيد من الإيضاح نتناول التعريف اللغوي لمصطلح “الميراث الأنثوي” من خلال هذه الزوايا وفق الآتي:
– “الميراث”: 
أصلها “ورث” يرث ميراثا. و”ميراث” الياء فيه بدلا من الواو، فأصل الكلمة “مِوْرَاث” بواو ساكنة، فأُبدلت الواو ياء لسكونها وكسر ما قبلها فيُصاغ مصدرها على وزن “مِفْعال”. وذلك مثل “وعد” تصير “ميعادا” و”وزن” تصير “ميزانا” و”وقت” تصير “ميقاتا”. وهذه قاعدة صرفية مطّردة( ).
ومنه: ورث فلان المال ومنه وعنه، يرثه ورثا وورثا وإرثا ورثة ووراثة: صار إليه ماله بعد موته ويقال ورث المجد وغيره وورّث أباه ماله ومجده ورثه عنه فهو وارث. ومنها “أورث” فلانا جعله من ورثته، ويقال أورثه المرض ضعفا، والحزن هما، وأورث المطر النبات نعمة. و” توارثوا” الشيء ورثه بعضهم من بعض. 
والميراث الإراث جمعها مواريث وعلم المواريث علم الفرائض. و”الوارث” صفة من صفات الله عز وجل، وهو الباقي الدائم الذي يرث الأرض ومن عليها – أي يبقى بعد فناء الكل، ويفنى من سواه فيرجع ما كان ملك العباد إليه وحده لا شريك له. والوراث الإراث، والوراثة علم الوراثة، وهو العلم الذي يبحث في انتقال صفات الكائن الحي من جيل إلى آخر، وتفسير الظواهر المتعلقة بطريقة هذا الانتقال. و”الورث” “الإراث” والطري من الأشياء. و”الوريث” أحد الورثة. والميراث يكون مادي وكذلك معنوي فقد قال الله تعالى إخبارا عن زكريا ودعائه إياه: {وَإِنّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً}(6:5)سورة، أي يبقى بعدي فيصير له ميراثي قال ابن سيده إنما أراد يرثني ويرث من آل يعقوب النبوة. والإرث الأصل والأمر القديم الذي توارثه الآخر عن الأول، والإرث الرماد. والبقية من الشيء. و”أرث” –بفتح الهمزة- بين القوم أفسد، والتأريث الإغراء بين القوم، والتأريث إيقاد النار أيضا( ).

– الأنثوي:
 أصلها “أنثى” وانقلبت الألف واوا، وأُضيفت الياء من أجل النسب. وهنا يجوز حذف الألف ويجوز قلبه واوا. فيحذف  من آخر الاسم إن كان ألفا رابعة، بشرط أن يكون ثاني الاسم متحركا، ولا يكاد ينطبق هذا إلا على الرباعي الذي رابعه ألف تأنيث، نحو: جمزَى وجمزِي. فإن كانت الألف رابعة والحرف الثاني ساكنا، جاز حذفها وقلبها واوا، سواء أكانت زائدة للتأنيث، أم للإلحاق، أم منقلبة عن أصل، مثل: حبلى، وأرطى وملهى. فيُقال في النسب: “حبلى، أو “حبلوي” و”أرطى” أو “أرطوي” و”ملهى” أو “ملهوي”.( ) وكذلك “أنثى” تصير “أنثوي” وتجوز “أنثي”. ونؤثر استخدام “أنثوي” في بحثنا هذا لسهولة إيقاعها وشيوعها أكثر من أختها.

هذا وقد ورد ذكر لفظ “أنثى” في القرآن الكريم ست عشرة مرة بمعناها المعروف أي –ضد الذكر-، وذلك في قول الحق سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(178)سورة البقرة. وقوله سبحانه:{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}(36)سورة آل عمران. وقوله سبحانه: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}(195)سورة آل عمران. وقوله سبحانه: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}(124)سورة النساء. وقوله سبحانه: {اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}(8)سورة الرعد. وقوله سبحانه: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ }(58)سورة النحل. وقوله سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(97)سورة النحل. وقوله سبحانه: {وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}(11)سورة فاطر. وقوله سبحانه: {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}(40)سورة غافر. وقوله سبحانه: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ}(47)سورة فصلت. وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(13)سورة الحجرات. وقوله سبحانه: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى}(21)سورة النجم. وقوله سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى}(27)سورة النجم. وقوله سبحانه: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى}(45)سورة النجم. وقوله سبحانه: {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى}(39)سورة القيامة. وقوله سبحانه: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى}(3)سورة الليل.

وأصلها “أنّث” يؤنث وتؤنث تأنيثا. والاسم “أنثى”. والأنثى خلاف الذكر من كل شيء، ومن جنس الإنسان المرأة الكاملة. والجمع إناث، وأُنُث جمع إناث كحمار وحُمُر. وفي التنزيل العزيز: قال الله سبحانه وتعالى: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطَاناً مّرِيداً}(117)سورة النساء. وقال سبحانه: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبّكُم بِالْبَنِينَ وَاتّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثاً إِنّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً}(40)سورة الإسراء. وقال سبحانه: {أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ}(150)سورة الصافات. وقال سبحانه: {لِلّهِ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذّكُورَ * أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}(50:49)سورة الشورى. وقال سبحانه: {وَجَعَلُواْ الْمَلاَئِكَةَ الّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرّحْمَـَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}(19)سورة الزخرف.

والجمع “إناث” مثل تمار وتمر. والتأنيث اللين، فيقال للرجل أنثت تأنيثا أي لنت له، ولم تتشدد وبعضهم يقول تأنث في أمره وتخنث. والتأنيث خلاف التذكير. ويقال للمرأة أنثى إذا مُدحت بأنها كاملة من النساء، وإذا أطلق لفظ أنثى دون تقييد أو تخصيص، أُريد منه أنثى الإنسان مطلقا دون تخصيص من عمر أو بلوغ. وإذا أريد بها غير الإنسان أضيف إليها للبيان والتخصيص. كأنثى الأسد وأنثى النحل وغيره( ).

ب – دلالة معنى الميراث الأنثوي:
 من استقراء المادة السابقة يتبين أن كلمة “ميراث” تعني مطلق الانتقال لما بقى من شخص لآخر سواء أكان المُنْتَقَل مادي أم كان معنويا. مثل انتقال المال مثلي أو قيمي، وانتقال العلم من الأنبياء إلى العلماء وانتقال الشرف والمكانة الأدبية من الآباء للأبناء. وكذلك البقاء لما انتقل لمن آل إليه واستقراره له. وتدل كلمة “الأنثوي” نسبة للأنثى الآدمية. بحيث يوصف الميراث بأنه أنثوي. بما يفيد تخصيص هذا الميراث. أي تخصيص عموم الانتقال بوصف أنثي، بحيث لا يداخله غير ما هو أنثى. وحيث إن لفظ أنثوي مطلق لم يُقيد. فإشارته لأنثى الآدمي. والآدميون من حيث النوع نوعان، هما ذكر وأنثى. فإذا خُصِّصَ هذا الميراث للأنثى، فإنما يدل على عدم دخول الذكور الآدميين – رجالا بالغين كانوا أو صغارا-  واختصاص الإناث بهذا الميراث. 
 
ثانيا: تعريف الميراث الأنثوي في اصطلاح الفقهاء

التعريف الاصطلاحي لأي مصطلح هو معناه لدى أهل فن معين في سياق علمي منضبط بحيث يكون جامعا مانعا خالي من المجاز والغموض. 
وفي بحثنا نقصد من التعريف الاصطلاحي ما تعارف عليه فقهاء الفقه الإسلامي لمصطلح “الميراث الأنثوي”. ثم نردفها بالتعريف المختار الذي نرى أنه الأكثر دقة في إبراز المعنى المقصود. وذلك من خلال النقاط الثلاث الآتية:

– أ- تعريف الميراث الأنثوي في اصطلاح الفقهاء:
 مصطلح الميراث الأنثوي كلمتان، فلمزيد من التبيان نبين كل منهما على حداه، ثم نبين تعريف المصطلح إجمالا:

* الميراث عند الفقهاء:
 يستعمل الفقهاء كلمة الفرائض للدلالة على الميراث، وغالبا ما تُسْتَعْمل الكلمتان بمعنى واحد( ). هذا وقد تباينت التعريفات لدى الفقهاء ما بين موجز ومسهب وذلك وفق التالي:

– عرّف الأحناف الميراث بأنه: 
“علم بأصول من الفقه والحساب تُعَرِّف حق كل من التركة” وقالوا: “قواعد وضوابط تُعَرِّف حق كل واحد من الورثة قدر ما يستحق من التركة”.( ) 
ويؤخذ على التعريف الأول غموضه نسبيا كما أنه غير مانع فقد أدخل حقوق في التركة ليست ميراثا، كالديون والوصايا. أما التعريف الثاني فهو كالأول كما أنه لم لم يبن عن نوع وماهية القواعد والضوابط.

– وعرّف المالكية الميراث بأنه: 
“علم يعرف به من يرث ومن لا يرث ومقدار ما لكل وارث”.( ) وقالوا: نظر “فيمن يرث ومن لا يرث”.( ) 
ويؤخذ على تعريفي المالكية تعريف المعرف بمادته اللغوية وتصريفها. كما أن الميراث يحتاج لغير العلم بمن يرث ومن لا يرث إذ كيف ستجري آلية حسب أنصبة المال المورث، فكان غير جامع لمفردات المعرف.  

– وعرّف الشافعية الميراث بأنه: 
“مسائل قسمة المواريث”.( ) وقالوا: “نصيب مقدر شرعا للوارث والأصل فيه قبل الإجماع آيات المواريث والأخبار الصحيحة”.( ) 
ويؤخذ على التعريفين تناول مادة المعرف اللغوية في التعريف، وكونه غير جامع فلم يبن ماهية المعرف، كما أنه غير مانع حيث أدخل مصادر علم الميراث في التعريف وهي خارجة عن مفرداته وماهيته.   

– وعرّف الحنابلة الميراث بأنه: 
في الكافية والزركشي الحنبلي: “العلم بقسمة المواريث”. وقالوا: “قسمة المواريث”. وقالوا في الرعاية الكبرى: “معرفة الورثة وسهامهم وقسمة التركة بينهم”. وقالوا في الرعاية الصغرى: “قسمة الإرث”. وقال المرداوي: “معرفة الورثة وحقوقهم من التركة”.( ) وقالوا: “قسمة المواريث”.( ) 
رغم تعدد التعاريف لدى الحنابلة إلا انها متقاربة جدا لفظا ومعنى، وتعرف المعرف به أي بمادته اللغوية وهذا معيب في التعاريف. ويؤخذ عليه ما أخذ على التعاريف السابقة.    
– وعرّف الشيعة الإمامية الميراث بأنه: 
“السهام مطلقا المقدرة في الكتاب والحاصلة من السنة”.( ) وقالوا: “استحقاق إنسان بموت آخر بنسب أو سبب شيئا بالأصالة”. وقالوا: “استحقاق إنسان بموت آخر بنسب أو سبب بالأصالة”.( ) وقالوا: “علم يعرف به أسباب الإرث وكيفية التوارث وموانعه وموجباته”.( ) 
ويؤخذ على هذه التعريفات أنها غير جامعة وغير مانعة ففي الكتاب سهام غير سهام الوارثين كسهام الزكاة والصدقات والغنائم والفيء، كما أن الميراث ليس وحده ما يُستحق بموت آخر فالوصية كذلك تستحق، ثم هل بمجرد الموت لهذا الآخر يستحق المال؟ سواء أكان موته أولا أم أخرا. فبالقطع يلزم التأكد من موت المورث كي يمكن للوارث أن يرث. كما أنه علم الميراث له مباحث أخرى غير أسبابه كمصادره  وآلية التقسيم أي علم الحساب وغير ذلك.  

– تعريف الميراث عند المحدثين:
 تناول المحدثين تعريف الميراث محاولين تفادي كثير من الملاحظات السابقة، ومن تعريفاتهم: “قواعد من الفقه والحساب يتوصل بها لمعرفة حق كل وارث من التركة”.( ) و”علم بأصول وحساب تعرِّف حق كل من التركة، وهو ينشأ من اتصال الفقه بالحساب”.( ) و”النصيب المقدر للورثة”.( ) و”علم يعرف به من يرث ومن لايرث ونصيب كل وارث”.( ) و”قواعد من الفقه والحساب يعرف بها ما يخص كل ذي حق في التركة ونصيب كل وارث منها”. و”العلم الذي يدرس قواعد التوريث وضوابطه، بتحديد من يرث ومن لا يرث والتركة ونصيب كل وارث منها والحقوق المتعلقة بها وما يتبع ذلك من مسائل الميراث وأحكامه”( ) و”قواعد من الفقه والحساب يعرف بها نصيب كل وارث من التركة”.( )

هذه التعريفات متقاربة في معناها العام والاختلاف بينها غير مؤثر غالبا، ويؤخذ على هذه التعاريف كثير مما سبق قوله فنحيل إليه فيما قيل في تعريفات فقهاء المذاهب منعا للتكرار، كما أن تعريفات المحدثين تركز على تضمين تعريفاتهم إدخال علمي الفقه والحساب في ماهية علم الميراث وهذا حسن. ولكنهم ضمنوا ألفاظ تحتاج إيضاحا كالتركة، كما أن التركة ليست كلها ميراثا فيتعلق بها حقوق أخرى كالديون والوصايا وتجهيز الميت ونفقة عدة زوجته. كما أغفلت التعاريف كثيرا من مفردات المعرف فالميراث يتضمن العلم كذلك بمن لا يرث على وجه معين.       

• الأنثوي:
“الأنثوي” صفة لنسب الأنثى تدخل بعض أفراد موصوفها في دلالة معناها على سبيل التخصيص. والأنثى مطلقا أنثى الآدمي، والمراد بها نوع الأنثى صغرت أو كبرت. والأنثى ضد الذكر وهي المرأة. ولها علاماتها المعروفة عند الميلاد وعند البلوغ، وينبغي التحقق من الأنوثة عند ثبوت استحقاق الميراث، أي عند موت المورث. 
والنسب للأنثى يقتضي إدخال الموصوف بالنسب فيه، والصفة نوع من التخصيص والتمييز بحيث تخصص الموصوف عن باقي أفراده. فإذا قلنا بين جمع من الرجل “الرجل المصري”. اقتضى ذلك تمييز أحدهم واختصاصه بالحديث، ونفي ذلك عمن لم تتوافر فيه الصفة. ومن ثم فالأنثوي صفة نسب تفيد دخول ما تنسبه إليها في معنى الأنثى. وتنفي ما عداه- أي يخرج بهذا عن معنى الأنثوي كل ذكر كبيرا كان أو صغيرا، وكذلك كل خنثى كبيرا كان أو صغيرا. وإن كان لهم ميراث يستحقونه. ولكن تم تخصيص مفردات من هذا الميراث للأنثى ولا يشاركها في غيرها.
ويختلف الحال إن قلنا “الميراث أنثوي” أو “الميراث هو الأنثوي” فتصير العلاقة مبتدأ وخبر وأنثوي في الجملة الأولى خبر وكذلك الأنثوي في الجملة الثانية و”هو” ضمير فصل. ومن ثم يكون المعنى الحكم على جنس الميراث كله بأنه أنثوي، وليس للذكورة أو غيرها فيه نصيب. وهذا بخلاف الحال في مصطلحنا حيث أفادت صفة النسب تخصيص بعض أفراد الميراث وليس كلها.

– ب – التعريف المختار للميراث الأنثوي:
 يمكننا أن نعرِّف “الميراث” بأنه: “علم ما يحق لكل شخص بسبب النسب أو القرابة أو الزواج، وعلم من يُمنع أو يُحجب من مال آخر مات أولا بعد أداء حقوقه وفق ضوابط وقواعد من علمي الفقه والحساب”.
 كما يمكننا تعريف “الأنثوي” بأنه: “صفة نسب لنوع الأنثى الآدمية تفيد اختصاصها ببعض أفراد موصوفها على نحو تنفي غير الأنثى مما اختصت به”.
من المادة السابقة يمكن أن نعرف “الميراث الأنثوي” بأنه: “علم ما يحق لإناث على نحو ينفين منه غيرهن، ويكون بسبب القرابة، وعلم من يُمنع أو يُحجب من مال آخر مات أولا بعد أداء حقوقه وفق ضوابط وقواعد من علمي الفقه والحساب”.    

– ج- شرح التعريف المختار:
 بالنسبة لتعريف الميراث: فهو جامع حيث جمع كل مفردات المعرف من مصادره وآلية عمله من خلال ضوابط ونصوص وأدلة علم الفقه، وكذلك ضوابط وقواعد وآلية عمل علم الحساب في توزيع الأنصبة وحسابها، وأوضح أسباب الميراث ومن لا يرث والضابط لذلك وبيان الماهية، كما أنه مانع من دخول غير الميراث في هذا التعريف فلا تدخل الوصية ولا الهبة ولا ديون الميت أو غير ذلك.
 وبهذا فالميراث علم يحدد حق كل شخص يتصل للميت بسبب الزواج والقرابة عموما أو النسب سواء النسب العصبي أم النسب السببي -أي الولاء-، وليس كل من دخل تحت سبب من الأسباب المذكورة يرث. ولكن قد يحول دون ذلك الحجب أو المنع. فالحجب يجعل المحجوب لا يرث لوجود من هو أقرب منه للميت، أما الممنوع فلا يرث للرق ولاختلاف الدين أو للردة أو بسبب قتله للمورث.
 وقد حدد التعريف أن الميت يرثه من توافر فيه أحد الأسباب طالما كان موته سابق عن الوارث. كما أن الميراث ينقل المال للوارث بعد أداء الحقوق المتعلقة بالتركة أولا كالديون والوصايا وتجهيز الميت.
 أما تعريف الأنثوي: فيعني كوْن هذا اللفظ صفة نسب إذا أسند إليها موصوف اختصته في بعض مفرداته بوصفها دون دخول غير الموصوف في المعنى ولو كان في الأصل ضمن أفراد الموصوف، وفي حالتنا يقتصر المعنى في أفراد الميراث لما يكون لأنثى فقط فيخرج ما يكون للذكر وللخنثى.
أما بالنسبة لتعريف مصطلح “الميراث الأنثوي”: فبالإضافة لما يعنيه تعريف الميراث وتعريف الأنثوي. فإنه يفيد تتبع أفراد وحالات الميراث التي تختص بها أكثر من امرأة كبارا كانوا أو صغارا، وقيد الجمع في التعريف يفيد ما كان فوق الواحدة لأن أقل الجمع في الميراث اثنان- أي يتحقق معنى التعريف إذا كانتا اثنتين من النساء- فإنّ اختصاصهن بالميراث الأنثوي قائم. وقدرتهن على نفي غيرهن من الرجال والخنثى قائمة. 
أما إن انفردت الأنثى وحدها بالميراث دون مستحق آخر بسبب الحجب أو المنع أو عدم وجود غيرها فإنها تأخذ نصيبها فرضا والباقي ردا، وتلك حالة غير ما نقصده، فالمقصود من الميراث الأنثوي وجود قوة في الأنثى تمكنها من نفي غيرها من الميراث مع وجوده أو عدم وجوده دون فرق. كما يخرج من مفهوم الأنثوي للميراث الأنثى التي لا يفيد اجتماعها مع أنثى في تخصيص الميراث لهم ونفي غيرهن من الرجال أو غيرهم. وذلك مثل بنت وأم. فللبنت النصف وللأم السدس والباقي يأخذانه ردا. وجود الأم هنا غير مؤثر في اختصاص الميراث للإناث في المسألة فلو كان معهن ابن أخ فسيأخذ الباقي، ولن يُرد على البنت والأم. أما إن كان مكان الأم أختٌ شقيقة أو لأب، فتأخذ البنت نصفها والباقي تأخذه الأخت تعصيبا مع الغير وتحجب ابن الأخ. فهنا اختصت الإناث بالميراث ونفت منه الذكور.
إذن فالميراث الأنثوي لا يضم كل الإناث وإنما يضم إناثا وفق ضوابط وقواعد يكوّن حقا خالصا لهن في التركة أو بعضها. وهن وفق تلك القواعد أو الضوابط قوة تنفي غيرهن رجالا كانوا أو خناثا.
 
 
المطلب الثاني
الأنــثـــى والميــــراث

 تستحق الأنثى الميراث متى توافر لها سبب من أسبابه وتكون غير ممنوعة أو محجوبة. ويتعلق الميراث بها فترث كثيرا أو قليلا بالنسبة لباقي الورثة. 
هذا من جانب ومن جانب آخر فهناك فرق بين ما تستحقه كل أنثى من التركة والميراث الأنثوي حتى تستحق وفقا له. فيلزم من هنا التفرقة بين ميراث الأنثى والميراث الأنثوي على وجه يرفع الالتباس. ومن ثَم نتناول هاتين المسألتين بشيء من الإيضاح وفق الآتي:

أولا: تعلق الميراث بالأنثى

 الميراث في الفقه الإسلامي أربعون مسألة أساسية تتناول أحوال الورثة جميعا، وترث الأنثى نصف الذكر في خمس منها فقط على سبيل النص،( ) وترث نصف الذكر في مسألتين بالقياس، وترث نصف الذكر في مسألة ضرورة تقديرا لظروفها هي حتى لا تعدم الميراث. بينما ترث في باقي المسائل -وهي احدى وثلاثون مسألة- أكثر من الذكر أو مثله أو ترث هي ولا يرث الذكر وإن كانا في الدرجة نفسها ما دامت أقوى منه. ولإيضاح هذه الفكرة تفصيلا نتناول هذه الأحوال الأربع كل منها على حداها وفق الآتي:

– أ- الأنثى ترث نصف الذكر:
 هناك ثلاث حالات ترث فيها الأنثى نصف الذكر، الأولى نصية والثانية بالقياس والثالثة للضرورة التي تلحق بالأنثى لتجنب حجبها من الميراث. ويلاحظ أنه في تلك الحالات جميعا تكون الأنثى مع الذكر في درجة قرابة واحدة وكذلك في قوة واحدة. 
ومع تتبع تلك الحالات نرصد أن الذكر فيها كلها يكون عصبة وملزما بالإنفاق على الأنثى ومسؤولا عنها، وكأن الميراث بينهما بالسوية والزائد عنده للإنفاق عليهما جميعا، وكذا يدفع هو مهرا وخلافه عند الزواج وتقبضه هي ممن يتقدم لها، فيتساوى الأمر في جملته( ). وبالتالي نتناولها وفق الآتي:

– 1- الحالات النصية:
 للأنثى خمس حالات يرث الذكر فيها ضعفها، وقد ورد ذكرها نصا هي:
• البنت مع الابن:
ترث البنت الصُّلبية نصف ما يستحقه الابن الصُّلبي، وذلك لقول الله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِيَ أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الاُنْثَيَيْنِ …}(11)سورة النساء. والولد في اللغة تعني أولاد الشخص سواء أكان الولد ذكرا أم  أنثى( )، وعلى هذا اتفقت كلمة علماء التفسير والفقه.( ) 
فإن مات رجل وترك ابن وبنت، فيقسم المال ثلاثة أقسام يأخذ الابن ثلثين وتأخذ البنت ثلث. وبهذا يتضح أن البنت الصلبية ورثت نصف الابن. وإن ترك ابن وبنتين. فللابن النصف ةلكل بنت ربع التركة. وإن ترك ابنين وأربع بنات. فلكل ابن ربع التركة، ولكل بنت ثمنها.

• بنت الابن مع ابن الابن:
ترث بنت الابن نصف ما يستحقه ابن الابن لدلالة قول الله سبحانه وتعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِيَ أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الاُنْثَيَيْنِ …}(11)سورة النساء. والميراث في هذه الحالة كسابقتها. فإن تركت امرأة بنتي ابن وابن ابن، فلكل بنت ابن الربع ولابن الابن النصف. هذا لكوْن أولاد الابن وإن نزل كالأولاد، وحكمهم حكم أولاد الصلب في حالة عدم أولاد الصلب، وعلى هذا إجماع الأمة. 
ولم يخالف أحد إلا ابن مسعود، حيث جعل المال لابناء الابن الذكور وليس لبنات الابن شيء،( ) مستدل بحديث للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ما رواه البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: “ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر”.( ) ورغم صحة الحديث من حيث سنده لرسول الله صلى الله عليه مسلم إلا أن دلالته لا تنطبق على أولاد الأبناء بهذه الكيفية. فإن حكمه يكون حالما لا يكون للميت أولاد ولا أولاد أبناء، ولا أحد من المنصوص على ميراثهم من أصحاب الفروض. ففي هذه الحالة يذهب المال لأقرب ذكر سواء أكان ابن أم ابن ابن، وإن لم يكن ممن ذكروا في نصوص الميراث بالقرآن أو السنة المشرفة. ومن ثَم يثبت حكم إنزال أولاد الأبناء منزلة أولاد الصلب.

ويؤيد هذا النظر خطاب الله تعالى للناس في أكثر من موضع بقوله سبحانه “يا بني آدم” مع أن المتيقن أن أولاد آدم عليه السلام قد ماتوا من زمن بعيد ولم يبق بالأرض إلا أولاد أولاده نزولا، فقد قال جلّ وعَلَى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}(27:26)سورة الأعراف. وقال سبحانه: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(31)سورة الأعراف. وقال سبحانه: {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}(35)سورة الأعراف. وقال سبحانه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}(60)سورة يــس. وكذا ثبت إنزال أولاد الابن منزلة أولاد الصلب عند عدم أولاد الصلب بإجماع الأمة.( )
 فإن مات رجل، وترك ابن وبنت ابن، فلابن الابن الثلثين ولبنت الابن الثلث. سواء أكان أخاها أم كان ابن عمها. وكذلك إن ترك ابن وثلاث بنات، تقسم التركة خمسة أخماس للابن الابن خمسان ولكل بنت ابن خمس.

 

• الأخت الشقيقة مع الأخ الشقيق:
الأخوة الأشقاء من يتحدون في الأب والأم، فإن لم يكن للميت أولاد ذكور ولا أب. وله أخوة أشقاء فإن الذكر فيهم يرث ضعف الأنثى بطريق التعصيب. فإن مات شخص وترك أخت شقيقة وأخ شقيق، فللأخ الشقيق ثلثي المال وللأخت الشقيقة الثلث الباقي. ذلك بدلالة قول الله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(176)سورة النساء. فالشاهد في قوله تعالى: {وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ}. والأخوة المذكورة في الآية الشريفة هم الأخوة لأب وأم أي الأشقاء، وكذلك الأخوة لأب فقط.( ) وقد ذكر أبو بكر الصديق في خطبته له رضي الله عنه: “ألا إن الآية التي أُنْزِلَت في أول سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرت به الرحم من العصبة”.( )    

ومن ثَم إن مات رجل وليس له أب ولا أولاد، وترك أخا شقيقا وأختين شقيقتين، فللأخ الشقيق نصف التركة، ولكل أخت شقيقة ربعها. وإن ترك أخوين شقيقين وأخت شقيقة. فلكل أخ شقيق خمسي التركة، وللأخت الشقيقة خمسها.

• الأخت لأب مع الأخ لأب:
في حالة عدم الأبناء الذكور والأب والأخوة الأشقاء، وَوُجِدَ أخوة لأب، ترث الأخت لأب مع أخيها للأب للذكر مثل حظ الأنثيين. وعامة يحل الأخوة لأب محل الأخوة الأشقاء إن لم يوجدوا. فإن مات شخص وترك أختين لأب وأخ لأب، أخذ الأخ لأب النصف وأخذت كل أخت لأب ربع مال التركة. وقد ثبت هذا بدلالة قوله تعالى: {…وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(176)سورة النساء. وبإجماع الأمة.( )
فإن مات رجل وترك أخوين لأب وأختين لأب، أخذ كل أخ لأب ثلث التركة وأخذت كل أخت لأب سدسها. وإن ترك أخ لأب وثلاث أخوات لأب، قُسِّمت التركة خمسة أخماس ويأخذ الأخ لأب خمسين وتأخذ كل أخت من الثلاث أخوات لأب خمس.

• الأم والأب:
إذا لم يكن للمورّث ورثة غير أبيه وأمه، فالتركة لهما بحيث تأخذ الأم الثلث ويأخذ الأب الثلثين. وبهذا تكون الأم حصلت على نصف ما حصل عليه الأب. 
وقد ثبت هذا بموجب قول الحق تبارك وتعالى: {…فَإِن لّمْ يَكُنْ لّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُمّهِ الثّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلاُمّهِ السّدُسُ …}(11)سورة النساء. 
دلت الآية بالنص الواضح أن الأب والأم إن انفردا بالتركة فللأب مابقي بعد ثلث الأم، مما يجعله يرث ضعفها. وهذا نص محكم وعليه إجماع الأمة ولم يخالف أحد.

– 2- حالة القياس “الغراوان” أو “العمريتان”:
لما كان ميراث النصف للأنثى مرتبط بكوْنها في درجة القرابة نفسها مع الذكر الذي سيأخذ ضعفها، وملزم شرعا بالإنفاق عليها، فقد تحققت هذه العلة في مسألتين، هما اجتماع الأم والأب مع الزوج أو الزوجة في ميراث واحد بغير ولد للمورث ولا أخوة. وبالموازنة نجد أن الأم سترث أكثر من الأب إن كان المسألة في اجتماعهما مع زوج ابنتهما المورثة بل ستأخذ ضعفه ويأخذ هو نصف ما تحصل هي عليه. وكذلك يأخذ الأب أقل من ضعف ما تحصل الأم عليه إن اجتمعا مع زوجة لابنهما المورث. وللإيضاح نضرب المثل الآتي:

– ماتت عن زوج وأم وأب. وتركت 12 فدانا. يكون للزوج النصف وهو ستة أفدنة، وللأم الثلث وهو أربعة أفدنة ويأخذ الأب الباقي تعصيبا وهو فدانان. وكذلك إذا توفى رجل وترك زوجة وأم وأب. فللزوجة الربع وهو ثلاثة أفدنة وللأم الثلث وهو أربعة أفدنة وللأب الباقي تعصيبا وهو خمسة أفدنة.

ولما كان الأب يساوي الأم في درجة قرابتها وقوتها للمتوفى، وهو مسئول قطعا عن الإنفاق عليها، فبقياس هذه الحالة على كل حالات ميراث الأنثى التي ترث فيها نصف ما يرثه الذكر نجد أنها متطابقة مع توافر العلة المشتركة، كما أن التوجيه القرآني في قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُمّهِ الثّلُثُ}، في خصوصية الأب والأم يجعلنا ننظر لتلك الحالتين بأنه إذا حُصر الميراث في الأبوين فنصيب الأم لا يتعدى الثلث ونصيب الأب الباقي -أي ترث الأم نصف الأب. وبتأمل النص القرآني نجد أن سياق ميراث القربات بالنسب يقيم ميراث الأب والأم على نحو إما أن يكونا مع الأولاد وإما أن يكونا مع الأخوة. وفي هذا ترث الأم سدس فقط إلا إذا كان الموجود واحد من الأخوة.

أما القرابة بالزوجية فحقيقتها أنها عقد. ومن سماتها نشأتها بالعقد وانتهائها بانتهائه، والنشأة بكلمة والانتهاء بكلمة، أما النسب فلا. فهو ثابت ولا يملك الشخص فيه صرفا ولا تحويلا. وميراث الأب من ابنه مع الأم يكون في سياق قرابات النسب، ومن ثَم يلزم إقامة تقسيم الميراث حينها في إطار قرابة النسب، مما يستلزم إخراج قرابة العقد. وهذا يعني إخراج الزوج أو الزوجة كل بنصيبه ثم تقسيم الإرث بين الأم والأب على اعتبار عدم الولد والأخوة. وباستبعاد الزوج أو الزوجة كل منهما بنصيبه، تُقَسَّم التركة وفق النص القرآني{وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُمّهِ الثّلُثُ}، فيما يُعرف بميراث الأم لثلث الباقي بعد ميراث أحد الزوجين، وهو ما يطلق عليه الفقهاء اسم “الغراوين”. خاصة أنه لا يوجد وارث غيرهما في التركة أصلا يمكن أن تُمس حقوقه. وبهذا ترث الأم نصف ما يرثه الأب. ولإيضاح هذا:
– ماتت عن زوج وأم وأب. وتركت 12 فدانا. يكون للزوج النصف وهو ستة أفدنة، ثم نخرج الزوج من المسألة ونحدد الباقي وهو ستة أفدنة ونقسمها بين الأب والأم، فتأخذ الأم ثلثها، وهو فدانان، ويأخذ الأب الباقي تعصيبا وهو أربعة أفدانة. وكذلك إذا توفى رجل وترك زوجة وأم وأب. فللزوجة الربع وهو ثلاثة أفدنة، نخرجها من المسألة، ونحدد الباقي وهو تسعة أفدنة، تأخذ الأم الثلث وهو ثلاثة أفدنة وللأب الباقي تعصيبا وهو ستة أفدنة.

ونلاحظ في هذه الحالة بعد إعمال النص وإجراء القياس، وبعد استبعاد الزوج أو الزوجة بنصيبهما أن الأم ورثت نصف الأب. وهذا ما قضى به عمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم ووافقه غالبية الصحابة وهو ما ذهب إليه الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية. وقد خالف فيها ابن عباس وشريح القاضي وابن سيرين وأبو بكر الأصم من الحنفية وابن اللبان من الشافعية والظاهرية والإمامية فقالوا إن للأم ثلث التركة مطلقا ولا شيء فيما يقع لنصيب الأب( )، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر”( )

ورد عليهم الجمهور بأن إعمال النص القرآني أولى والحديث مطبق لأن الأب هو أقرب ذكر في مسألتنا، وإنما الكلام على فرض الأم وتأويل الآية بأن الميراث إذا انحصر في الأبوين لابد من ألا يزيد نصيب الأم عن ثلثه، وهذا ما وقع بعد خروج الزوج أو الزوجة، وهما وارثان غير مؤثران على خصوصية ميراث الأبوين. إذ المؤثر وفق نص الآيات الأولاد أو الأخوة، كما أنهما ذكر وأنثى من نفس الدرجة والقوة في القرابة فقياسا لابد من أن يرث هو ضعفها ومعقولا مسئول هو بالإنفاق عليها وهو عامل شاهد في جميع حالات ميراث الأنثى التي ترث فيها نصف الرجل. ولعل الرأي الراجح ما ذهب إليه الجمهور لقوة الدليل وإنهم يُعْملون الأدلة جميعا، وإعمال الأدلة مقدم على تعطيل بعضها، ووجاهة القياس ومنطقية المعقول أيضا، كما أن منطق ابن عباس ومن تبعه متردد وغير مستند لدليل قوي وبه اضطراب فقد ورد عن ابن سيرين أنه أعطاها ثلث الباقي مع الزوج وثلث الجميع مع الزوجة فلا هو أعمل الحديث خارج سياق الآيات كأصحابه ولا اتبع الآيات مع إعمال الحديث كالجمهور.( )

-3- حالة الضرورة الأنثوية:
لا خلاف أن البنتين فأكثر يحجبن بنت الابن أو أكثر، إلا أن يكون معهن عاصب ذكر يتعصبن به، فيرثن معه للذكر مثل حظ الأنثيين. وهذا العاصب لابد أن يكون من الدرجة نفسها لمن يتعصب به، وإلا اختلف الميراث. فإن كان أقرب منه للمورّث حُجب، وإذا كان أنزل ورث كلٌ بفرضه أو تعصيبه أو يحجب أيضا. فالابن يحجب كل أولاد الابن ذكورا كانوا أو إناثا؛ لأنهم دونه. ولا يحجب البنات الصلبيات لأنهن من درجته، بل يتعصبن به. 
وابن الابن لا يعصّب بنات الصلب، فيرثن فرضهن ويرث هو ما بقى بالتعصيب ما لم يوجد من هو أقرب منه فيحجبه. وإذا وُجدت بنتان فأكثر فقد استغرقن نصيب ثلثي التركة وهو نصيب البنات، ولم يبق شيئا لبنت الابن، وكذلك هي بالنسبة لمن هن أنزل منها. بل إن لم يوجد أحد آخر من الورثة له حق يأخذن باقي التركة ردا. 
وهذه إشكالية تواجهها بنت الابن إن كان للمورّث أكثر من بنت أو تكون هي أنزل من غيرها وتكون مهددة بألا ترث( ). وقد قدر الفقهاء حاجة بنت الابن حينما تُحجب من بنتين أو من بنت وبنت ابن أعلى من المحجوبة أو من بنتي ابن أعلى من المحجوبة.
 وفي الوقت ذاته لا يوجد معها ابن ابن من درجتها وهو شرط هام لتتمكن من التعصيب به، ولكن وُجد ابن ابن ابن، وهو أنزل منها ولكنها تتعصب به لحاجتها إليه. وفي هـذه الفـرْضية نجـد أن بنت الابن ليس لها ميراث في أصل الحال. 
وإذا أمعنَّا النظر من جهة أخرى فإن ابن ابن الابن الأنزل منها هو أقرب ذكر لها وبالتالي مسؤول بالانفاق عليها ويلي زواجها، فأشبه إلى حد كبير الذي من درجتها، وحياطة لأمرها وحاجتها فتتعصب به، وترث معه للذكر مثل حظ الأنثيين، ولولا هذا لعدمت الميراث.( )

– ب – الأنثى ترث مثل الذكر:
هناك أربع حالات يرث فيها الذكور كالإناث، ولكل حالة مسألتان في هذا الخصوص. الحالة الأولى الأب والأم في حالة وجود الواحد فأكثر من الولد الذكر، أو الاثنين فأكثر من الولد الأنثى مع الأب والأم في ميراث واحد. والحالة الثانية ميراث الجد مع الجدة مع الفرع الوارث المذكر أو الجمع من الفرع الوارث المؤنث. والحالة الثالثة ميراث الأخ لأم مع أخت لأم، أو الأخوة لأم ذكورا وإناثا فوق الاثنين. والحالة الرابعة ميراث الأخوة لأم مع الأخ الشقيق أو لأب. ولإيضاح الحالتين نبين الآتي: 

• الحالة الأولى: الأب مع الأم:
يرث الأب مثل الأم ويكون لكل منهما السدس من التركة في مسألتين أساسيتين، هما وجود الابن الذكر للمورث وإن نزل، ويرث مثلها إذا كان للمورث بنتان صلبيتان أو أكثر وأم وأب. ففي المسألة الأولى يأخذ كل من الأب والأم سدس لكل منهما، ويأخذ الابن الباقي تعصيبا. والحال نفسه إن كان مع الابن بنت فيبقى ميراث الأب والأم كما هو ويرث الأولاد الباقي تعصيبا للذكر مثل حظ الأنثيين. وذلك بدلالة قول الله سبحانه وتعالى: {…وَلأبَوَيْهِ لِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ…}(11)سورة النساء. أما المسألة الثانية فميراث الأب والأم مع جمع من بنات الصلب أو بنات الابن أو من كليهما، لأن البنات في هذه الحالة سيرثن الثلثين فرضا وتأخذ الأم السدس فرضا، ويأخذ الأب السدس فرضا والباقي تعصيبا، وهنا لم يبق باقي، وليس للأب إلا السدس فقط. وذلك بدلالة الجمع بين قول الله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِيَ أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الاُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النّصْفُ وَلأبَوَيْهِ لِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ…}(11)سورة النساء. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر”( ) فالأب هنا وارث بالفرض الذي هو سدس  وبالتعصيب وينحصر مقدار ما يأخذه في السدس لأنه لم يبق في التركة غيره، وهو ما أخذته الأم تماما. 

• الحالة الثانية: الجدة مع الجد:
الجدة ترث السدس في حالة عدم وجود الأم، في تحل محل الأم وإن عالت بشرط ألا تحجبها أم أو جدة أقرب منها للمورث. ويرث الجد وإن عَلَى مثل ميراث الأب بشرط عدم وجود أب أو جد أدنى منه للمورث. وبالتالي فالجدة ترث سدسها ويرث الجد مثلها كالحال في مسألتي الأم مع الأب السابقتين.( )

• الحالة الثالثة: الأخوة لأم:
هناك مسألتان، الأولى: ترث الأخت لأم السدس مع الأخ لأم، أما المسأـلة الثانية: وجود عدد من الأخوة لأم ذكورا وإناثا، ذهب ابن عباس إلى تقسيم المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين قياسا على الأخوة لأبوين، ولكنه خالف في ذلك نص الآية الشريفة وإجماع الصحابة على اختصاصهم بالأخوة لأم وفيها: {فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثّلُثِ} والشركة تقتضي المساواة.( ) والرأي الراجح والمعتمد ما ذهب إليه اجتماع الصحابة رضوان الله عليهم وجميع الفقهاء وهو تقاسم الأخوة لأم ذكورا وإناثا ثلث التركة بالتساوي فيما بينهم. وذلك في حالة عدم الأولاد وأولاد الابن وإن نزلوا، وعدم الأب والجد وإن عَلَى. وذلك بدلالة قوله تعالى: {…وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثّلُثِ…}(12)سورة النساء. والكلالة من لا ولد له ولا والد، والأخوة المقصودون في الآية الشريفة هم الأخوة لأم بإجماع الفقهاء.( )

• الحالة الرابعة: الأخوة لأم والأخ الشقيق أو الأخ لأب:
هناك مسألتان للأخوة لأم مع الأخ الشقيق أو الأخ لأب مع صاحب فرص نصف بحيث يكون الجميع وارثا دون حجب، ولا يكون ذلك إلا مع الزوج. فالمسألة الأولى دون وجود الأم ولا الجدة، والثانية مع وجود الأم أو الجدة. وهما على النحو الآتي: 
– المسألة الأولى: إذا وُجِد زوج وأختان لأم وأخ شقيق أو أخ لأب. يأخذ الزوج النصف فرضا والأختان لكل منهما السدس، والباقي للأخ الشقيق أو الأخ لأب، ولم يبق من التركة إلا السدس فقط. فإذا أخذه الأخ الشقيق أو الأخ لأب يكون قد ورث مثل الأخت لأم وكلاهما أخ للمورّث في الدرجة نفسها، بل الأخ الشقيق أقوى في درجة القرابة.

 – المسألة الثانية: المشتركة: هي المسألة العمرية لقضاء عمر رضي الله عنه فيها، ويُقال لها الحمارية أو الحجرية لأن المدعون فيها قالوا لعمر  عند قضائه الأول هب أن أبانا كان حمارا أو كان حجرا. ونسقها يضم زوجا وأما أو وأخوين لأم أو أختين لأم أو أخوة لأم ذكورا وإناثا وأخوة أشقاء ذكورا أو ذكورا وإناثا. وهنا يأخذ الزوج النصف وتأخذ الأم أو الجدة السدس والأخوة لأم الثلث. أما الأخوة الأشقاء الذكور أو الذكور والإناث لا يرثون إلا بالتعصيب، أي يأخذون الباقي بعد نصيب أصحاب الفروض، وفي مسألتنا هذه لم يبق شيء للأخوة لأبوين. وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم الفقهاء فيها على قولين:
القول الأول: يقول بأن أصحاب الفروض يأخذون فروضهم والباقي للأخوة الأشقاء لاختصاصهم بالميراث بالتعصيب لقوله صلى الله عليه وسلم: “ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر”،( ) وحيث إنه لم يبق شيئا من التركة فلا شيء لهم، سواء أكانوا ذكورا أم إناثا. ولا يمكن أن نورثهم بغير هذا، لأنه لا ميراث إلا بنص، ولا نص لهذه الحالة يخرجها عن القواعد والعامة المعروفة. فإن ماتت امرأة وتركت زوجا وأما وأخا لأم وأختا لأم وأخوين لأبوين وأختين لأبوين، وتركت ثمانية عشر فدانا، يكون للزوج النصف وهو تسعة أفدنة وللأم السدس وهو ثلاثة أفدنة وللأخ لأم والأخت لأم الثلث وهو ستة أفدنة يقسمانها بالتساوي بينهما، ولا شيء للأخوة الأشقاء جميعا. ذهب إليه أبو بكر وعمر في قضائه الأول وابن عباس وابن مسعود وسفيان الثوري والشعبي والعنبري وشريك يحيى بن آدم ونعيم بن حماد وأبو ثور وابن المنذر والحنفية وابن اللبان وأبو منصور البغدادي من الشافعية والحنابلة.( ) 

أما القول الثاني: يقول بتشريك الأخوة الأشقاء ذكورهم وإناثهم مع الأخوة لأم في ثلثهم، نظرا لاشتراكهم في الأم، وأخذ الأخوة الأشقاء الثلث مع الأخوة لأم لا يناقض الحديث أنه من باب إلحاق الفرائض بأهلها. ورغم عدم وجود نص بعينه يؤيد تشريك الأخوة الأشقاء مع الأخوة لأم، إلا إن قواعد الميراث وأصوله تجعل الأفضلية لمن هو أقوى قرابة للميت، ولا جدال أن  الأخوة الأشقاء يزيدون عن الأخوة لأم في قرابتهم للميت بالأب فإن لم ينفعهم فينبغي ألا يضرهم، أي إنهم أقوى من الأخوة لأم. فلا أقل من أن يرثوا مثلهم. كما أن في الإشراك هكذا يكون استحسانا وتحقيقا للمصلحة والعدالة. فإن ماتت امرأة وتركت زوجا وأما وأخا لأم وأختا لأم وأخوين لأبوين وأختين لأبوين، وتركت ثمانية عشر فدانا، يكون للزوج النصف وهو تسعة أفدنة وللأم السدس وهو ثلاثة أفدنة وجميع الأخوة من الأم والأشقاء الباقي بالتساوي، وهم ستة ذكور وإناث لكل واحد منهم فدان واحد. ذهب إلى هذا عمر في قضائه الأخر وعثمان والمالكية والشافعية وكثير من المحدثين.( ) وهذا الراجح وما عليه العمل، وأخذت به كثير من التقنينات كالقانونين المصري والليبي. وفيه ترث الأنثى مثل الذكر بلغ ما بلغ.

 

-ج- الأنثى ترث أكثر من الذكر:
ترث الأنثى أكثر من الذكر في أحوال متباينة، وقد تكون درجة قرابتها للمورّث أقرب من الذكر الذي ترث أكثر منه، أو قد تكون في الدرجة نفسها. بالنسبة للمسألة الأولى كإذا ماتت امرأة وتركت زوج وأم وجد. وهنا يأخذ الزوج النصف والأم الثلث والباقي للجد تعصيبا، والباقي هنا السدس – أي إنها ترث ضعف الجد. وكذلك كميراث البنت الصلبية أو العليا مع ابن الابن أو الأدنى منها. كأن يترك بنت صلبية وابنا ابن، فللبنت الصلبية النصف فرضا ولابنا الابن الباقي تعصيبا وهو النصف بالتساوي بينهما أي لكل منهما الربع. كلما كثر عدد أبناء الابن تضاءل وصغر نصيبه بالنسبة للبنت الصلبية. وكذلك الحال إذا كانت بنتان صلبيتان مع عدد من أبناء الابن. والقاعدة هي هي مع بنت الابن الواحدة أو الاثنتين وإن نزلن في ميراثهن مع أبناء الابن الأنزل منهن.

أما المسألة الثانية فالأنثى في درجة قرابة واحدة مع الذكر الذي ترث أكثر منه. كميراث الأخوات لأم الواحدة أو الاثنتين، مع الأخوة الأشقاء أو الأخوة لأب الذكور. والفرضية هنا أن الجميع وارث ولا يوجد محجوب أو أن أصحاب الفروض لم يستغرقوا التركة جميعا، بحيث يبقى شيء للأخوة الأشقاء أو لأب. وذلك مثل: زوج وأختين لأم واثنين من الأخوة الأشقاء أو لأب الذكور على الأقل. وفي هذه الحالة يأخذ الزوج النصف فرضا، وتأخذ كل أخت لأم سدسا فرضا، ويتقاسم الأخان الشقيقان أو الأبويان الباقي بالتساوي تعصيبا، ولم يبق في التركة إلا السدس فينقسم بين الأخين، أي نصف سدس لكل منهما. وكلما كثر عدد الأخوة الأشقاء أو لأب قل نصيب كل منهم مع ثبات نصيب كل من الأختين لأم.

وكذلك لو كانت التركة بين أختين لأم وعدد لا يقل عن خمسة من الأخوة الأشقاء أو لأب. وهنا يأخذ كل أخ ذكر من الأشقاء أو لأب أقل من أخته لأم الأنثى.
هذا مع ملاحظة أن الأخ الشقيق أقوى في قرابته من الأخت لأم لاشتراكه معها في الأم وفضله عليها في الأب. ومع ذلك ترث أكثر منه في النماذج السابقة. وهي تساوي الأخ لأب في درجة وقوة قرابتها لأن كليهما يدلي للميت بأحد الوالدين. ورغم ذلك ترث أكثر منه كلما كان في الحالات السابقة. كما أن الأخ الشقيق يحجب كل الأخوة لأب ذكورا وإناثا، ولا يرثون معه. بينما لا يحجب الأخوة لأم ذكورا كانوا أو إناثا. 

– د- الأنثى ترث ولا يرث الذكر:
هذه الحالة تأخذ صورتين الأولى أن ترث الأنثى ولا يرث الرجل لأنها حجبته. والثانية ترث هي إن وجدت مع الوارثين ولا يرث هو إن وُجد مع الوارثين. وللإيضاح ونبين الآتي: 
المسألة الأولى هي ما تُعرف بالتعصيب مع الغير، وسنتناوله بشكل مفصل في المبحث الثاني من هذا البحث، ولكن نقطف منه هنا ما يناسب المقام. ومعناه أنه إذا كانت البنت الصلبية والبنت لابن وإن نزلت وتعددت أو البنتان الصلبيتان أو بنتا الابن وإن نزلتا، مع الأخت الشقيقة أو أكثر. فإنهن يصرن عصبة تتعصب بها الأخت الشقيقة مع البنات أو بنات الابن، وتصبح الأخت الشقيقة في قوة الأخ الشقيق وتحجب من يحجبه. أي إنها تحجب الأخ لأب متى وجد في أحد الصور المتعلقة بهذه المسألة.

المسألة الثانية ميراث فرض وبه عوْل أي أن المستحقين للميراث زائدون عن التركة. وفي العملية الحسابية يزيد مجموع الأنصبة المتمثل في الكسور الاعتيادية كالنصف والثلث عن الواحد الصحيح مع استحقاق الجميع. وتظهر صورة هذه المسألة فيما لو ماتت امرأة وتركت زوج وأم واثنين من الأخوة لأم أو أكثر وأخت لأب أو أكثر. فللزوج النصف فرضا وللأم السدس فرضا ولأخوة الأم الثلث فرضا وللأخت لأب النصف فرضا، وإن كانت الأخت لأب أكثر من واحدة فلهن الثلثان فرضا. أما إن كان مكان الأخت لأب الواحدة أو الأكثر أخ لأب واحد أو أكثر، فلا ميراث له إلا بالتعصيب أي يأخذ الباقي بعد أصحاب الفروض، وهنا المسألة عادلة مع أصحاب الفروض فنصف وسدس وثلث يعني واحد صحيح، فالتركة استغرقت كاملة لأصحاب الفروض ولا شيء لوارث بالتعصيب، وهو الأخ لأب في تلك المسألة. فالأنثى ترث وإن كانت ذكر لا ترث.

 ثانيا: الفرق بين ميراث الأنثى والميراث الأنثوي وجهاته

للميراث الأنثوي جهات على سبيل الأصالة، وميراث الأنثى تابع لغيره. ومن ثَم نفرق أولا بين ميراث الأنثى والميراث الأنثوي، وثانيا نبين جهات الميراث الأنثوي. وذلك على النحو الآتي:

– أ- الفرق بين ميراث الأنثى والميراث الأنثوي:
ألمحنا في مطلب التعريف الأول بهذا البحث إلى اختصاص الميراث الأنثوي على وجه يجعله أخص من ميراث الأنثى. ونبني على ما سبق منعا للتكرار. فميراث الأنثى مصطلح مركب تركيبا إضافيا يفيد صلة إضافة تضيف المضاف للمضاف إليه، أي نبحث عن كل ميراث مضاف للأنثى، وهو بعبارة أخرى عبارة عن تتبع حالات ميراث الإناث واحدة كانت أو أكثر أيا كان نوع الميراث الذي ترثه، ولا يهم أورثت مع ذكر أو كانت وحدها.

أما الميراث الأنثوي مصطلح وصفي، نصف فيه الميراث بأنه أنثوي، والوصف يفيد التعيين والتخصيص. وهذا يعني البحث عما هو أنثوي خالص في الميراث دون أن يشارك الأنثى فيه غيرها يؤثر في عدم انطباق الوصف على الميراث الحاصل.
وبتتبع حالات الميراث مصادرا وتأصيلا وتحليلا وجدنا أن هناك حصة ميراث لا يدخلها أي ذكر من الوارثين في التركة، وكذلك هناك ميراث خالص للإناث ينفين عنه الذكور، فلا يرث أي ذكر أصلا في هذا الميراث الأخير. هذا هو الميراث الأنثوي بصورتيه. بينما ميراث الأنثى غير ذلك فقد نجد بنت وابن يرثان التركة للذكر مثل حظ الأنثيين، فنصيب البنت هنا ميراث أنثى. وهذا غير الأنثوي على نسق ما يستبين لاحقا.

– ب – جهات الميراث الأنثوي: “اتحاد الجهات فرض واختلافها تعصيب”
الجهة في الميراث: “مجموعة من الوارثين يدلون للمورّث بنفس نوع القرابة وتحكمهم نفس القواعد والضوابط في الميراث، وقد يتفاوتون في الدرجة أو القوة”. وبهذا المعنى وبتتبع أحوال الوارثين، نجد أن البنات من جهة والأخوات من جهة أخرى يتمتعن بنسق واحد ومتشابه في المنظومة القاعدية والنصية للميراث. ولم يُذكر غيرهن من الإناث لهن نفس تلك المنظومة المتوالية في وصفهن وتتابعهن في آيات الميراث المفصلة. ومن ثَم فللميراث الأنثوي جهتان. جهة تضم البنات وتَسمى جهة البنات. وجهة تضم الأخوات، وتُسمى جهة الأخوات. والبنات إذا ورثوا مع بعضهن في جهتهن يرثن بالفرض، وكذلك الأخوات. أما إذا أختلفت الجهات وتداخل بعضها مع بعض، كأن ترث البنت مع الأخت الشقيقة، فالميراث هنا تعصيبيا مع الغير. ولبيان كل جهة نعرض الآتي:

-1- جهة البنات:
هي الجهة التي تضم وتنظم أحوال البنات وميراثهن، سواء كن في درجة واحدة أم درجات متفاوتة. والبنات إما صلبيات وإما بنات أبناء. فإن كن بنات المورّث المباشرات فهن صلبيات، أما إن كن بنات أبنه الذكر أو ابن ابنه وإن نزل فهن بنات ابن. وبنات الابن ينزلن منزلة البنات الصلبيات في حالة عدم وجود الصلبيات. بحيث تكون بنت الابن الأقرب للمورُّث هي في مقام البنت الصلبية ومن دونها بنت ابن فقط. أما بنات البنات وبنات بنات الابن فلسن من تلك الطائفة ولسن من جهة البنات المقصودة في الميراث إذ هن من ذوي الأرحام ولا يرثن إلا إذا عدم الورثة الأصليون من أصحاب الفروض والعاصبين، وهذا ما اتفق عليه الفقهاء وأجمعوا( ). 
ولم يشذ عن ذلك إلا الشيعة الإمامية إذ يورثون أولاد البنات نصف ما يرثه أولاد الأبناء.( )

وبهذا ترث البنتان الثلثان الصلبيتان الثلثين من التركة لقوله تعالى: {…فَإِن كُنّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ…}(11)سورة النساء. وإن لم توجدا ترث بنتا الابن، وإلا فبنتا ابن الابن وإن نزل الابن. وإن كانت البنت الصلبية الواحدة ومعها بنت ابن أو كانت بنت الابن ومعها بنت ابن ابن ترث الأولى النصف وترث الأخرى السدس تكملة للثلثين. فالقاعدة هنا أن البنت الأقرب إذا كانت واحدة ترث نصفا والتي تليها في الدرجة ترث سدسا سواء أكانت واحدة أم أكثر، فليس لهن إلا السدس في هذه الحالة.

وعلى هذا النسق التتابعي يتم انتظام الميراث للبنات وبنات الابن وإن نزل في جهة البنات. وهن فيه لا يزدن عن ثلثي التركة. ولا يرث معهن فيه أي شخص، سواء أكان ذكر أم أنثى، وإن كانت أم أو أخت.

-2- جهة الأخوات:
هذه الجهة تضم وتنظم ميراث أخوات المورّث من أبويه أي الشقيقات وأخواته لأبيه فقط. والفرضية هنا عدم وجود ذكر وارث من أبناء المورّث أو إخوته الأشقاء أو لأب، فإذا وجد أحدهم كان ميراث بالتعصيب وتختلف الأمور. ولا يدخل جهة الأخواتِ أخواتٌ أخريات، وهن الَّائي ورد ذكرهن في قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لّمْ يَكُنْ لّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثّلُثَانِ…}(176)سورة النساء. وعلى هذا ترث الأخت الشقيقة الواحدة أو الأخت لأب الواحدة نصف التركة في حالة عدم وجود البنت الصلبية أو بنت الابن، وإن كانتا اثنتين أو أكثر من الأخوات الشقيقات أو الأخوات لأب ورثن ثلثي التركة.

وإن كانت الأخت الشقيقة واحدة ومعها أخت لأب أو أكثر، ورثت الأخت الشقيقة النصف وورثت الأخت لأب الواحدة أو الأكثر السدس تكملة للثلثين، حيث إن الأخت لأب بالنسبة للأخت الشقيقة تنزل منزلة البنت لابن بالنسبة للبنت الصلبية وهذا بإجماع الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية والشيعة الزيدية.( ) عدا خلافا للشيعة الإمامية فإنهم يسقطون الأخوة لأب ذكورا وإناثا مع الأخوة الأشقاء ذكورا أو إناثا، فلا ترث الأخ لأب مع الأخت الشقيقة شيئا ولو انفردتا بالمال، فتأخذ الأخت الشقيقة النصف فرضا والباقي ردا.( )
وعلى هذا النسق التتابعي يتم انتظام الميراث للأخوات الشقيقات ولأب في جهة الأخوات. وهن فيه لا يحصلن على ما يزيد عن ثلثي التركة. ولا يرث معهن فيه أي شخص سواء أكان ذكر أم أنثى، وإن كانت أم أو أخت لأم أو بنت.

مع ملاحظة أن جهة الأخوات فيها الأخوات جميعا من درجة واحدة، وإن تفاوتن في القوة، فالأخت الشقيقة أقوى لأنها تنتمي للمورّث من طريق الأب والأم معا، أما الأخت لأب فتنتمي للمورّث بطريق الأب فقط. وهن هنا يختلفن عن جهة البنات، إِذْ فيها بنات صلبيات وبنات ابن وهن أبعد درجة من البنات الصلبيات، وتبعد درجة بنت الابن كلما نزل أبوها درجة. أما جهة الأخوات فلا. 
هذا مع التنبيه على أن ميراث كل جهة على حالها إذا كانت مسألة الميراث أو القضية المعروضة على المنوال نفسه، أما إذا تداخلت الجهتان بحيث يترك المورث بنات مع أخوات، فإن الميراث في هذه الحالة خرج عن جهتيه ومن ثَم خرج عن التقدير بالفرض ليصير ميراثا بالتعصيب مع الغير وهو ميراث أنثوي، نتناوله بالمبحث التالي إن شاء الله. ومن ثَم يمكن استنباط قاعدة مفيدة هي: “اتحاد الجهات فرض واختلافها تعصيب”.

المبحث الثاني
الميراث الأنثوي بين الفرض والتعصيب
 

ترث الأنثى في ميراثها الأنثوي إما بالفرض وإما بالتعصيب، فإن كان بالفرض حصلن مجتمعات على ما لا يزيد عن الثلثين، وإن كان بالتعصيب كان تعصيبا مع الغير. 
ولمزيد من الإيضاح نبين كل منهما في مطلب على النحو الآتي:

  
المطلب الأول
الميراث الأنثوي بالفرض
 
عند الكلام عن الميراث الأنثوي الفرضي ينبغي أولا أن نبين ماهيته من خلال تعريفه ومشروعيته. ثم نبين الوارثات به وأنصبتهن. وذلك وفق الآتي:
 
أولا: ماهية الميراث الأنثوي الفرضي

نتناول ماهية الميراث الأنثوي الفرضي من حيث تعريفه أولا ثم مصدره ومشروعيته في شريعة الإسلام. وذلك على النحو التالي:

– أ- تعريف الميراث الأنثوي الفرضي:
 سبق تعريف الميراث الأنثوي بأنه: “علم ما يحق لإناث على نحو ينفين منه غيرهن، ويكون بسبب القرابة، وعلم من يُمنع أو يُحجب من مال آخر مات أولا بعد أداء حقوقه وفق ضوابط وقواعد من علمي الفقه والحساب”. فإذا زادت كلمة “الفرضي” فمن شأنها زيادة صفة جديدة تزيد في تخصيصه أكثر. بحيث ينحصر الميراث الأنثوي في حيز الفرض فقط. والفرض في اللغة تعني الوجوب والإلزام والتبيين والتقدير( ).

– الفرض في اصطلاح الفقهاء: 
عند الحنفية: “سهم مقدر ثابت في الكتاب والسنة أو الإجماع”( ) وعند المالكية: “المقدار في كتاب الله ستة أصول نصف ربع ثمن وثلثان وثلث وسدس”( ) وعند الشافعية: “نصيب مقدر شرعا للوارث” وقالوا: “سهم مقدر في الكتاب أو السنة” وقالوا: “الأنصباء المقدرة في كتاب الله”( ) وعند الحنابلة: “مقدار في الكتاب والسنة لوارث”( ) وعند الزيدية: “سهم مفروض في الكتاب أو في السنة أو في الإجماع أو في الاجتهاد”( ) وقالوا: “النصيب المقدر شرعا وأهله المستحق له بالنص”( ) وعند الإمامية: “السهم مطلقا المقدر في الكتاب والحاصل من السنة”( ) كما عرفه المحدثون بتعاريف متقاربة فقالوا: “مقدار مقدر شرعا بالكتاب والسنة”( ) وقالوا: “حيث يتحدد استحقاق الوارث في التركة بجزء معين منها كالربع أو الثلث”( ) وقالوا: “السهم المقدر شرعا”( ) وقالوا: “السهم المقدر للوارث بنص القرآن أو السنة أو الإجماع”( ).      
 
الملاحظ أن التعريفات جميعها تكاد تتفق على معنى واحد هو (كوْن الفرض عبارة عن نصيب مقدر ومحدد بنص في القرآن أو السنة أو الإجماع للوارث) وإذا أضفنا هذا المعنى إلى الميراث الأنثوي يترتب اختصاص الميراث الأنثوي بمقدار محدد أو كليا أو جزئيا، وما خالفه لا يدخل في الميراث الأنثوي الفرضي. وحيث إن الميراث الأنثوي من حيث الفرض لا يزيد عن الثلثين، ولا يدخل فيه الربع لاختصاصه بالزوج عند وجود الولد لزوجته المورثة، والزوجة عند فقد الولد من زوجها المورث، ولا يرثه بالفرض غيرهما. وكذلك لا يدخل في فرض الميراث الأنثوي الثمن لاختصاصه بالزوجة عند وجود الولد للزوج المورّث، ولا يرثه بالفرض غيرها. إذن لم يبق من الثلثين إلا النصف والسدس بالإضافة إلى الثلثين نفسها. 
وعلى ذلك يمكن أن نعرف الميراث الأنثوي الفرضي بأنه: “علم ما يحق بالنص لإناث من الثلثين والنصف والسدس على نحو ينفين فيه غيرهن، ويكون بسبب القرابة، وعلم من يُمنع أو يُحجب من مال آخر مات أولا بعد أداء حقوقه وفق ضوابط وقواعد من علمي الفقه والحساب”.

– ب- مشروعية الميراث الأنثوي الفرضي:
ذكرنا أن الميراث الأنثوي الفرضي ينحصر في جهة البنات وجهة الأخوات، ومقداره الثلثان بحد أقصى، ونصيبان دون الثلثين هما النصف والسدس. وقد ثبت هذا بأدلة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والإجماع. ولبيانه نعرض الآتي:

• جهة البنات:
لا خلاف بين الفقهاء في أن البنت تأخذ النصف إن كانت واحدة، وأن البنات إذا كن ثلاث أو أكثر ورثن الثلثين؛ لقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِيَ أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الاُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النّصْفُ…}(11)سورة النساء. واختلفوا فيما إذا كانتا اثنتين. فذهب عامة الفقهاء إلى أنه البنات لهن الثلثان سواء أكن اثنتين أو أكثر. ذهب إلى ذلك الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية والزيدية والإمامية. بينما ذهب ابن عباس إلى أن البنتين لهما النصف كالواحدة. ولا تأخذ الثلثين إلا الثلاث بنات فأكثر. ونعرض للرأيين ومناقشة أدلتهما:
استدل ابن عباس على أن للبنتين النصف ولمن فوقهن الثلثان بالكتاب.

– الاستدلال بالكتاب:
قال الله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِيَ أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الاُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النّصْفُ…}(11)سورة النساء. ووجه الدلالة أن ظاهر الآية شرط استحقاق البنات للثلثين أن يكن فوق اثنتين، والمعلق بالشرط معدوم قبل الشرط. وقد تجاذب البنتين حالتان، فإما أن تعتبرها بالثلاث وإما بالواحدة. واعتبارهما بالواحدة أولى، لأن في اعتبارهما بالثلاث إبطال شرط منصوص، والقياس لإبطال النص باطل. كما أن أول الآية ما يدل على أن للبنتين النصف لقوله تعالى: {لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الاُنْثَيَيْنِ} ومن ترك ابنا وبنتين، فللابن النصف وللبنتين النصف. وفي قوله تعالى: {فَإِن كُنّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} فإن كلمة {فَوْقَ} وكلمة {فَلَهُن} دل على الزائد عن الاثنين وهو لفظ جمع ويدل على الجمع ما تعلق به، والجمع أقله ثلاثة. فأهل اللغة جعلوا الكلام مفرد وهو على الواحد ومثنى أي على الاثنين وثلاثة فأكثر وهو الجمع. ومن ثَمّ يترجح جانب الجمع وأقله ثلاثة في الآية على جانب التثنية، ومن ثَم يظهر أن البنتين لهما النصف والثلثين لثلاث بنات فأكثر.( )      

أجاب الجمهور على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة والقياس والمعقول. ونتاولها فيما يلي:
فمن الكتاب: قول الله تعالى في حق البنت مع الابن: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِيَ أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الاُنْثَيَيْنِ} فقد جعل الله للبنت مع الواحد من إخوتها الثلث، وهو حالها مع أخيها الذكر وحاله أقوى منها، فهو يرث المال كله إذا انفرد وهي لا ترث إلا النصف، ومع ذلك لم تقل عن الثلث، فإذا كانت مع أختها الأنثى كان ذلك أولى، بحيث لا تقل عن الثلث فترث هي وأختها الثلثين. وكذلك إذا زدن. وفي قوله تعالى: {…نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ…} فإن كلمة {فوق} لا تعني الزيادة، ولكنها للتنبيه والتعيين، كما جاءت في قوله تعالى: {…فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلّ بَنَانٍ}(12)سورة الأنفال. فالمعنى ليس العدد فوق جمع الجمع وإنما المعنى اضربوا الأعناق. كذلك المعنى في آية البنات ورّثوا البنتين الثلثين. كما أن القرآن الكريم قد خاطب الاثنين بصيغة الجمع في مواضع كثيرة منها: قول الله سبحانه وتعالى: {وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا…}(38)المائدة، ومعروف أن الذي يُقطع يد واحدة لكل سارق لا اليدان، فالحكم قطع يد للسارق ويد للسارقة أي قطع يدين، ولكن القرآن قال “إيديهما” بالجمع. وقول الله تعالى: {…عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً…}(83)سورة يوسف، في إشارة نبي الله يعقوب عليه السلام لابنيه يوسف عليه السلام واخيه الأصغر بنيامين، الذان غاب أحدهما منذ سنين والآخر متهم في سرقة ويعاقب كرقيق، ولا يشمل الخطاب الابن الأكبر ليعقوب عليه السلام الماكث في مصر حياء وخوفا من أبيه، وهو في قوله تعالى: {…فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ حَتّىَ يَأْذَنَ لِيَ أَبِيَ أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}(80)سورة يوسف لأن أباه يعرف وجوده الآمن أما قلقه واشتياقه كان ليوسف وبنيامين. وقول الله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَاُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوّرُواْ الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَىَ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىَ بَعْضُنَا عَلَىَ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَآ إِلَىَ سَوَآءِ الصّرَاطِ * إِنّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزّنِي فِي الْخِطَابِ}(23:21)سورة ص، فالذين دخلوا على داود عليه السلام خصمان اثنان لاأكثر، ومع هذا أخبر عنهم القرآن بصيغة الجمع. وقول الله تعالى: {إِن تَتُوبَآ إِلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا…}(4)سورة التحريم، المخاطب لاثنين “تتوبا” والخطاب بالجمع أيضا. وكذلك من جانب الوضع اللغوي فإن الثلاثة ليست أول الجمع أو أدناه، فلم يقطع أهل اللغة بهذا، وإنما قد يناول الجمع الاثنين والأكثر، فقد قال الإمام الجُوَيني: الظاهرُ أن التثنية وُضعَ لفظُها بعد الجمع لمَسيس الحاجة إلى الجمع كثيراً؛ ولهذا لم يُوجد في سائر اللغات تثنية، والجمع موجود في كل لغة. وَمنْ ثمَّ قال بعضهم: أقلُّ الجمع اثنان. كأَن الواضع قال: الشيءُ إما واحدٌ وإما كثير لا غيرُ فجعل الاثنين في حدّ الكثرة.( )

ومن السنة: ما رواه الإمام الترمذي بسنده عن جابر بن عبد الله قال: “جاءت امرأة سعد ابن أبي الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما. فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال. قال: “يقضي الله في ذلك”. فنزلت آية الميراث. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما. فقال: “أعط ابنتي سعد الثلثين. وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك”.( ) دل الحديث على أن للبنتين الثلثين. والسنة مفسرة لكتاب الله ومفصلة لمجمله.

ومن القياس: قول الله سبحانه وتعالى في حق البنات: {…فَإِن كُنّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ…} وقوله تعالى في حق الأخوات الشقيقات ولأب: {…فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثّلُثَانِ مِمّا تَرَكَ وَإِن كَانُوَاْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الاُنثَيَيْنِ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلّواْ وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ…}(176)سورة النساء. نجد أن الله تعالى ذكر نصيب الأكثر من الاثنين في آية البنات وذكر نصيب الاثنين في آية الأخوات، وحيث إن القرآن كله محكم من الله تعالى ويفسر بعضه بعضا فيكون قد بين حكم الاثنتين وحكم ما فوقهما باستقراء معنى الآيتين، وضم المعنيين إلى بعضهما.

 

ومن المعقول: يتلاحظ أحكام الميراث عامة أن كل ما يتغير فيه الحكم لأكثر من الواحد يستوي فيه الاثنان مع ما زاد عن الاثنين، ذلك مثل ميراث الأختين الشقيقتين أو لأب كميراث الثلاث أخوات أو أكثر، وميراث الأخوة لأم الاثنين الثلث ذكورا أو إناثا كميراث الثلاثة أو أكثر، وكذلك ميراث البنتين يكون كالثلاث أو أكثر. كما أنه إذا كان ميراث الأختين الشقيقتين أو لأب الثلثين، فلابد أن يكون ميراث البنتين لا يقل عن الثلثين، لكوْن البنت أقرب للمورّث من أخته، فإذا ورثت الأختان ثلثين وهما أبعد، فالبنتان وهما الأقرب ترثان الثلثين من باب أولى.( )

واستدل عامة الفقهاء على أن الثلثين حق الاثنين من البنات أو الأكثر من الاثنين، بالكتاب والسنة والإجماع. نتناولها وفي الآتي:
من الكتاب: قول الله تعالى: {…فَإِن كُنّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثَا…}(11)سورة النساء. والمراد أن البنات إن كان عددهن اثنتين أو أكثر من ذلك فيحق لهن ثلثان التركة. 
وأما السنة: فما رواه الإمام الترمذي بسنده عن جابر بن عبد الله قال: “جاءت امرأة سعد ابن أبي الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما. فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال. قال: “يقضي الله في ذلك”. فنزلت آية الميراث. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما. فقال: “أعط ابنتي سعد الثلثين. وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك”.( ) دل الحديث على استحقاق الب

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ (مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ

لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد تنظم ندوة دولية بعنوان «هجرة النبي ﷺ: بناء وتجديد»

تنظم لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ندوة

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

100%